تقليص المعابر آخر تقليعات الحصار

بحساب الربح والخسارة المادية والسياسية,اتخذت قيادة الكيان الإسرائيلي قبل ثلاثة أعوام الاندحار عن غزة, وكان ذلك وفق فلسفة شيطانية سرطانية نابعة من الأيدلوجية الصهيونية الماكرة, حيث اللاوجود الظاهر ليكون وقودا للشعارات والاستعراضات الوطنية, والوجود القوي الباطن حيث المآرب السياسية والعسكرية, وحتى هذا الاندحار الخبيث تجسد في اتفاقية المعابر 2005, حيث اللاوجود الظاهر والوجود العملي القوي الباطن, سواء بأدوات تكنولوجية أو بوجود أوروبي بديل, وحتى ذلك الاندحار تحت ضربات المقاومة وما سببته من خسارة بعد تطوير إمكانياتها القتالية, فكان له في موازنة الاندحار وحساب الربح والخسارة عوائد ينتظر تحقيقها وفق خطة وحساب الربح والخسارة, ولعله في ذلك الوقت كتبت وحذرت من التمادي في إطلاق شعارات النصر والنزول عن الجبل, لان خطوة للوراء كتلك وفق تكتيكات الحروب الاستنزافية, إنما تتطلب اليقظة على المدى البعيد, وأشرت إلى مخططات صهيونية جراء الاندحار لعدة أمتار وقلتها بوضوح" هزيمة عسكرية أم غنيمة سياسية", ولم يلتفت احد من قادة الغبطة الوطنية إلى سرطانية المخطط, فقد بدا للعالم أن غزة محررة ويفترض أن تتوقف بها المقاومة لجلاء الاحتلال, وقد تعاطى العالم مع تلك الأكذوبة الخبيثة.

وعليه وبعد الانتخابات التشريعية 2006, وصعود أو بالأحرى تسهيل صعود حركة حماس إلى سدة الحكم, وأنا مصر على انه كان شرك سياسي تم الإعداد له بعناية في دهاليز ومطابخ اكبر من إدراك قصار النظر, وعند أول استحقاق لانتخابات هي من إفراز أوسلو"الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والانخراط في العملية السلمية بقبول قرارات الرباعية والشرعية الدولية" انكفأت حماس على نفسها, وبدأت إرهاصات الحصار لقطاع غزة, ذلك الحصار كان في العرف السياسي بمثابة العصا والجزرة,من اجل إسقاط أي خيار غير خيار الأدوات السياسية, واخذ الانكفاء يزيد بعناد, يوازيه حصار وخناق يشتد بقسوة ليطال كل مناحي الحياة في قطاع غزة, حتى تحول القطاع إلى سجن وجحيم جراء شمولية أدوات الضغط, السياسية والعسكرية والاقتصادية , واقفل القطاع كمعتقل على نزلائه المليون ونصف المليون نزيل.

وعودة للوراء بنظرة ثاقبة نجد أن مايدور هو مردودات مخطط ذلك الاندحار بهدف دفع مسار المقاومة إلى الاندحار كذلك بل إلى الانتحار, ولم يحدث ذلك فتعطلت العملية السياسية, حتى وصل الأمر إلى صدام في مساحة الجبهة الداخلية بين خطي السياسة والمقاومة, دون التوافق الوطني على تكتيكات وتوزيع ادوار, فزاد واشتد الحصار, وهنا تأتي لعبة ازدواجية الخبث الصهيوني الخاص بالمعابر, اللاو جود الظاهر والوجود القوي الباطن, وحيث أن المعابر في العرف السياسي الجغرافي, تكون كنقطتي التقاء بين حدود دولتين أو إقليمين,فنجد أن الاحتلال يتحكم بتفرد في جميع المعابر المطلة على قطاع غزة مع باقي الأراضي المحتلة المجاورة, التي تقع على حدود نطاق "الرابع من حزيران 1967" وجميعها معابر اقتصادية صبغتها عسكرية أمنية ومنها حسب تسمياتهم" كارني , وايرز, وصوفيا, ونتساريم وغيرها من منافذ" لكن التركيز كان على معبر رفح" فيلادلفيا" وبموجب اندحار الاحتلال عن غزة, بقي معبر رفح يعمل وفق اللاوجود الصهيوني الظاهر والوجود الباطن لتسيير حياة المواطنين, عبر هذا المعبر كرئة وحيدة ومتنفس ومنفذ على العالم الخارجي بالتماس مع الحدود المصرية, حتى حدثت عملية الانقلاب على شرعية الذات في الرابع عشر من حزيران 2006, وحسم الخلافات السياسية بالأدوات العسكرية والسيطرة على قطاع غزة من قبل حركة حماس, عندها وبموجب اتفاقية "كامب ديفيد المصرية الصهيونية" توقف العمل بذلك المعبر, وعندما اشتد جحيم الحصار بمؤامرة وصمت عالمي, حدث الانفجار على تلك الحدود المصرية الفلسطينية, واقتحمت مئات الآلاف من المواطنين تلك الحدود لداخل جمهورية مصر العربية.

