ضابط غولاني يروي قصة لقاءه ونصرالله في يارون

يوم الرابع من آب 2006، تقدمت وحدتنا بإتجاه بلدة يارون وهي بلدة صغيرة في عدد سكانها نسبة إلى بنت جبيل التي كنت قد نجوت من الموت فوق تلة من تلالها ، تشاءمت من التقدم مشيا على الأقدام مثلي فعل الفصيل الذي أنتمي له ، كان تقدمنا غير محمي لا بالدبابات ولا بالمروحيات فكلا السلاحين أصبحا فخا لمن يستخدمهما . الأمر الوحيد المتوفر لنا نحن لواء غولاني هو البطولة مشيا على الأقدام . لم يعد لواءنا يتمتع بالسمعة الرهيبة التي كانت له يوما . كنت افتخر على الدوام بأني فرد من هذا اللواء الذي يمثل روح المكابيين المقاتلة. نحن جنود الملك داوود، لم تعد لنا عربات نستقلها . كل ما في وسعنا هو القتال بطريقة المخربين ، وذاك يعني بأن علينا التسلل إلى قرية يارون بحثا عن رجال حزب الله الذين يقاتلون ليلا كأنهم يقاتلون نهارا مع علمنا بان قلة منهم فقط لديها وسائل القتال الليلي بعكس جنودنا .
لم يكن فصيلنا هو الوحيد المتقدم إلى القرية، أنا وفصيلي تقدمنا من الغرب بإتجاه الشرق ، وفصيل آخر تقدم من الشرق بإتجاه الغرب، وفصائل أخرى دخلت البلدة من جهة الجنوب بإتجاه الشمال وفصائل أخرى رصدت طريق الخروج الوحيد الذي تركناه مفتوحا. كان فخا لرجال المخربين. الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة قصفت القرية طوال اليومين السابقين بدون توقف ، كان من المستحيل أن يبقى عاقل في القرية خصوصا في المنطقة المأهولة منها .
عند الفجر ، كان جنودنا ينتشرون في القرية بحثا عن منصات الصواريخ وعن مخازن الأسلحة ، أحد المنازل كان يحتوي على كميات من السلاح والصواريخ ولكن لم يكن فيه أو حوله أي أثر للمخربين أحياء أم أمواتا.

أين ذهب قصف الطيران والمدفعية. بضعة بيوت كانت لا تزال صالحة للسكن في محيط العمليات الذي توليت إمرته ، بقينا طوال النهار نبحث عن المخازن والمنصات . إلى أن عرفنا بأن رجالنا وضعوا يدهم على ثلاث منصات تحوي كل منها على أربعين فوهة مثبتة على رافعة هيدروليكية، ومغطاة بجوار المقبرة بسقف متحرك صاجي ملتصقة به الأتربة والحشائش اليابسة ، كان الغطاء يبدو وكأنه جزء من المحيط .
كان ذاك نصر جعلنا ننسى تعبنا والخطر الذي يحيق بنا.

لم تكن البلدة معروفة بأنها موقع قوة لحزب الله ، ولكن أنفاقهم المخيفة قد تكون منتشرة بين المنازل أو تحت القبور ، كل ما كان حولنا كان مريبا، وكل حركة كنا نقابلها بوابل من الرصاص، حتى الإمداد الذي وصلنا في الليلة الأولى عبر مجموعة الإسناد حاملة معها طعاما وذخيرة تعرضت للرصاص من جنودنا ، فجرح ثلاثة من زملائنا وقتل حيوان من حيوانات الرنة العديدة التي كانت تنقل لنا الإمداد . حرب لبنان الثانية..........يكفينا فشلا بأن جيش الدفاع إضطر لإستعمال وسائل الحرب العالمية الأولى في قتال حزب الله.
مخربوا نصرالله لم يظهروا لنا في الليلة الأولى ، كنا أكثر من مئة عنصر ثلاثين منهم بقيادتي ، ينام بعضنا في المنازل المدمرة أو فيما تبقى منها، والبعض الآخر يحمي الرفاق وفريق ثالث يتابع البحث والتفيتش .
بقينا كذلك ليومين وفي اليوم الثالث ، نفذ منا جميعا الماء والطعام، تابعنا التواصل مع القيادة لإرسال الإمداد، ولكنهم أخبرونا أن كمائن المخربين تطوق القرية ، فقد كنا نحاصر القرية وحزب الله يحاصرنا ولو بشكل غير مرئي. قالوالنا أنهم سيرسلون قوة تحمل لنا الزاد بالمروحيات وتطهر المنطقة من المخربين وهكذا حصل، وصلت المروحيات وفور رؤيتها لعلامتنا إنطلق صاروخ تخطاها بإعجوبة فهرع الطيار إلى قذف المؤونة ، ورحل تحت نيران الصواريخ والأربي جي والرصاص الثقيل، بدأت المدفعية والطيران في دك مكان إنطلاق الصواريخ ، وتقدمت أنا على رأس مجموعة من فصيلي لإستكشاف المؤونة وحملها، وقبل أن نلتف بإتجاه المؤونة هربا من قصف مدفعيتنا ونيران الطائرات التابعة لنا، والتي نصبت لنا جدار نار لحمايتنا من المخربين ، إنطلق صاروخ مضاد للدروع بإتجاه المجموعة التي أتقدمها ، كان لإنفجار الصاروخ الأول دوي هائل، أما الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع فلم يعد يعني لي صوتهم شيء، بدأت بالرد على النيران وأبلغت قائد الكتيبة بحاجتي للمساعدة ، أصيب أربعة من مجموعتي وقتل سابع أما السادس والخامس فقد إختفيا بكل بساطة. لقد بقيا يركضان بإتجاه إسرائيل بدون توقف حتى اليوم التالي . وعوقبا بالسجن فيما بعد.

