طبائع الاستبداد السعودي

اعلم ـ أيدك الله ـ بأن أهل المزاجية لا يستقيم معهم قانون، بل إنهم يخافون من ايجاد قانون قد يضطرهم إلى الخضوع له خلافاً لرغبات أنفسهم، فان شأن القانون ان تصبح نصوصه حاكمة لاحراج السلطة.
والمتتبع لأخبار اهل الاستبداد يلاحظ أنهم يحكمون ا لبلاد بلا دستور منذ ان اقاموا دولتهم قبل ثمانين سنة من الآن، وانهم لما ثارت ثائرة اهل الإسلام . مطالبين بتحكيم الدستور. وإقامة الحكم. وسن القانون، واجهوا الناس بالحديد والنار، فلما عجزوا عن كبت ثائرتهم، وارادوا التخفيف من غضبهم، اعلنوا انهم سيقيمون الحكم على دستور، وقد حدث الامر منذ عشرين سنة يوم تولى اخوهم فيصل الحكم، لكنهم وعدوا ـ وهم يعلمون انهم يكذبون ـ فما ان استقر حكم فيصل .. حتّى أعلن ان ما وعد به من دستور، موجود قبل ان يعلن، ألا وهو القرآن ـ معاذ الله ان ينزل القرآن إلى دركهم .. أو ان يتسافل إلى دواوينهم ـ .
ثم لما جاء أخوهم الآخر المسمى خالد . وعد بما وعد به سلفه ثم كذب الوعد كما كذب سلفه حتّى مات، فلما جاءاخوهم الثالث المسمى فهد . ما خالف سنة أسلافة، فوعد وكذب، وسيبقى يعد ويكذب ، كما هي شيمة المنافقين ـ الذين إذا حدثوا كذبوا .. وإذا وعدوا أخلفوا . وإذا ائتمنوا خانوا.
فأهل الاستبداد ـ حماك الله من شروروهم ـ اهل مزاج، يتبعون ما توحي به أنفسهم، ولا يتبعون قانوناً أو شريعة ثابتة واضحة.
واما ما ذكرت ـ ايها العزيز ـ من ان افي البلد من الفقهاء والعلماء والخطباء جمع كثير، فهذا ما لا اخالفك فيه لكن امن لهؤلاء العلماء بأن يقولوا ما يرونه حقاً، وقد كممت افواههم. وغلت ايديهم؟ فبعضهم سجين ما يعطيه اهل الاستبداد من راتب أو مكافأة أو هدية. وبعضهم سجين لخوف على نفسه من السجن أو التعذيب أو النفي . وبعضهم لا يزال يأمل في صلاح اهل الاستبداد، هو يسعى لذلك بالمداهنة والملاطفة واللين.
فهؤلاء القضاة انما نصبهم اهل الاستبداد في مناصبهم، ليكونوا قضاة على الضعفاء دون الاقوياء. والفقراء دون الأغنياء. واهل العامة دون المقربين، فهل سمعت ـ ايها العزيز ـ ان قاضياً قد حكم يوماً ما على امير أو وزير أو حتّى خادم امير، أو ذيل وزير!؟
فمن هذا يظهر ان اهل الاستبداد ماضون في فسادهم ومستقيمون على غيهم، مهما كان في البلد من عالم أو فقيه.
لعلي أرى في عيونك بوادر تساؤل عما ذكرته من مزاجية أهل الاستبداد. فإني أجد فيما رويته لك ما يكفيك ، لكني مع ذلك اورد لك طرفاً مما سترى فيه مصداقاً لما اقول، فمن أحوالهم أنهم عزموا على وأد كل فكرة تدعو إلى العدل. وقمع كل حركة تهدف للاستنصاف، فبحثوا عن حملة الفكر، وأرباب القلم، ورواد مجالس العلم وأهل الديانة، فاعتقلوهم وسجنوهم جملة واحدة في زمان اخيهم فيصل ، وكان ملكهم الحاضر وزيراً للداخلية ورئيساً للشرطة يومذاك.
