الشرق الأوسط في مذكرات بيل كلينتون (5)

الفصل الخامس والثلاثون: ص541 ـ 546
لقد كان شهر أيلول كذلك أكبر شهر بالنسبة للسياسة الخارجية في فترتي
الرئاسية.
ففي 8 أيلول، قام رئيس البوسنة عزت بيغوفيتش بزيارة إلى البيت الأبيض. فقد
نجح تهديد الناتو بالضرب الجوي في كبح الصرب وإدارة محادثات السلام مرة أخرى.
وقد أكد لي عزت بيغوفيتش أنه كان ملتزماً بتسوية سلمية طالما كانت عادلة
للمسلمين البوسنيين. وقد أراد وعداً مني بإرسال قوات من حلف الناتو، بما في
ذلك جنود أمريكيون، البوسنة لتعزيزها، وقد أعدت تأكيدي على القيام بذلك.
في 9 أيلول، اتصل اسحق رابين ليطلعني على أن إسرائيل ومنظمة التحرير
الفلسطينية قد توصلا إلى اتفاق. وقد تم تحقيقه عبر محادثات سرية عقدها
الطرفان في أوسلو، والتي تم إعلانها قبل وقت قصير من استلامي السلطة. في عدة
مناسبات، عندما كانت المحادثات تتعرض لخطر التوقف، قام وارن كريستوفر بعمل
جيد لإبقائها على المسار. وقد تم إبقاء المحادثات سرية، مما مكن المفاوضين من
التعامل بوضوح أكثر مع القضايا الحساسة والاتفاق على مجموعة من المبادئ التي
يمكن لكلا الطرفين القبول بها. إن معظم عملنا سيكون في المستقبل في المساعدة
في المهمة البالغة الصعوبة لحل القضايا الصعبة، وتثبيت فترات التطبيق،
واستثمار الأموال لتمويل تكاليف الاتفاق، دفع قوى الأمن لدى إسرائيل إلى
التطوير الاقتصادي وإعادة توطين اللاجئين وتقديم التعويضات للفلسطينيين. كنت
قد بدأت فعلاً بتلقي علامات مشجعة فيما يتعلق بالدعم المادي من دول أخرى، بمن
فيها العربية السعودية، حيث كان الملك فهد، رغم كونه غاضباً من تأييد ياسر
عرفات للعراق في حرب الخليج، داعماً لعملية السلام.
لقد كنا مانزال بعيدين عن حل شامل، إلا أن إعلان المبادئ كان خطوة كبيرة
للأمام. في 10 أيلول أعلنت أن الزعماء الإسرائيليين والفلسطينيين سيقومون
بتوقيع الاتفاقية في المرجة الخضراء من البيت الأبيض يوم الاثنين، الثالث عشر
من أيلول. وأنه نظراً لكون منظمة التحرير الفلسطينية قد قامت بشجب العنف،
واعترفت بحق إسرائيل في الوجود، فإن الولايات المتحدة ستستأنف حوارها معهم.
قبل عدة أيام من التوقيع، سألتني الصحافة عما إذا كنا سنرحب بعرفات في البيت
الأبيض، وقد قلت إن ذلك يرجع إلى الأطراف المشاركة لتقرير من يمثلهم في
المراسم. في الواقع، فقد كانت لدي رغبة كبيرة في حضور رابين وعرفات وقد
حثثتهم على ذلك، فلو لم يحضروا فلن يصدق أحد في المنطقة أنهم قد تعاهدوا على
تطبيق المبادئ، وإذا ما حضروا فإن ملايين الناس في العالم سيرونهم على
التلفاز، وسيغادرون البيت الأبيض وهم أكثر التزاماً حتى بالسلام قبل دخولهم
إليه. عندما قال عرفات أنه سيكون هناك، طلبت من رابين الحضور مرة أخرى وقد
قبل، رغم أنه كان مايزال متردداً قليلاً حيال ذلك.