إشتد قصف الطائرات ، وكانت صواريخ الأف 16 تغطي إنسحابنا ، ومع ذلك وقعت مجموعتي تحت نيران المخربين في طريق الإنسحاب، أبلغت قائد الكتيبة فبدأ القصف المدفعي يتساقط على رؤوسنا وعلى رأس المخربين على السواء .
بقيت حتى صباح اليوم التالي أنا والجرحى من حولي نحاول الإنسحاب في أي إتجاه متوفر ، ومع طلوع الشمس ، وصلت مجموعة من الجنود المنتشرين في يارون، حملت الجرحى وكانوا قد أصبحوا تسعة، أثنين منهم جراحهم لا أمل منها وتوفوا فيما بعد وقبل وصول الطائرات لإخلائهم من على الحدود تماما . لأن الإخلاء من يارون كان مستحيلا إلا مشيا على الأقدام .
إرتحنا خلال النهار، وفي الليلة التالية، تذمر الجنود، لا ماء ليومين ولا طعام، بدأ بعضنا يدخل المنازل السليمة بحثا عن الماء والطعام ، كان الوقت ظهرا ، والمكان الذي أنا فيه مكتظ بالخوف والرعب.
لقد كنا نتضور جوعا بينما رجال المخربين يأكلون طعامنا ويشربون مياهنا. حتى ضمادات المعالجة نفذت من فصيلي، وكان على الطائرات أن تعيد المحاولة فألقت بحمولتها في زاوية تعاكس تواجدنا وهرب طيارها لأن الصواريخ عادت لتنطلق بإتجاهه ، ورغم حماية ثلاث مرحيات اباتشي للتشاينوك إلا أن المخربين كان لديهم ما يكفي من الرجال والصواريخ في الجوار بما يكفي لمطاردة الطائرات الأربع. وللمرة الثانية حصل حزب الله على طعامنا.
قائد الكتيبة قرر إرسال دعم فوري لنا، فتقدمت الدبابات من محاور عدة ، كنا نسمع هديرها ونشتم رائحة الديزل فأسعدنا ذلك كثيرا ، وخلال أقل من ربع ساعة على تحرك الدبابات ، كنا نرى طلائعها تلوح في مقابل القرية وليس بيننا وبينها إلا مئات الأمتار.
ولكن الأشباح عادوا هذه المرة لإطلاق الصواريخ على الدبابات. ولم يكتفوا بذلك ، كنت والوحدة التي أقودها نختبيء بين البيوت، فدخلنا إلى منزل من ثلاث طوابق، فتشنا الطابق الأرضي بحثا عن ماء، فيما كان جندي من الوحدة يعالج الشبابيك لكي يعطي الجنود فرصة للقتال من داخل المنزل المحازي لحقل يمتد على مدى النظر بإتجاه المعركة الدائرة من طرف واحد بين دباباتنا وبين الأشباح التي لم نكن نرى سوى صواريخهم، أحد الجنود قال : يبدوا بأن حزب الله لا يسلح جنوده إلا بصواريخ الساغر . فقال له آخر....أي ساغر ...هذه الصواريخ تدمر الميركافا كأنها قطعة كاتو ، لديهم شيء اقوى .
صرخ جندي من الطابق العلوي ممن كان يؤمنون المنزل، سنحصل على جائزة خمسة وعشرين مليون دولار من الأف بي أي .
قلت للجندي ولكن ليس الآن وقت مزاح فقال:
" لقد إعتقلنا حسن نصرالله "
لم يستسغ طرفته أحد ولكنه أكمل بكل جدية : أقول لكم لقد إنتهت الحرب وربحناها ...ها هو نصرالله يختبيء في الغرفة هنا تعالوا وأنظروا بأنفسكم .
في تلك اللحظة فقط أحسست بأن أطير بالهواء وأن طائرة من طائراتنا ضلت هدفها وقصفتنا، فقد دوى إنفجار هائل في الطابق العلوي وسقط علينا الحجار والتراب ...
حاولت أن أتفقد نفسي وجنودي فدوى الإنفجار الثاني والثالث ، على الصراخ والرصاص من الخارج ...
حسن نصرالله في المنزل وفي الخارج رجاله يحاولون إنقاذه ، تلك الفكرة التي أتت إلى رأسي على الفور حين صرخ جندي كانت يطلق النار من سلاح متوسط أسنده على شرفة المنزل الخارجية فهو قال :

أيها الرفاق ، المئات من المخربين يهاجمون المنزل ، أراهم هنا ....لا لا هؤلاء جنودنا ...ثم صمت فقد إنفجر صاروخ ولم أعد اسمع صوته ..
يتبع في الحلقة القادمة : هكذا إلتقيت بنصرالله تحت النار .