ثم لما مات فيصل .. استنشق أهل الإصلاح نفس الراحة، وأعادوا المطالبة بالحق والعدل والإصلاح، فقويت شوكتهم، ورأى اهل الاستبداد ان من الخير لهم أن يرخوا الحبل المشدود على رقاب الناس، ويتركوا لهم مجالاً قليلاً للقول والفعل كي يبرد غضبهم ، فلما ثارت ثائرة اهل الإسلام من جديد في حرم الله وفي عدد من المدن الأخرى، اجروا عليهم سنة سلفهم، فقتلوا وسجنوا وعذبوا وشردوا ما لا يعرف حسابه الا الله، ثم ظهر لهم بعد مدة وجيزة ان يطلقوا سراح المسجونين، فما لبثوا على ذلك غير ايام حتّى عادوا إلى اعتقالهم، ومرت فترة وجيزة أخرى. فاطلقوا سراحهم ثم اعتقلوا غيرهم، ثم ظهر لهم ان يمنعوا سفر من خرج من السجن. ثم عادوا عن ذلك فسمحوا لهم، ثم تراءى لهم ان يفصلوا كل من سجن سابقاً عن عمله وان يقطعوا عنه رزق عياله. ثم عادوا عن ذلك ففصلوا قسماً وأبقوا آخرين.
ثم تراءى لهم ان يمنعوا كل من عليه شبهة الإصلاح، وكل من له قريب أو نسيب أو صديق من دعاة الحق والانصاف، ان يمنعوهم من السفر. وان يجبروهم على البقاء في حدود البلاد حتّى يكونوا تحت نظر زبانيتهم، وقد اصاب ذلك المئات . بل الألوف من عموم الناس، ومثل هذا الامر يحدث في كل جانب من جوانب هذه المملكة التي أصبح اسمها إلى المهلكة اقرب!.
طبائع الاستبداد السعودي ـ ابو فرج المدني
من مَلَكَ استأثر
إعلم ـ ايدك الله ـ أن اهل الاستبداد ممن يحكمون البلاد قد انشأوا دولتهم بالحيلة والمكر، وانهم قد استعملوا أساليب النفاق والمداراة حتّى برعوا فيها فأصبحوا لا يدانيهم احد، وقد ضربت لك امثلة من أساليبهم . وكيف انهم يحبكون خططهم في السر فيظهرون غير ما يخفون ويقولون غير ما يفعلون، يظهرون المودة ويبطنون البغضاء. ويدعون التواضع، وحقيقهم الكبرياء.
لكن ذلك كله كان في الأساس على عدوهم . وكانوا متألفين متحدين حتّى إذا انتصروا فأقاموا دولتهم واستقر بنيانهم توزعوا بينهم المناصب وتقاسموا البلاد والعباد، فأكثرهم اصبح وزيراً أو اميراً. اما صغارهم فأصبحوا وكلاء ورؤساء دوائر.
