السلام المفقود (16)

ـ روس: آخر المحاولات.. ترويض عرفات بالطريقة اليابانية

قلت لجورج تينيت قل لأبو عمار: قل لا الآن تنقذ باراك من مأزقه.. وقل نعم.. تحشره في الزاوية

تواصلت الاجتماعات غير الرسمية بين الجانبين، وكان أمنون ورشيد، على وجه الخصوص، يبحثان كل القضايا. لم نكن جزءاً من هذه المباحثات لاعتقادنا بأنهم قد يكونون منفتحين أكثر بعضهم على بعض إذا لم يكن هناك «شاهد» أميركي حاضراً.
وصل جورج تينيت في الصباح. وكان جاهزاً ومنتظراً وعلى استعداد للمجيء إذا كان هناك حاجة إليه. وقد طلب دحلان والجنرال شلومو ياناي على السواء حضوره، وأبلغاني أنه قد يساعد في حل القضايا الأمنية. ذهبت لإطلاعه على المكان الذي وصلنا إليه وما هو الموضوع على الطاولة. وقد ذهل بما كان باراك مستعداً للقبول به. وتساءل هو ايضاً إذا ما كان باراك قادراً على تنفيذ ما قبل به، وسأل وهو لا يكاد يصدق، «لماذا لم يقبل عرفات بذلك؟».

قلت إنني غير واثق، لكن هناك عدة احتمالات. الحرم مشكلة حقيقية بالنسبة لعرفات وهو لا يستطيع حقاً حتى القبول بسيادة اسمية عليه. أو يمكن أن يكون ذلك تكتيكاً، حيث يحجم ليرى ما يمكن أن يحصل عليه من مزيد، وسيواصل لعب ذلك إلى أن يقتنع بأنه وصل إلى الحائط في النهاية; أو قد لا يكون في النهاية قادراً على ذلك. فقد لا يكون قادراً على القبول بأي شيء إلا إذا حصل على كل شيء. وقد يكون إنهاء النزاع كبيراً عليه. فهو يتطلب الكثير من إعادة تعريف الذات. وأبلغته أن عرفات معروف بالفعل بصورة النضال وحقيقته. فهل يستطيع حقاً إنهاء المظالم والمطالب والقول إن كل شيء انتهى الآن؟ كانت لدي شكوكي، لا سيما بالنظر إلى أدائه في القمة «فنحن لا نسمع منه شيئاً سوى الخرافات القديمة والآن خرافة جديدة. «هل تعلم أن الهيكل لم يكن موجوداً في القدس ولكن في نابلس»؟

هزّ جورج رأسه وسأل، «ما الذي تريدني أن أفعله معه؟» قلت من الواضح أن علينا التركيز على ما سيخسره. لكنني تابعت قائلاً، أعتقد أن علينا تجربة قليل من علم النفس العكسي «حان الوقت لممارسة قليل من الجوجيتسو (أسلوب ياباني في الدفاع عن النفس يهدف إلى تحويل وزن الخصم وقوته إلى عبء عليه ـ الإيضاح من «الشرق الأوسط»).

واقترحت أن يتحدث جورج إلى عرفات عن مزاج باراك. أبلغه الحقيقة: إن باراك يعتقد بأنه قد ذهب إلى حد بعيد، ولعله الآن يعتمد على عرفات بأن يقول لا لكي يتراجع عما كان مستعداً للقبول به مع الرئيس. قل لا الآن فتنقذ باراك من مأزقه. قل نعم فتحشره في الزاوية. فقال جورج إنّه سيحاول ذلك.