عند التأمل في الأمر، يبدو قرار الزعماء بالحضور أمراً سهلاً، ولكن في ذلك
الوقت، فقد كانت مخاطرة من كل من رابين وعرفات، واللذان لم يعرفا كيف ستكون
ردة فعل شعوبهما. حتى وإن كانت غالبية ناخبيهم تدعمهم، فإن من المؤكد أن تتم
إثارة المتطرفين من كلا الطرفين بسبب تسوية النزاع في قضايا أساسية متضمنة في
إعلان المبادئ. وقد أظهر كل من عرفات ورابين أن لديهما الرؤية والعمق
بموافقتهما على القدوم والحديث. وكانت الاتفاقية ستوقع من قبل وزير الخارجية
شمعون بيريز، ومحمود عباس المعروف بأبي مازن، والذي كان مشاركاً بشكل جوهري
في مفاوضات أوسلو. وكان كل من وزير الخارجية كريستوفر ووزير الخارجية الروسي
أندريه خوزييرف سيشهدان على الاتفاقية.
في صباح يوم الثالث عشر من أيلول، كان الجو حول البيت الأبيض حياً ومثيراً
بقدر ما كان متوتراً. لقد قمنا بدعوة ما يزيد على (2500) شخص لحضور الحدث.
والذي قام كل من جورج ستيفانوبولس ورام عمانوئيل بجد للتحضير له. لقد كنت
سعيداً بشكل خاص لعمل رام لأنه كان قد خدم في الجيش الإسرائيلي. وقد كان
الرئيس كارتر، والذي قام بالتوصل إلى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل،
سيحضر المراسم. وكذلك الرئيس بوش والذي كان مع غورباتشوف داعمان للمحادثات في
مدريد في عام 1991 والتي اشترك فيها كل من الإسرائيليين والفلسطينيين والدول
العربية. وقد تمت دعوة الرئيس فورد إلا أنه لم يستطع الحضور إلى واشنطن قبل
حفل العشاء في المساء. وقد تمت دعوة وزراء الخارجية السابقين، وجميع مستشاري
الأمن القومي الذين عملوا من أجل السلام خلال العشرين سنة الفائتة. وقد أخذت
تشيلسي إجازة صباحية من المدرسة، وكذلك أطفال جور، فقد كان هذا شيء لا يريدون
أن يفوتهم. في الليلة السابقة، أويت إلى الفراش في العاشرة، وهو وقت مبكر
بالنسبة إلي، واستيقظت في الثالثة صباحاً ولم أستطع العودة إلى السرير، وقد
أحضرت كتابي المقدس وقرأت كتاب جوشوا كاملاً، وقد ألهمني ذلك إعادة كتابة بعض
الملاحظات، وارتداء ربطة عنق زرقاء ذات أطراف ذهبية، والتي ذكرتني بتلك التي
استخدمها جوشوا لهدم أسوار (جيريكو) (أريحا). ستبشر الأبواق الآن بالسلام
القادم الذي سيعيد أريحا إلى الفلسطينيين.
تلقينا صدمتين صغيرتين في الصباح، عندما تم إخباري أن عرفات عازم على الظهور
في زيه المميز، المكون من الكوفيه وبذلة ذات لون زيتوني، وأنه قد يرتديها مع
المسدس الذي غالباً ما يضعه حول خصره، رفضت وأرسلت إليه كلمة بأنه لا يستطيع
إحضار المسدس، فقد كان هنا لصنع السلام وسيعطي المسدس دلالة خاطئة، كما أنه
سيكون في أمان بالتأكيد بدونه. وقد وافق على القدوم بغير سلاح. وعندما رأى
الفلسطينيون أنهم قد أشير إليهم في الاتفاقية على أنهم (الوفد الفلسطيني)
وليس منظمة التحرير الفلسطينية، رفضوا. وقد وافق الإسرائيليون على التوصيف
الذي فضله الفلسطينيون.
ثم كانت هناك مسألة ما إذا كان رابين وعرفات سيتصافحان. لقد عرفت أن عرفات
كان يريد القيام بذلك. قبل وصوله إلى واشنطن، قال رابين أنه سيقوم بالمصافحة
(إذا كانت هناك حاجة لذلك)، ولكن كان بإمكاني أن أعرف أنه لم يرد القيام
بذلك. عندما وصل إلى البيت الأبيض أثرت الموضوع، وقد تجنب الإدلاء بتعليق.