وقد روى لي من اثق به، ان ولدا من اولادهم وهو متعب . وهو شاب تخرج حديثاً من الكلية العسكرية، فأعطوه رتبة ملازم! . وعلى منطوق اهل بلادنا أصبح أبو نجمة . فبحثوا له عن وظيفة تناسب كونه اميراً . فلم يجدوا ، لكونه صغير الرتبة وقليل الكفاءة، فأمر والده ـ وهو رئيس الحرس ـ بترقيته استثنائياً .. فأصبح ذا ثلاثة نجوم ويدعوه العسكر بالنقيب، ثم عينوه قائداً لمدارس التدريب في الحرس الوطني ثم بدا لهم استحداث كلية لتدريب الجيش والشرطة وغيرها. فرغب متعب في تولي رئاستها . فأخبروه ان رئاسة الكلية لا تستوثق الا لمن كان ذا تاج ونجمتين مما يسميه العسكر بالعقيد، ولأنه امير .. والبلاد طوع بنانه .. والآذان تـنتظر الجواهر من فلتان لسانه، فقد رقي ـ استثنائياً إلى رتبة العقيد! .. فانظر ـ نور الله بصرك ـ كيف انهم تجاوزوا رتبتين فعينوه في الثالثة، فأصبح مجموع ماتجاوزه الرجل خمس رتب. يحتاج العسكري العادي إلى عشرين عاماً من الخدمة حتّى يحصل عليها. أو خمسة عشر عاماً، بإضافة دورات الأركان والقيادة واداء بعض المهمات الحربية، بينما حصل عليها ـ سمو الأمير ـ خلال ثلاث سنوات ، ! دون ان يدخل دورة أو يقود حرباً أو يهزم عدواً .. اللهم الا براعته في صيد الحباري بالصقور في صحراء الجزيرة العربية، أو صيد الغزلان بالبنادق في صحاري باكستان !..
ثم اعلم ـ هداك الله إلى واضح الطريق ـ ان بعضهم رغب عن تولي بعض المناصب، واثر التكاثر في الأموال والأولاد، فأنشأ الشركات والمتاجر .. وبنى العمارات، حتّى يروي ان بعضهم قد اصبح له من المال ما يضاهي كنوز قارون، حتّى ان موظفيه يسرقون منه بالملايين وهو لا يعلم .. لكثرة ما لديه من المال ما يستحيل حصره وحسابه ! .. واستعانوا بسلطانهم على منافسة التجار لهم.
وقد روى لي بعض من اثق بهم من اهل الاخبار .. ان تاجراً من عامة الناس كان يستورد من أوروبا انواع الدهن النباتي الحيواني الخاص بالطبخ، وقد شاعت تلك الاصناف وانتشرت في البلاد حتّى اصبح الناس يسمون كل دهن باسم الهولندي وهو اسم البلد الذي يستورد منه ذلك التاجر، ونتيجة لهذا الصيت فقد ربح التاجر ربحاً عظيماً، وفي يوم من الأيام.. وبينماكان التاجر يصرف امور عمله، وردته برقية بأن الشركة ستتوقف عن شحن السمن اليه،ففزع فزعاً عظيماً وأرسل اليهم برقية يستفسر عن السبب .. فلم يجيبوه، ثم اخذ يرسل اليهم الرسالة تلو الرسالة دون جواب، فلما رأى ذلك أرسل ولده اليهم.. فلم يكلموه، فازداد عجباً ثم اخذ نفسه وسافر اليهم بحثاً عن سبب توقفهم.. فلما الح عليهم اخبروه بأن جهات عليا لا تستطيع الشركة مقارعتها اقرت بإلغاء توكيله وتحويله إلى شخص آخر، فعاد التاجر قانطاً وقد انهارت أحلامه.
وذات يوم كان يتجول في السوق.. فراى ذلك السمن الذي كان يستورده، فحنت نفسه إليه.. فأخذ علبة منه وأخذ يتفحصها. وإذا بها مزينة بهذه العبارة السمن الهولندي الشهير ـ الوكيل الوحيد ـ شركة الأمير فلان بن فلان .. فقال في نفسه . إذا عرف السبب .. بطل العجب .