كانت خطة اليوم تقضي بأن يقابل جورج عرفات، وبعد ذلك تأخذ وزيرة الخارجية عرفات إلى مزرعتها التي تبعد نحو عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة. وسبب اصطحاب عرفات إلى الخارج أن باراك أشار إلى رغبته في زيارة ميدان معركة غتيسبيرغ (يقع كمب ديفيد في غرب ميريلاند قرب حدود الولاية مع بنسلفانيا، وعلى بعد أقل من ساعة عن غتيسبيرغ). ونظراً للقواعد الأساسية التي تقضي بعدم مغادرة القادة، لم يكن بوسعنا السماح لباراك بالمغادرة ما لم يسمح لعرفات أيضاً بمغادرة كمب ديفيد لفترة من الزمن. وقد رأينا أن من الأفضل للجميع السماح لباراك بالمغادرة بسبب مزاجه.

* بعد فشل القمة: أبو عمار مرتاح في العلن وليس في داخل نفسه

* في النهاية، عاد ياسر عرفات إلى غزة بعد القمة واستُقبل استقبال الأبطال. فقد واجه الرئيس وواجه باراك، ودافع عن حقوق الفلسطينيين ولم يقبل بالإملاءات، أو هذه هي الصورة التي سعى هو ومن حوله إلى الترويج لها. وطالما دعم الفلسطينيون الفكرة القائلة إن عليهم عدم التنازل عن حقوقهم. أما عرفات الذي كان دائماً رمزاً للتحدي - الرمز الذي غالباً ما كان القوة الدافعة للتحرك الفلسطيني - فقد كان مرتاحاً في العلن لكنه لم يكن كذلك في سرّه.

على الرغم من الشكل العلني لهذا التحدي، بدأت أتلقى اتصالات من كافة المحيطين بعرفات، رشيد، دحلان، عريقات، أبو ردينة، يقولون لي فيها بأن الرئيس يدرك أن تقدماً كبيراً قد تم إحرازه وأنه لا بد من عقد قمة أخرى. علينا أن نبدأ بالتخطيط لذلك الآن. متى ستعود إلى المنطقة؟ يمكننا البدء ببذل جهودنا حالما تأتي.

لم أكن أنوي الكشف عن ذلك. فقد يسود اعتقاد بأنه لا يزال في وسعنا التوصل إلى اتفاق، لكنني بتّ مقتنعاً بأنه يتعين علينا تغيير طريقة تعاملنا مع الفلسطينيين. يتعين عليهم الآن إثبات أنهم على مستوى مهمة صنع السلام. قلت لرشيد: «أخبر رئيس السلطة الفلسطينية بأنه يحلم. لقد أفرغنا للتو كل ما لدينا. لقد كشفنا الرئيس أمام العالم ولم نتوصل إلى شيء. لا يمكننا استغلال سلطة الرئاسة وهيبتها وهيبة الولايات المتحدة في فشل كبير آخر. فالرئيس بات مقتنعاً بأن عرفات غير قادر على اتخاذ قرار ينهي به النزاع. وإذا كنت تريد إقناع كلينتون بوجوب عقد قمة أخرى، وإذا كنت تريد إقناعي بضرورة الدفاع عن هذه الفكرة، يتعين على عرفات إثبات أنه مستعد للتوصل إلى اتفاق، وإثبات أنه سيعمل على إنهاء كل شيء. افعلوا ذلك مع الإسرائيليين الآن بحيث يصبح الاتفاق جاهزاً وليس بحاجة إلى أكثر من صياغة رسمية».

في بداية آب/أغسطس، لم أجد صعوبة في أن أتجنب الفلسطينيين بطريقة ودية. فقد كان الرئيس مشغولاً بالتطورات السياسية المستجدة في الولايات المتحدة: نجح مؤتمر الحزب الجمهوري بشكل غير عادي في تعزيز صورة جورج دبليو بوش «كمحافظ متحمس» ـ وفقاً للاتجاه السائد للمواقف في البلاد ـ وكقائد يتعامل مع قضاياه بشكل مباشر وقادر على «إعادة» الهيبة إلى منصب الرئاسة، والذي سيضع حداً لسياسات عهد كلينتون السامة. وكان الرئيس كلينتون يتطلع إلى مؤتمر الحزب الديمقراطي حيث ستتسنى له فرصة إظهار الحقيقة بشأن نجاحه في توليه منصب الرئاسة، مع أن نائبه غور لم يكن يرغب في أن يلعب الرئيس دوراً كبيراً (وحتى قبل مؤتمر الحزب الديمقراطي، نجح نائب الرئيس في الحد من اندفاع بوش بإظهار أن بوسعه القيام بما هو غير متوقع، شيء يعيد رسم صورته، عندما اختار السناتور جوزيف ليبرمان، اليهودي الأرثوذكسيّ، لكي يخوض معه الانتخابات كنائب للرئيس).