ومن ثم بدأت جدلية تسميات وتجنيس نقاط التماس تلك وتحديدا منفذ رفح البري من الجانب الفلسطيني, وما يقابله من الجانب المصري, فوقعت القيادة المصرية في حيرة من أمرها على سلم أيدلوجية"اللاوجود الصهيوني الظاهر, والوجود القوي الباطن"فهي من ناحية مكبلة بسلاسل اتفاقية كامب ديفيد, وتعي جيدا أن حدودها مازالت مع حدود قطاع غزة المحتل لا المحرر عمليا, ومابين وضعها في خانة الشبهات بمشاركة العدو بعملية الحصار والتركيع, وقد انتهجت القيادة المصرية سياسة حكيمة من وجهة نظرها, حيث تفادي الصدام الدموي مع الجماهير الفلسطينية, كما هو مخطط في مكاسب وغنيمة الاندحار الصهيوني, والعمل ليل نهار على مسارين فلسطينيين, أولا السعي من اجل إنهاء الانقسام الفلسطيني, ومحاولة عقد اتفاق تهدئة بين فصائل المقاومة والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى, لكن يبدوا انه ونتيجة عوامل إقليمية وعدم جدية ومصداقية صهيونية, لم يحالفها النجاح في ذلك, وأصبحت مصر وكأنها هي التي تحاصر الشعب الفلسطيني, وبيدها فتح المعبر من طرفها طالما لايوجد عمليا قوات أو إدارة احتلال في الطرف المقابل لها, وزادت مطالب الطرف الفلسطيني الذي يتعرض لأبشع عملية حصار في التاريخ, بضرورة فتح معبرها وفي المنطق الوطني بعيدا عن جذور الحقائق السياسية, يكون المطلب أن تفتح معبرها وليمنع الاحتلال من طرفه أي عبور فلسطيني, لكنه وفق نفس الأيدلوجية الخبيثة"اللاوجود الظاهر والوجود الخفي" هناك تلميحات وضغوطات على مصر لعدم السماح بفتح معبرها حسب الإشارات الصهيونية, وهذا يؤكد حقيقة تسميات تلك الحدود.

قيل في الآونة الأخيرة دون تأكيد إعلامي موثق من القيادة المصرية, أنها تعهدت لفصائل المقاومة الفلسطينية, التي لبت نداء تحقيق تهدئة مع الكيان الإسرائيلي بوساطة مصرية, بان القيادة المصرية أعطت وعدا بفتح المعبر في حال استنكف الاحتلال عن قبول التهدئة, فهو حصار فلسطيني وورطة مصرية وغطرسة صهيونية, ولعلي أشرت سابقا في مقالة"الخيار الثالث, هل يطرحه الوزير عمر سلمان على القيادة الإسرائيلية" وأشرت فيه أن الوزير عمر سلمان وفق شق الوجود الحقيقي كاحتلال عن بعد وعن قرب لقطاع غزة, بان الجانب المصري وفق التزاماته باتفاقية كامب ديفيد, سيحاول حشر القيادة الإسرائيلية في زاوية الاتفاقية, لوضع الأمور في نصابها, كحدود مصرية مع الاحتلال, والبديل المطلوب للتسمية أنها حدود مصرية فلسطينية, وبالتالي ليس من حق الاحتلال التدخل في آلية عمل المعبر, وفي حال إصرار قيادة الاحتلال على اعتبارها حدود مصرية مع الاحتلال الإسرائيلي, فمن المرجح أن يكون الوزير عمر سلمان أمام هذا التعنت, أن يطالب بتواجد قوات الاحتلال على طول حدود التماس بين غزة ومصر بما فيها المعبر"فيلادلفيا", وذلك وفق لغة السياسة مع أطراف الاتفاق, لمنع المخاطر التي تهدد الأمن القومي المصري, من الطرف الذي يسيطر عليه الاحتلال بعيدا عن العواطف والاعتبارات الوطنية, ولان الفصائل الفلسطينية نفذت ما طلب منها حسب الوساطة المصرية, وتلكؤ القيادة الإسرائيلية في عملية التهدئة, التي من شانها فتح المعابر وفك الحصار, فهل فعلا كان هناك تعهدا مصريا يتحدى الوجود السرطاني الباطن الصهيوني؟؟؟ وان كان كذلك فلماذا بعد فشل جهود التهدئة, نسمع عبر وسائل الإعلام نقلا عن مصادر مسئولة مصرية, وآخرها في صحيفة" الخليج" وبعد مطالبة أو كما يسميها البعض التهديد الذي أطلقه, رئيس المكتب السياسي لحركة حماس من طهران/ خالد مشعل بفتح معبر رفح, ورد تلك المصادر المسئولة المصرية, بان التلويح والمراهنة على فتح معبر رفح بالقوة هو" رهان خاسر"؟؟؟؟!!!