ومن قصصهم ـ اعزك الله ـ ان احدهم ويدعى تركي . عينوه نائباً لوزير الدفاع، وبعد زمن اقالوه وسجنوه في قصره للنظر في شأنه، فأحس تركي ان اخوته يتآمرون عليه ليقتلوه، فهرب من البلد إلى أميركا وأقام هناك عدة سنين، وقد سمعت من أهل الاخبار ان سبب طرده من الوزارة هو أنه تآمرمع بعض العسكر الشرطة وبعض الأمراء لقتل الملك والاستيلاء على الحكم.. ولكنهم اكتشفوا ذلك قبل تنفيذه ، وحدثني اخرون ان السبب غير ذلك. فقالوا أن تركي قد تزوج امرأة تدعى بنت الفاسي . والفاسي رجل اصله من المغرب . استوطن الحجاز وحصل على الجنسية، وكانت له بنات آيات من الجمال. فلما بلغن مبلغ الزواج اخذهن ابوهن إلى عاصمة البلاد وتقرب إلى الأمراء وأخذهن إلى مجالسهم، حتّى إذا رأى فرصة عرض بناته على بعضهم واغراهم بالزواج، وقد نجح اخر الامر في تزويج اثـنتين منهن من الأمراء، وقد اصبح كلاهما موضع غضب .. احدهما فيصل بن فهد ، والآخر تركي سابق الذكر.
ثم اعلم ـ ايدك الله ـ أن تركي لما هرب إلى أمريكا. اقام عدة سنين، ثم تدخل أهل الخير فأصلحوا بينه وبين اخوته . فعاد إلى البلاد، فلما استقر به المقام لم يطق صبراً على بقائه في البيت بينما اخوته ينعمون في بحبوحة ويتمتعون بعز السلطان، فأخذ في مطالبتهم باعطائه نصيبه مما اورثهم ابوهم من ملك البلاد وحكم العباد. فما رضوا باعطائه شيئاً.
أما هو.. فلم ييأس، فلما رأوا الحاحه في الطلب، اخبروه بأن لا فائدة في المطالبة الآن . وأنه مغضوب عليه الآن . وإذا احب فإنهم يأذنون له في أن يأخذ ما يشاء من المال والعقار التابع للحكومة مما لم يضع امير آخر يده عليه، فاستشار هو بعض حلفائه فأشاروا عليه بأن لا يلح في الطلب، فامتنع الرجل واتجه إلى التجارة في العقار. فأرسل مندوبين عنه إلى بلديات المناطق يسألهم عن الأراضي التي لا تزال في حوزة الحكومة. فما وجد الا قليلاً من الأراضي الصحراوية البعيدة مما ظن ان العمران لن يصل اليها قريباً لكنها الآن غير ذات مردود، لذلك يستغرب الناس عندما يخرجون إلى النزهة في الصحراء فيرون لافتات صغيرة هنا وهناك كتب عليها ان هذه ارض فلان، إذ كيف وصل هذا الأمير إلى هذه الأرض البعيدة عن المدن بعشرات الاميال وسط الصحراء !؟
ثم اعلم ـ رفع الله شأنك ـ ان الأمير لما استملك تلك الأراضي وهي غير ذات مردود، ارسل رجاله إلى المدن يبحثون له عن الأراضي الخالية، فما وجدوا غير الحدائق أو الأراضي المعدة للمشاريع والمرافق العامة التي تنفذها الحكومة.. فأمر باستملاكها، فقيل له ان هذه مخصصة لمشاريع حكومية وقد خططت ورصدت ميزانيتها، اجابهم بأن البلد كلها ملك ورثناه عن المرحوم والدنا. نفعل فيه ما نرغب،فان شئنا اقمنا عليه مشاريع للناس وان شئنا اقمنا عليه مشاريع لنا.
فلما عارض رؤساء البلديات .. هددهم بالعزلن فما رأوا دون إجابة طلبه حيلة، فاتخذ تلك الأراضي أقام عليها عمارات وأسواق يؤجرها للناس بما يعود عليه من المال ما يكفي لاعاشة قبيلة بكاملها وإذا قيض لك ـ ايها العزيز ـ ان تسافر إلى بعض المدن كمدينة الخبر.. فستجد ثلاث عمارات فخمة يملكها الرجل. وقد كانت ارضها في السابق حديقة يتنزه فيها الناس، ويقابلها في الجهة الأخرى عمارة فخمة أخرى للأمير نفسه . كانت في السابق ارضاً قررت الحكومة ان تبني عليها مكاتب للدوائر.