وفي حين كنت أشعر بقليل من الضغط في آب/أغسطس لكي أتجاوب أكثر مع الفلسطينيين، فإن مناشداتهم لي لكي أزور المنطقة بدأت تتزايد مع إلحاح بعض الإسرائيليين علي أيضاً بضرورة المجيء. تمسكت بموقفي معهم أيضاً، لا سيما لأنني علمت بأنهم أجروا محادثات مع الفلسطينيين وأنهم سيواصلون هذه المحادثات. ومع أن معظم المفاوضين الإسرائيليين كانوا غاضبين من عرفات ويريدون منا ممارسة ضغوط عليه، فقد شعروا بالضغط هم أنفسهم ـ لأن بعضهم كان يعتقد بأن التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين هو السبيل الوحيد لبقاء حكومتهم، ولاقتناع بعضهم بأن الفرصة التاريخية لإنهاء الصراع ستضيع في حال سقطت حكومتهم أو تغيرت تشكيلتها.

استمر باراك في إثارة الضجيج بأنه سيلجأ إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية مع أرييل شارون، وهو احتمال مدفوع بأن حكومة باراك أصبحت حكومة أقلية بعد انسحاب حزب شاس من الوزارة في تموز/يوليو. وكان على باراك توسيع قاعدة حكومته عاجلاً أو آجلاً لكي يضمن بقاءها، وهي عملية تتطلب إيجاد قضية مشتركة تجمعه مع أولئك الذين يُعرف عنهم عدم استعدادهم للتنازل إلى الفلسطينيين ويعتبرون عملية السلام بمثابة لعنة.

كان معسكر السلام يسيطر على وزارة باراك الحالية، وخشيت من أن يصل شعورها بالإحباط إلى عرفات. لأن ذلك إذا حصل فسيحجم عرفات بانتظار أن يقوم الإسرائيليون أو نحن بالاقتراب ثانية منه أكثر. أردت أن لا نقوم بشيء ـ بحيث يدرك عرفات بأن الخطوة التالية يجب أن تأتي منه.

في 9 آب/أغسطس، أرسل عرفات (بعد إلحاح من المحيطين به دون شكّ) رسالة إلى الرئيس يقول فيها أنه سينشئ قناة سرية مع الإسرائيليين لمناقشة مسألتي القدس والأمن. وعندما تصل المناقشات إلى مرحلة يصبح فيها الاتفاق ممكناً، فإنه سيلجأ إلى الرئيس ويطلب منه التدخل.

كانت هذه القناة السرية تلتقي يومياً تقريباً طوال شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر، حيث بحثت مقاربة عملية لكل الأحياء في القدس الشرقية والمدينة القديمة. ما القانون الذي سيطبق في كل حيّ؟ كيف سيتم تنسيق الإجراءات الأمنية؟ كيف ستبقى المدينة موحدة حتى بعد تولي المسؤوليات الوظيفية في الأحياء المختلفة؟ كان جلعاد شير وإسرائيل حسون (نائب المدير العام لجهاز الشين بيت) من الجانب الإسرائيلي، وصائب عريقات ومحمد دحلان من الجانب الفلسطيني يتعاملون مع هذه المسائل وغيرها بطريقة منهجية. وقد حققوا تقدماً في هذه المسائل العملية المتعلقة بالقدس، لكن سرعان ما عجزوا عن إحراز أي تقدم في المسائل الأمنية، حيث اختلفوا بشأن ما اتفق عليه في كمب ديفيد.