وتحدث عن كيفية دفنه للعديد من الشباب الإسرائيليين بسبب عرفات. وقد أخبرت
اسحق رابين أنه إذا كان ملتزماً حقاً بالسلام، فإن عليه مصافحة يد عرفات
لإثبات ذلك. (إن العالم بأسره يراقب، وما سينتظرونه هو عملية المصافحة) تنهد
رابين، وفي أعماقه صوت متعب من العالم، يقول (إنني أعتقد أن المرء لا يصنع
السلام مع أصداقه). فسألته (ستقوم بها إذا) فقال بطريقة تكاد تكون حادة
(حسناً، حسنا، ولكن دون تبادل للقبل). لقد كان الترحيب العربي التقليدي يشتمل
على قبل على الخد ولم يرد أي شيء من هذا.
كنت أعلم أن عرفات رجل مسرحي كبير، وأنه قد يحاول تقبيل رابين بعد المصافحة.
فتوصلنا إلى قرار بأن أقوم بمصافحتهما أولاً، ثم يقوم كل منهما بمصافحة
الآخر. لقد كنت متأكد من أنه إذا لم يقبلني عرفات، فإنه لن يحاول تقبيل
رابين. وبينما كنت وافقاً في المكتب البيضوي أناقش الأمر مع هيلاري، وجورج
ستيفانوبولس وتوني ليك، ومارتن انديك، قال توني أنه يعلم طريقة أستطيع بها
مصافحة عرفات وتجنب حصول التقبيل. وقد وصف لي الطريقة وتمرنا عليها. مثلت أنا
دور عرفات ومثل هو دوري موضحاً لي ماذا أفعل. عندما صافحت يده وتحركت
لتقبيله، وضع يده اليسرى على ذراعي اليمنى حيث تنحني عند الكوع، وضغط، مما
أوقفني تماماً. ثم عكسنا الأدوار وفعلت نفس الشيء به. وقد قمنا بذلك عدة مرات
أخرى حتى تأكدت من أن خد رابين لن يمس. وقد ضحكنا جميعاً على الموضوع، ولكني
كنت أعلم أن تجنب القبل كان أمراً مهماً جداً بالنسبة رابين.
قبل الاحتفال تماماً، اجتمعت الوفود الثلاثة في الغرفة البيضوية الزرقاء في
الردهة الرئيسية في البيت الأبيض. وكان الإسرائيليون والفلسطينيون لايزالون
لا يتكلمون مع بعضهم بشكل علني، ولذلك كان الأمريكيون يتحركون جيئة وذهاباً
بين المجموعتين بينما كانتا تتحركان حول أطراف الغرفة. وقد بدونا كمجموعة
خرقاء من الأطفال يمتطون مقاعد منصة دوارة بطيئة الحركة.
لحسن الحظ انتهى ذلك سريعاً، وهبطنا الدرج لنبدأ بالمراسم. سار الجميع في صف
خارجاً، تاركين عرفات، ورابين، وإياي، في الغرفة وحدنا للحظة، قال عرفات
مرحباً لرابين ومد يده. كانت يدا رابين تقبض إحداهما على الأخرى بقوة خلف
ظهره، وقال بإيجاز (في الخارج). ابتسم عرفات وأومأ برأسه علامة التفهم. ثم
قال رابين (إنك تعلم أن علينا أن نعمل بجد للقيام بهذا العمل) أجاب عرفات
(أعلم، وأنا مستعد للقيام بالجزء الخاص بي).
سرنا خارجاً في أشعة الشمس المشرقة ليوم صيفي. وقد افتتحت المراسم بترحيب
مختصر وكلمات شكر وتأييد، وتشجيع للقادة لتصميمهم على إنجاز (سلام الشجعان)،
وتبعني بيريز وعباس بإلقاء خطابين موجزين، ثم جلسا لتوقيع الاتفاقية. وقد شهد
كل من وارن كريستوفر وأندريه خوزييرف عليها في حين وقف رابين، وعرفات وأنا في
الخلف وإلى اليمين. عندما تم التوقيع، تحولت جميع الأعين إلى القادة، عرفات
وهو يقف عن شمالي ورابين وهو يقف عن يميني. صافحت عرفات باستخدام مناورة
الإعاقة التي تدربت عليها. ثم استدرت وصافحت رابين، ثم ابتعدت خطوة إلى
الوراء تاركاً فراغاً بينهما وفتحت ذراعي لجمعهما سوية. مد عرفات يده تجاه
رابين الذي كان لايزال متردداً. عندما مد رابين يده، أطلق الحضور صوتاً
مسموعاً، ثم كان هناك تصفيق مدو، بينما كانا يتابعان مصافحتهما الخالية من
القبل. كان كل العالم يشجعهما، فيما عدا المتظاهرين المعاندين والمتمسكين
بالقديم في الشرق الأوسط والذين كانوا يحرضون على العنف، والمتظاهرين أمام
البيت الأبيض الذين كانوا يدعون أننا كنا نعرض أمن إسرائيل للخطر.