ولا تعجبن من هذا .. فعلى بعد امتار، هناك عمارة للأمير سلطان يبلغ ايجار الشقة فيها مائة الف ريال في السنة، فلما رأى ان احداً لم يتقدم لاستئجارها بهذا السعر. اجرها بأكملها لوزارة الدفاع وارتاح . لأن الأمير لا يحب ان يشغل نفسه بهذه الأمور ما دامت الدولة تستطيع ان تدفع ما يعجز عنه الناس.
الا ان ما يجعلني متحيراً . أن الأمير تركي لم يطلق اسمه على الأراضي التي استملكها . فكما ترى ان كل امير اطلق اسمه على كل ناحية، حتّى غدت المدن واحياؤها تضم شجرة الاسرة المالكة صغيرها وكبيرها، فهذا حي الفيصلية، وذاك حي الخالدية، والسلمانية، والسلطانية. حتّى عقرب وجدوا له حياً يطلقوا اسمه عليه !.. انك وانت ذاهب من الخبر إلى العزيزية يصادفك حي العقربية نسبة إلى عقرب، ولعل الأمير تركي اقرب إلى الزهد ولا يحب الدعاية مثل قريبة عقرب.
على كل حال ـ والامر كما رأيت ـ انهم وجدوا حلا مناسباً للخلافات بينهم، فمن كان ممنوعا من المشاركة في الحكم. وجهوه إلى التجارة، وهذا حل طيب، واني اقترح على افراد الاسرة الحاكمة ان يتركوا الحكم للشعب ليدير نفسه. وسيسمح لهم الشعب بممارسة أي نشاط تجاري يريدونه اعتماداً على قدراتهم الخاصة ـ بالطبع ـ لا على أراضي البلاد، فنكون بذلك قد اتفقنا .
نحن وصلنا إلى ما نريد .. وهم وصلوا إلى ما يعتبروه حلاً للخلافات بينهم.
اعلم ـ ايها العزيز ان هذه الاقاصيص هي من احوال اهل الاستبداد، وما احب الإطالة بذكر الكثير. فذكره لا يتسع له مقامنا هذا، وانك تؤانسني إذ احدثك وتحدثني. واني لا احب املالك بكثرة الحديث، لكني اختم لك بما بدأت من القول. فأستغفر الله لي ولك ثم اقول:
انهم ـ أي أهل الاستبداد وقد استعملوا المكر والحيلة على عدوهم حتّى استقام لهم الامر. فملكوا مشرق البلاد إلى مغربها، ارضها وزرعها ، عاقلها وبهيمها، فلما استقرت اقدامهم . تقاسموا الملك والسلطان، فكل اخذ نصيبه حسب قوته واجتماع اخوته على رأيه، فمنهم من أخذ نصيب الأسد .. ومنهم من لم يحظى بنصيب الأرنب!.
ومن هذا الامر . شاعت بينهم الضغينة، وأخذ بعضهم يأتمر بالآخر ليأخذ مكانه، فتـفش بينهم النزاع واصبحوا يخافون بعضهم مثلما يخافون عدوهم، وكلما اجتهد أصحابهم لإصلاح ذات بينهم. تذكروا ابعاد سعود لاخوانه، وتآمر فيصل على سعود ثم قتله لاحدهم. وسجن اخرين، ثم قتل فيصل على يد احدهم، ثم طرد بعضهم من قبل الذين خلفوا فيصل ، إلى غير ذلك من حوادث التآمر، مما سجلوه واحصوه.
لقد رفضوا الإصلاح، وكل منهم يظن أنه لو احسن النية فسيؤكل من الاخرين، فخير له أن يكون حذراً واعياً.