أدى ذلك إلى إصرار الإسرائيليين على أن نجلس، بوصفنا الحافظين للسجلات، مع كلا الطرفين ونعمل كحَكَم في تثبيت الخطوط الأساسية الجديدة لكمب ديفيد. كنت مرتاباً بشأن القيام بذلك، لأنه سيعفي عرفات ومفاوضيه من عبء التصرف من تلقاء أنفسهم.

ومع ذلك، فإن عدم رغبتنا عموماً في رفض طلبات الإسرائيليين جعل الرئيس ومادلين وساندي يلحون علي كي أزور المنطقة وأشارك في القناة الخاصة. استجبت لطلبهم بعد أن أوضحت أن أقصى ما يمكنني فعله في تلك اللقاءات هو تلخيص ما تفاهمنا عليه في كمب ديفيد ـ وهي مفاهيم ليست متقدمة بالقدر الذي أراده جلعاد، لكنها ليست محدودة بالقدر الذي اقترحه دحلان.

* أسرار آخر الجهود لإخراج كامب ديفيد من غرفة الإنعاش

* في قضيّة الأرض بوجه خاص، اقترحت أننا قد نكون قادرين على حمل إسرائيل على القبول بضمّ 8 في المائة في نهاية المطاف وسنرى إذا ما كان بوسعنا الضغط عليهم لتجاوز نسبة 1 في المائة للمقايضة التي قبلوا بها في كامب ديفيد، أي أنني أشير إلى أن الفلسطينيين سيحصلون على 93 إلى 93.5 في المائة من الأراضي مقابل نسبة 92 في المائة التي عرضت في كامب ديفيد. (المؤلف يتحدث هنا في الباب قبل الأخير من كتابه وقد حمل اسم حل العقدة من كامب ديفيد الى الانتفاضة الى أفكار كلينتون، والوارد من المؤلف هنا جاء ضمن فصل باسم : لقاءات نيويورك ومبادرة أميركية جديدة ، وهي اللقاءات التي عقدت بين وفدي التفاوض الإسرائيلي «شلومو وجلعاد» والفلسطيني «دحلان ومحمد رشيد وعريقات» متزامنة مع قمة الألفية بنيويورك ..الإيضاح من «الشرق الأوسط») وبشأن القدس، قلت إنّني أعتقد بأن على الإسرائيليين القبول بالسيادة الفلسطينية في الأحياء العربية خارج المدينة القديمة، أي الأحياء الداخلية التابعة للبلدية. وهذا يتجاوز ما طُرح في كامب ديفيد، حيث عُرض حصول الفلسطينيين على السيادة في المناطق الخارجية فقط ـ غير المجاورة للمدينة القديمة المسوَّرة.

وفي ما يتعلّق بالحرم، قلت إنّ الكرة في ملعبكم ـ وفكرة تولّي منظمة المؤتمر الإسلامي لا يمكن أن تكون نقطة انطلاق. وأخيراً، بخصوص اللاجئين، قلت إن الإسرائيليين ليسوا مستعدين للقبول «بحق العودة» إلى إسرائيل تحت أي ستار. فحق العودة إلى دولتكم منطقي تماماً، أما حق العودة إلى إسرائيل فمعناه أنكم لا تؤمنون بحل يقوم على وجود دولتين.

وأضفت بأن هناك عدداً من الخطوات التي يمكننا اتخاذها لإعطاء الفلسطينيين غطاء لهذه القضية. يمكننا أن نشير في النصّ إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 ـ وهو المرجع الفلسطيني بشأن اللاجئين. ويمكننا إنشاء صندوق دولي كبير لتعويض اللاجئين وللمساعدة في إعادتهم وإعادة توطينهم وإعادة تأهيلهم. ويمكننا الضغط على الإسرائيليين لكي يقبلوا بعودة عدد محدود من اللاجئين لأسباب إنسانية والتأكّد من منح الأولوية لمثل هذا القبول للاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان. لكن في النهاية لن يحصل الفلسطينيون على حقّ العودة إلى إسرائيل.