بعد المصافحة، أدلى كل من كريستوفر وخوزييرف بملاحظات مختصرة، ثم تحرك رابين
إلى الميكروفون. وقد بدا كأحد أنبياء العهد القديم، وتكلم باللغة الإنجليزية،
وخاطب الفلسطينيين مباشرة (لقد قدر علينا أن نحيا معاً، على نفس التراب وفي
نفس الأرض. إننا الجنود الذين عادوا من معارك مخضبة بالدم، نقول لكم اليوم،
بصوت عال وواضح: كفى دماء ودموعاً كفى..!
إننا مثلكم، شعب يريد بناء وطن، وزراعة شجرة، ويريدون أن يحبوا وأن يعيشوا
جنباً إلى جنب معكم في كرامة، وفي ألفة، كبشر، وكرجال أحرار). ثم قال مقتبساً
من الكوهيليث والذي يدعوه النصارى إكليسيتس، قال رابين (لكل شيء هناك فصل
ووقت، لكل أمر تحت السماء وقت للولادة ووقت للموت ووقت للقتل ووقت للتوقف
ووقت للحرب ووقت للسلام. لقد حان وقت السلام). لقد كان خطاباً رائعاً استخدمه
للوصول إلى خصومه.
عندما جاء دور عرفات، اتخذ توجهاً مختلفاً. كان عرفات قد وصل فعلاً إلى
الإسرائيليين عبر الابتسامات، والإيماءات الودودة، ومصافحته التواقة. والآن،
تكلم بصوت موزون، رخيم، إلى شعبه باللغة العربية، وأخذ يسرد آمالهم في عملية
السلام، ويعيد التأكيد على شرعية طموحاتهم. مثل رابين عزز السلام، ولكن ضمن
حد (إن شعبنا لا يعتبر أن ممارسة الحق في تقرير المصير قد ينتهك حقوق جيرانهم
أو يوهن أمنهم. بل هو بالأحرى، أن يضع حداً لشعورهم بأنهم قد تم الاعتداء
عليهم وعانوا من ظلم تاريخي هو أقوى ضمانة لتحقيق تعايش مشترك وانفتاح بين
شعبينا وللأجيال القادمة.
اختار عرفات إيماءات كريمة ليتحدث إلى الإسرائيليين وكلمات قاسية لطمأنة
المتشككين مرة أخرى بينما فعل رابين العكس. فقد كان في خطابه صادراً من القلب
وحقيقياً تجاه الفلسطينيين، وهو يستخدم الآن لغة الجسد لطمأنة المتشككين من
شعبه في إسرائيل. طوال الفترة التي كان عرفات يتحدث بها، كان يبدو غير مرتاح
ومرتاباً مريضاً جداً، ببراعة لدرجة أنه أعطى الانطباع بأنه كان يموت لكي لا
يتعرض للوم. إن تكتيكاتهم المختلفة جنباً إلى جنب كونت تجاوراً ممتعاً
وموحياً. وقد تمت بملاحظة عقلية ليتم أخذها في الحسبان في المفاوضات
المستقبلية معهم. ولكن لم يكن علي أن أقلق. فبعد وقت ليس طويلاً، سيطور كل من
رابين وعرفات علاقة عمل مميزة، وهي ثمرة لمراعاة عرفات لرابين ولقدرة رابين
الخارقة على فهم الطريقة التي يعمل بها عقل عرفات.