وقد انقسموا إلى طائفتين .. طائفة تؤيد الملك وهم اخوته الاشقاء المسمون في بلادنا بـ السديريين السبعة .. وطائفة تؤيد ولي العهد وهم الأمراء الذين اكلت حصصهم الطائفة الأولى، وقد بلغ العداء بينهم مبلغاً كبيراً اصبحوا معه يخافون ان يقتلوا أو يخطفوا، فلذلك انشأ كل منهم فرقة خاصة لحمايته . بل ان بعضهم ـ مثل ولي العهد ـ اسس جيشا دعاه الحرس الوطني يحميه من الجيش الذي يسيطر عليه الملك واخوته إذا ازفت الازفة.
فهذه طبيعة اهل الاستبداد .. يدخلون الصراع طلباً للدنيا، مصحوب بالاستئثار ، فإذا تعاون طلاب الدنيا على ارض . فسرعان ما يصارع كل منهم الاخر طلباً للاستئثار امام الاخرين، وهكذا مسير حياتهم صراع وتآمر حتّى يأتيهم حتفهم فيذهبون عن الدنيا التي طالما لعبوا فيها ثم لعنوا. إلى آخرة ليس فيها للعب مكان، انما هو الحساب والعقاب الانتقام.
فهذه غاية الكلام في هذا المقام . أسأل الله لي ولك العافية والهداية وحسن الختام.
طبائع الاستبداد السعودي ـ ابو فرج المدني
طبعهم مداهنة القوي وقهر الضعيف
حدثني بعض الرواة عن بلد من بلاد أفريقيا يدعونه أفريقيا الوسطى.. كان مستعمرة لفرنسا، وبعد استقلالها استمرت مستعمرة بواسطة الحكام المواطنين بالجنسية واللغة واللون، الفرنسيين بالثقافة والعقيدة، فمن هؤلاء رجل يدعونه جان بيدل بوكسا . وهو عريف في السجن المركزي اصبح ضابطاً في الجيش، وساعده الفرنسيون لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة، وقيل ان هذا الرجل ضعيف العقل حتّى انهم عثروا في ثلاجته على أوصال مقطعة لأجساد بشرية. وقيل انّه كان يأكل لحوم البشر.
فمن جنونه انّه اراد ان يصبح إمبراطوراً فقيل له ان عصر الاباطرة والملوك يوشك على الافول. فلا معنى لإنشاء إمبراطورية جديدة، لكنه اصر على رأيه وأمر بدراسة المالية التي يحتاجها بناء قصر يليق بالإمبراطور الجديد. وبحفلة تتويجه، فلما درسوا .. تبين ان خزينة هذه الجمهورية الفقيرة لا تكفي لحفلة التتويج، فغضب بوكاسا من مستشاريه وذهب إلى مزرعة له معتكفاً، وهناك لاحت له فكرة جهنمية، ومن فوره اعلن انّه سيزور احدى الدول العربية المسلمة. وخلال أسبوع كان في تلك الدولة، اما الهدف الرئيسي من الزيارة . فهو اعلان إسلامه، والثمن الذي يطلبه من تلك الدولة مقابل ذلك ، واعلن إسلامه بالفعل . وغير اسمه من جان إلى صلاح الدين . وعاد إلى بلاده منتفخ الجيوب، مستور العيوب.
بعد شهور قليلة. اعلن الرئيس صلاح الدين انّه سيعلن نفسه إمبراطوراً. وان جمهورية أفريقيا الوسطى إمبراطورية أفريقيا الوسطى، اما الذي سيقوم بتتويجه فهو بابا الفاتيكان زعيم المسيحيين في العالم !! .. ومنذ ذلك الوقت ترك الرجل إسلامه وعاد إلى اسمه السابق جان .. فكأنما هو مثال الشاعر الذي يقول:
صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الامر لا صلى ولا صاما
اعلم ـ زادك الله بصيرة ، ان هذا هو شأن الملوك، يظهرون للناس حرصهم على الدين وخوفهم من رب العالمين، وهم عن هذا أو ذاك بعيدون بعد السماوات عن الأرضين، وانما يظهرون تدينهم حتّى يطمئن الناس اليهم .. فيولوهم الثقة ويرخون اليهم حبال المودة، حتّى إذا اتسق سلطانهم . واستوسق بنيانهم، اظهروا ما كان خافياً في نفوسهم، وهو الكراهية. وحب الغلبة. وقهر الادميين. فسجنوا من سجنوا، وشردوا من شردوا، وقتلوا من قتلوا، واعزوا بعضا وأذلوا آخرين.