وربما جاء تصريح رئيس وزراء الكيان الصهيوني المأزوم"اولمرت" ليطل علينا من نافذة اللاودجود إلى مسئولية الوجود مؤخرا, ليخفف الضغط والتقليل من الميوعة وشبهة مشاركة مصر في الحصار قائلا" بأنه لا نية لديه الآن ولا يسمح بفتح معبر رفح" وهذا يعني ردا على تصريحات السيد/ خالد مشعل الذي قال"انه معبر مصري فلسطيني" , بان الحقيقة الدامغة انه معبر طرفيه الاحتلال الإسرائيلي في غزة وان لم يكن تواجد على ذلك المعبر, وبين جمهورية مصر العربية , فهل جاء ذلك ليخفف الحرج على القيادة المصرية, التي تصر من منطلقات سياسية وطنية أن غزة مازالت محتلة, وان التقول بغير ذلك يعني وقوع في المخطط الصهيوني الخاص باندحار"اللاوجود والوجود" والتخلص من قطاع غزة بمحاولة ضمه إلى مصر كهدف استراتيجي في موازنة الربح والخسارة السياسية, بند الربح الاستراتيجي؟؟؟!!!

يبقى هناك معبر تماس مع مصر بعيدا عن جدلية اللاوجود والوجود, وهو معبر "كرم أبو سالم" , وفي الآونة الأخيرة وبعدا نتهاج عمليات نوعية للمقاومة, لاقتحام المعابر تحت شعار بالقوة كسر الحصار, يبقى معبر رفح كشوكة في حلق مصر, وكأداة ضغط وربما يعتبرها المصريون ابتزاز من قبل حركة حماس لهم, وتأليب الجماهير على أن مصر في الخندق الأمامي تشارك في هذا الحصار, فلاحظنا مؤخرا وبعد دبلوماسية الصولات والجولات بين مصر والكيان الإسرائيلي, قد برز لنا مصطلح جديد صهيونيا, وهو" تقليص المعابر" فهل تم إدراج معبر رفح على خارطة التقليص, وبالتالي سيتم إلغاءه ليس بالقرار, بل ربما بتدمير مبنى مؤسسة المعبر على الطرف الفلسطيني, وبالمقابل إنهاء الوجود المدني كإدارة معابر على الطرف المصري, وتحويله لثكنة عسكرية أو أمنية, وبناء جدار مثل أي نقطة تماس على امتداد الحدود مع غزة؟؟؟ ومن ثم لايكون هناك معبر وتواجد مصري إلا بموازاة معبر" كرم أبو سالم" ؟؟ أم سيتم بموجب استحقاقات كامب ديفيد والأمن المتبادل, احتلال معبر رفح من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

الحقيقة ووفق إطلاق تصريحات تقليص المعابر, كإصرار على تشديد الحصار, وإخلاء مسئولية الجانب المصري, وإقصاء الشبهة التي تقع عليه بواسطة أيدلوجية ومخطط "اللاوجود الظاهر والوجود الباطن" لا استبعد وفق سياسة التقليص, أن تشمل معبر رفح, ليتم نقل إدارة المعابر من الطرف المصري, بموازاة معبر"كرم أبو سالم" وتدشين صور إسمنتي وسياج حدودي يكون إعلان عن إلغاء نقطة التماس تلك مع قطاع غزة, وانتقالها بموجب طرفي الاتفاقية إلى مكان آخر, وهو حتما سيكون"معبر كرم أبو سالم" إذا ما كان إطلاق تصريحات التقليص بقصد حقيقي, عندها سيكون قد احكم الخناق على غزة, والسماح لعبور المسافرين ذهابا وإيابا وعلى مدار الساعة, تحت السيطرة الصهيونية من معبر" كرم أبو سالم", فهل فعلا القيادة الصهيونية جادة وتقصد ما تعلن عنه, بتقليص المعابر؟؟ وهل يكون التقليص على المعابر الاقتصادية وتوحيدها في معبر آمن ومحصن واحد, أم سيطال ذلك التقليص, أهم بل المعبر المدني الوحيد مع رئة ومتنفس التماس مع جمهورية مصر العربية؟؟؟ ربما نلمس ذلك قريبا لأنه وفق المصلحة الرسمية بين دولتي اتفاق, مصرية ودولة احتلال تتطلب ذلك التقليص, أمام التهديدات المقابلة, وعدم السماح بفتح المعابر, دون الانخراط في العملية السياسية مع شل ذراع الخيار العسكري.

greatpalestine@hotmail.com