وقد اختتمت المراسم بدعوة أحفاد اسحق وإسماعيل، واللذين كان كلاهما أبناء
إبراهيم، إلى (شالوم، سلام، بيس) وحثتهم على (التصرف كصناع للسلام). وبعد هذا
الحدث كان لدي اجتماع قصير مع عرفات، وغداء خاص مع رابين. كان اسحق منهكاً من
الرحلة الطويلة ومن الانفعال بالمناسبة. فقد كان تحولاً مدهشاً في حياته
المليئة بالأحداث، والتي قضى معظمها في بذلته الرسمية، مقاتلاً أعداء
إسرائيل، بمن فيهم عرفات. وقد سألته عن سبب اختياره دعم محادثات أوسلو
والاتفاقيات التي نتجت عنها، فشرح لي أنه بدأ يدرك أن الأرض التي احتلتها
إسرائيل في عام 1967 لم تعد ضرورية لأمن إسرائيل، بل إنها كانت في الحقيقة
مصدراً لعدم الأمن. وقال إن الانتفاضة التي كانت قد اندلعت قبل بضع سنوات قد
أظهرت أن احتلال أرض مليئة بأناس غاضبين لم تجعل من إسرائيل أكثر أمناً، بل
جعلتها أكثر عرضة للهجمات من الداخل. ثم في حرب الخليج، عندما أطلق العراق
صواريخ سكود على إسرائيل، فإنه أدرك أن الأرض لم تعمل كحاجز أمني ضد هجمات
بأسلحة حديثة من الخارج. وقال في النهاية، أنه إذا كانت إسرائيل ستستمر
بالسيطرة على الضفة الغربية بشكل دائم، فإن عليها أن تقرر فيما إذا كانت
ستسمح للعرب بالتصويت في الانتخابات الإسرائيلية كما يفعل أولئك الذين يعيشون
ضمن حدود ما قبل 1967. وإذا ما حصل الفلسطينيون على الحق في التصويت، ونظراً
لمعدل ولادتهم الأعلى، فإن إسرائيل لن تكون دولة يهودية خلال عقود قليلة..
وإذا ما حرموا من حق التصويت فإن إسرائيل لن تكون دولة ديمقراطية بل ستصبح
دولة عنصرية. لذلك، اختتم قائلاً، فإن على إسرائيل أن تتخلى عن الأرض، ولكن
فقط في حال أن فعل ذلك سيجلب سلاماً حقيقياً وعلاقات طبيعية مع جيرانها، بمن
فيهم سورية. اعتقد رابين أن بإمكانه عقد اتفاقية مع الرئيس السوري حافظ الأسد
قبل أو بعد انتهاء العملية الفلسطينية بقليل. وكذلك اعتقدت أنا، بناء على
محادثاتي مع الأسد.
مع مرور الوقت، فإن تحليل رابين لمعنى الضفة الغربية لإسرائيل سيصبح مقبولاً
على نحو واسع بين مؤيدي السلام الإسرائيليين، ولكن في عام 1993 كانت أمراً
مبتكراً يدل على بصيرة وشجاعة. لقد احترمت رابين حتى قبل الالتقاء به في عام
1992، ولكن في اليوم الذي شاهدته فيه وهو يتكلم في المراسم واستمعت إلى كلامه
حول السلام، فإنني رأيت عظمة قيادته وروحه. إنني لم ألتق قط بشخص هادئ مثله،
وعزمت على مساعدته في تحقيق حلمه بالسلام.
بعد الغداء طار رابين والإسرائيليون إلى وطنهم من أجل الـ(هاي هولي ديز)، ومن
أجل تسويق الاتفاقية للكنيست (البرلمان الإسرائيلي) متوقفين في المغرب لإعطاء
موجز عن الاتفاقية للملك الحسن، الذي اتخذ منذ وقت طويل موقفاً معتدلاً من
إسرائيل.
في هذه الليلة استضفنا أنا وهيلاري عشاء احتفالياً لما يقرب من خمسة وعشرين
زوجاً، بمن فيهم الرئيس كارتر وزوجته، والرئيس فورد وزجته، والرئيس بوش، وستة
من وزراء الخارجية التسعة الذي هم على قيد الحياة، والقادة الديمقراطيين
والجمهوريين في الكونغرس، وقد وافق الرؤساء على القدوم، ليس من أجل الاحتفال
ببزوغ السلام، بل أيضاً من أجل المشاركة في الضربة الأولى العلنية لحملة
(النافتا)جأأأأأأأأ تانانسيتنبتينستبيبنسيتب تنس في اليوم التالي. خلال
الأمسية أخذتهم جميعاً إلى مكتبي في طابق الإقامة، حيث أخذنا صورة احتفاء
بمناسبة نادرة في التاريخ الأمريكي حيث يتناول أربع رؤساء العشاء سوية في
البيت الأبيض. وبعد العشاء قبل آل كارتر وقبل بوش دعوتنا لإمضاء الليلة. وقد
اعتذر آل فورد لسبب وجيه جداً، فقد قاما بالحجز في فندق واشنطن في نفس الجناح
الذي قضيا فيه أول ليلة لهما كزوجين.