ثم إعلم ـ حماك الله من شرورهم ان ذلك هو ما يميز المؤمن عن المنافق .. فالناس في هذه الدنيا فريقان. اهل حق وأهل باطل، فأما أهل الحق فرجال لا يلبسون قميص غيرهم إذا ضعفوا، بل يجاهدون لإثبات حقهم وتمكين دينهم وهم بالحق ينطقون، وله يعملون، فإذا مكنهم الله من الغلبة واسلمتهم الدنيا أزمتها.. كانوا عدولاً متواضعين ينصفون القوي، ويعزون الضعيف ، فهم كما وصفهم ربهم.
الذين ان مكناهم في الأرض اقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .
أما أهل الباطل فمذهبهم الممالأة والمداهنة عند الضعف، يظهرون التدين لأهل الدين.. ويظهرون الفسق للفساق.
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون .
واعلم انهم قد تمرسوا في فنون المداهنة حتّى غدوا خبراء لا تفوتهم من تفاصيلها شاردة،ولا تغيب عن عيونهم واردة، فيوماً ترى مليكهم متلفلفاً في إحرام يطوف بالكعبة، أو حاملاً سطل الماءيغسل ارضها. ثم يصلي فيطيل صلاته ويدعو مُظهِرَاً الخشوع ، يراه الرائي فيظنه قد ذاب من الخشوع، وكل ذلك امام كاميرات التلفزيون، وعدسات الصحف التي تنقل هذه الصور إلى انحاء العالم، فإذا انقضى الحج عاد إلى قصوره في الرياض فلبس الحرير والعباءة المذهبة التي يسمونها عندنا البشت أو المشلح . فاستقبل في مكتبه بطانة السوءمن متملقين وظلمة وجلادين وآكلي أموال الناس بالباطل، فأراهم جانب اللين ولاطفهم وقضى حوائجهم، فإذا قاموا من عنده دخل عليه سفراء الكفار ومبعوثي دول الاستعمار من أميركا وبريطانيا وغيرها، فأظهر لهم ولاءه وصداقته وارتباطه، وأظهروا له دعمهم وحمايتهم ووفاءهم، وقدموا له مطالبهم. ثم يخرجون فتسمع في الإذاعة ان الحكومة تبيع البترول إلى ألمانيا، وتشتري دبابات من بريطانيا، وتعقد حلفاً مع أميركا .. فأين ذهب الدين؟ . وأين أثار الحج والخضوع والخشوع؟ أم ان الملك يعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله ؟
فالله نصيبه الدعاء. والأمريكان نصيبهم المال والولاء?? لكنه ـ أيها العزيز ـ ضعف الدين والتجاسر على رب العالمين.
يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله ان يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين .
فهذه طبائع المستبدين، وهي طبائع أهل النفاق. يداهنوا ويمالئون ويظهرون للناس غير ما يخفون، طلباً للسيطرة وحباً للغلبة وأملاً في السلامة، لكن الله لا يسلم من ينتهج هذا الطريق، فلا بد أن يوقعه في شر أعماله : وهذا ما نتركه للجزء القادم من حديثنا، لأني اراك تعبت من الحديث، وأسأل الله لك السلامة من شرور المستبدين والنصر عليهم عاجلاً.
ـ أبو فرج المدني