كيف برزت قطر صانعة سلام في الشرق الاوسط

خلال هذا الاسبوع, برزت قطر, هذه الدولة الخليجية الصغيرة, في واجهة الدبلوماسية الاقليمية, ونجحت في رعاية المفاوضات بين الكتل اللبنانية المتنازعة, لانهاء شهور من الاضطراب السياسي واعمال العنف. فبوجود دول اقليمية, كالسعودية وايران, المنحازتين الى الاطراف المتنافسة في لبنان, تنفرد قطر للمساعدة في التوسط في الازمة اللبنانية, وتبدو وكأنها ترسم طريقا مستقلا لا جنوح عنه في متاهة السياسة العربية.

يقول بول سالم, مدير مركز الشرق الاوسط لمؤسسة كارينجي الخيرية, من مقره في بيروت, "قبل سنة من الان, حاولت السعودية القيام بهذه الوساطة, غير ان السعودية تعتبر طرفا. اما قطر فتقف في الوسط بين الطرفين. ذلك ان قطر, فيما يتعلق بالموضوع اللبناني, هي الدولة الوحيدة التي تقيم علاقات طيبة مع الجانبين, ولديها المال لتغطية ذلك".

وقد آتت الوساطة القطرية المكثفة أُكُلها, يوم الاربعاء الماضي, في التوصل الى اتفاق, في اللحظة الاخيرة, على توليفة الحكومة اللبنانية القادمة, والقانون الانتخابي, وانتخاب رئيس جديد للجمهورية, والتحاور مستقبلا على مصير اسلحة مليشيات حزب الله.

وفي اجواء الانقسام الساخن في الشرق الاوسط, حيث تسعى الولايات المتحدة وايران, وحلفاؤهما الاقليميون, جاهدين من اجل الهيمنة عليه, تقف قطر في موقع استثنائي بوضع قدم لها في كل جانب من الجانبين. اذ تظل قطر حليفا اساسيا لواشنطن, وتستضيف قاعدة "العيديد" الجوية, اكبر مرفق عسكري امريكي في المنطقة وتتمتع بعلاقات اقتصادية مع اسرائيل, كما يشارك مسؤولون اسرائيليون دوما في لقاءات ومؤتمرات تعقد في الدوحة.

وقطر ايضا اقرب الاصدقاء العرب لسورية, وتستثمر فيها ملايين الدولارات في مشاريع التنمية العقارية الكبرى, وتوفر لها الدعم الدبلوماسي. وينظر الى النظام في دمشق نظرة عداوة من جانب دول عربية اخرى, بسبب علاقتها الوثيقة مع ايران, وبسبب نفوذها في لبنان. وحسب ما يرويه قطريون, كثيرا ما يشاهد الرئيس بشار الاسد, وعقيلته اسمى, يتجولان في مولات الدوحة الباهرة, كضيفين على الامير حمد بن خليفة آل ثاني.

في دولة شبه الجزيرة القطرية الناتئة في الخليج, ثالث اكبر مخزون من الغاز في العالم, وفي العام الماضي اصبحت اكبر مصدر للغاز الطبيعي المسيَّل عالميا. ويشكل النفط والغاز اكثر من 60 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي لها, ما يجعلها واحدة من الدول ذات الدخل الاعلى للفرد في العالم.

في حين يساور القلق العديد من دول الخليج, حيال طموحات ايران الاقليمية, تتمتع قطر بعلاقات طيبة مع الجمهورية الاسلامية. ففي كانون الاول الماضي, كان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد اول رئيس دولة في ايران يحضر اجتماع قمة دول مجلس التعاون الخليجي الذي انعقد في الدوحة. يقول هادي عمرو, مدير "مركز بروكينغز" في الدوحة, "قطر سمكة صغيرة بين عملاقين- ايران والعربية السعودية. وهي ببساطة تحاول اقامة توازن بين جميع هذه المصالح وبين مصالح الولايات المتحدة. صحيح ان فيها قاعدة عسكرية امريكية, لكنها توازن بدقة هذا الوجود باقامة علاقات عميقة مع ايران. ورغم صغر مساحتها, فانها "تبرز على الصعيدين الاقليمي والدولي مكانا لانعقاد مؤتمرات حيوية واساسية", يضيف عمرو, مستشهدا في ذلك بدورة الدوحة لمنظمة التجارة العالمية, والالعاب الاسيوية, من بين فعاليات اخرى.