في اليوم التالي، حافظنا على زخم السلام مستمراً، بينما كان الإسرائيليون
والديبلوماسيون الأردنيون يوقعون اتفاقية تجعلهم أقرب من السلام النهائي.
واجتمع عدة مئات من رجال الأعمال اليهود والعرب الأمريكيين في الإدارة
ليلزموا أنفسهم بجهد مشترك للاستثمار في المناطق الفلسطينية عندما تكون
الظروف مؤاتية بما فيه الكفاية للسماح لاقتصاد مستقر بالتطور.
ص923 ـ 924
في 25 أيلول وبعد أسابيع من الجهود التي بذلها فريقنا لإعادة محادثات السلام
إلى مسارها، دعى باراك عرفات إلى بيته للعشاء. وقبيل انتهاء الوجبة، اتصلت
وأجريت حديثاً جيداً مع كليهما. وقد أرسل الطرفان في اليوم التالي مفاوضين
إلى واشنطن ليكملوا من حيث توقفوا في كامب ديفيد. وفي الثامن والعشرين منه،
تغير كل شيء، بعد أن أصبح آرييل شارون أول قائد سياسي إسرائيلي يدخل إلى
الحرم الشريف (تمبل ماونت) منذ استولت عليه إسرائيل في حرب الـ1967. في ذلك
الوقت، قال موشيه ديان أن مواقع المسلمين الدينية ستحترم، وبعد ذلك، كان
المسلمون يشرفون على الحرم. وقد قال عرفات أنه كان قد طلب من باراك منع شارون
من التجول في الحرم، والذي كان يقصد به بشكل واضح تأكيد سيادة إسرائيل على
الموقع وتعزيزه في التحدي الذي كان يواجهه كقائد لحزب الليكود من قبل رئيس
الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، والذي كان يبدو الآن صقراً أكثر من شارون.
وقد أملت كذلك في قيام باراك بمنع شارون من مغامرته المستفزة، ولكن باراك
أخبرني أنه لم يكن يستطيع فعل ذلك. بدلاً من ذلك، تم منع شارون من دخول مسجد
قبة الصخرة، أو المسجد الأقصى، وقد رافقه إلى الحرم عدد كبير من عناصر الشرطة
المسلحة بالأسلحة الثقيلة.
لقد قمت أنا وآخرون في فريقنا بحث عرفات على منع العنف. لقد كانت فرصة كبيرة
للفلسطينيين لأن يرفضوا ولو لمرة واحدة أن يتم استفزازهم. لقد اعتقدت أن
شارون كان ينبغي أن يستقبل بالزهور من قبل الأطفال الفلسطينيين وأن يتم
إخباره أنه عندما يصبح الحرم الشريف تحت سيطرة الفلسطينيين، فإنه سيرحب به في
أي وقت. ولكن وكما قال (أبا إيبان) منذ زمن طويل، فإن الفلسطينيين لم يضيعوا
فيها فرصة. في اليوم التالي كانت هناك مظاهرات فلسطينية كبيرة قرب الحائط
الغربي، وقد فتحت الشرطة الإسرائيلية خلالها النار وأطلقت طلقات بلاستيكية
على قاذفي الحجارة وأخرين. قتل على الأقل خمسة أشخاص وجرح المئات. وفي الوقت
الذي تواصل فيه العنف انبثقت صورتان عن ألمه وعدم فائدته، حيث قتل طفل
فلسطيني يبلغ الثانية عشرة من عمره أثناء تبادل إطلاق النار ومات بين ذراعي
والده. وتم جر جنديين إسرائيليين من بناء وضربهما حتى الموت، وتم سحب جثتيهما
في الشوارع، في حين كان واحد من الذين هاجموهم يعرض يديه المخضبة بالدم
للعالم أمام التلفزيون.
في حين كان الشرق الأوسط يتفجر كانت أحوال البلقان تتحسن