ولعل الدور غير المنحاز لقطر في السياسة الاقليمية هو آلية بقاء في زاوية غير صفوحة في العالم, اخذين بالاعتبار حجمها الصغير وثروتها الهائلة من النفط والغاز, ومع ذلك, فقد يكون هذا الدور, ايضا, اشارة على التحول من محورة المنطقة خلال فترة ولاية الرئيس بوش, الى التشديد اكثر على التفاوض والتسوية الوسط. فتركيا, مثلا, برزت كلاعب رئيسي في تحريك خطوات سلام اولية, وبهدوء بين اسرائيل وسورية. وفي هذا الشأن, يقول بول سالم, "توحي اعمال تركيا وقطر باننا اخذنا نبتعد عن سياسة التقسيم بين ابيض واسود ابان سنوات صعود بوش. اذ يحاول الوسطاء الان, كتركيا وقطر, التوفيق بين اللاعبين الذين كانوا يعتبرون في السابق اما اخيارا واما اشرارا".

على ان الامر ليس كله يدور حول سياسات قاسية ودبلوماسية, بل ان قطر كانت رائدة في تدشين عهد جديد في تغطية الاخبار في التلفزيون العربي, من خلال قناة "الجزيرة" الفضائية واسعة النفوذ والانتشار. فمنذ انشائها في عام ,1996 اخذت تكسر المحرمات بتغطيتها النقدية لقضايا الشرق الاوسط. وغالبا ما عرضها ذلك لاتهامات مغضبة بالانحراف والمحاباة من جانب الولايات المتحدة, والى سخط الانظمة العربية وقد افسدت برامج "الجزيرة" العلاقات بين قطر وجارتها العربية السعودية, رغم ان الجسور بين البلدين جرى اصلاحها, الا ان الكثير من القطريين لا يشعرون بالندم حيال هذا الامتعاض الذي سببوه لجارتهم القوية.

في هذا الخصوص, يقول احد الملاك القطريين, واسع النفوذ, رفض نشر اسمه, "لسنا مجتمعا منغلق التفكير مثل العربية السعودية, ومجتمعنا اكثر ثراء منها, ولدينا توزيع افضل للثروة, وتعليم افضل, وفرص افضل للعمل".

في عام ,2004 استضافت "مؤسسة قطر", وهي منظمة تربوية غير ربحية, اول حوارات الدوحة, وهو برنامج حوار سياسي متلفز, الذي غدا في مقدمة برامج "عالم بي. بي. سي" وهو قناة غير محلية تابعة لهذه المحطة. وتتألف كل حلقة في هذا البرنامج من اربعة محاورين: اثنان في كل طرف, يتحاوران ما بين مؤيد ومعارض لفكرة معينة امام 350 مستمعا.

ويستضيف هذه الحوارات تيم سيباستيان, احد الصحافيين السابقين في (بي.بي.سي), وتتناول بعض القضايا المثيرة للخلاف, بما فيها موضوع ان كان الوقت قد حان للكلام مع "القاعدة" وموضوع ان كان على الفلسطينيين التخلي عن حق العودة الى ديارهم السابقة في اسرائيل. ويقول علي ويليس, "ان الميل الفطري الى ما نقوم به مذهل, وقد استقبل بحيوية وحماس عاطفي كبيرين".

وفي الشهر الفائت, طرح برنامج "حوارات الدوحة" سؤالا ان كان الصراع السني- الشيعي يضر بسمعة الاسلام كدين سلام. وقد اثار الموضوع جدالا حيويا من جانب المحاورين الاربعة, ومن المشاهدين الشباب خاصة اما نتيجة التصويت في النهاية فكان ضد الاقتراح.

يقول محمد شيخ السوق, المهندس الميكانيكي الذي حضر ما يقرب من 15 حلقة في هذا البرنامج, "بالاساس, انا احب المحاورة. ومثل هذا الامر نادر في العالم العربي. وفي العادة, لا تتاح لنا الفرصة لان نقول ما نريد قوله".

وقد ادى نجاح هذا المسلسل الى انتشار تجمع الحوار الوطني, الذي افتتح هذا العام بعشرين فريقا من المدارس والكليات شاركوا فيه. وقال طلال بورشيد, الطالب في اكاديمية القيادة في دولة قطر, "وصل فريقنا الى الدور النهائي, لكننا خسرنا". واضاف زميله ماجد البادي, بان هذه الحوارات ساعدت القطريين على تقييم اهمية التسامح ازاء وجهات النظر الاخرى. وقال, "قبل ثلاث سنوات, كنت في منتهى الهجومية على اي شخص يتحدث ضد الاسلام, لكنني بدلا من ذلك, صرت الان احاوره واجادله".