لم يكن النقاش سهلاً في البداية مع صائب أو محمد دحلان، فقد رأيا أنّ ما أصفه هو الحدود الإسرائيلية الدنيا التي تستبعد التوصل إلى اتفاق. وأنّني في الواقع أجادل دفاعاً عن المواقف الإسرائيلية التي كانت ترفض إعطاء الفلسطينيين ما يحتاجون إليه لتسويق الاتفاق: استقلال لا لبس فيه، وسيادة على الحرم، وحل عادل لمشكلة اللاجئين.

كان ردّي قاسياً: فقد ركّزوا على حاجاتهم بغية استبعاد حاجات الإسرائيليين. وقد استمعوا إليّ وأنا أتجاوز ما عُرض في كامب ديفيد، وبوسعهم أن يروا شيئاً عن القدس يذهب أبعد مما اقترحه صائب في مؤتمر كامب ديفيد بمنح الوضعية «أ» للمناطق الداخلية. وإذا ما استمروا في التمسك بمواقفهم، فلست أرى سبباً لكي نقدم اقتراحاً لأنّه لن يتم التوصل إلى اتفاق.

على غرار شلومو وجلعاد، كانوا يريدون اقتراحاً أميركياً، إذ لا يمكن التوصل إلى اتفاق إلا إذا كان على كل طرف أن يردّ على اقتراح أميركي.

قلت لهم، إذا كان هذا هو المطلوب، «ساعدوني في بناء اقتراح. صحيح أنه لن يتضمن كل شيء تريدونه، ولكنه لا بد سيستجيب لما يحتاج إليه كل منكم. وإذا كنتم تعتقدون بأن ما قلته مستحيل قبوله بالنسبة إليكم، فإني لا أرى سبباً للاستمرار بهذه الجهود».

عند هذه النقطة، أصبح الجميع متجاوبين. في موضوع الأرض، رأوا بأن المفتاح لحل المسألة هو المحافظة على وحدة أراضي الضفة الغربية. ورأى دحلان، على وجه الخصوص، أنه إذا تجاوزت نسبة الأراضي المضمومة 6 في المائة، تبدأ وحدة الأراضي الفلسطينية بالتفكّك; وتحدّث صائب عن زيادة حجم المقايضة بجوار غزة للتخفيف من الكثافة السكانية الفظيعة هناك.

كان دحلان متألّماً بشكل خاصّ في هذا الموضوع، ملاحظاً أننا نطالب بضمّ 8 في المائة من أراضي الضفة الغربية من أجل إيواء 80 في المائة من المستوطنين الإسرائيليين البالغ عددهم 200000. وأشار إلى أنهم يطلبون منّا زيادة حجم المقايضة لتفريج الضغط عن 1.2 مليون فلسطيني يعيش في غزة ـ وهي مساحة مساوية تقريباً للمساحة التي نقول الآن إن الإسرائيليين بحاجة إلى ضمها «لإراحة» مستوطنيهم في الضفة الغربية.

وفي ما يتعلق باللاجئين، انصب تركيزهم على المسائل العملية، لا المسائل المبدئية: هل يمكننا زيادة عدد اللاجئين الذين ستقبلهم إسرائيل «لأسباب إنسانية»؟ وهل يمكن أن يشكل اللاجئون المقيمون في لبنان، ممن يرغبون في العودة، غالبية هؤلاء؟ هل يمكننا الحديث عن فئات يمكنها اختيار العودة، مثل أولئك الذين غادروا في عام 1948؟ (كانوا يعتقدون بأن عدد الذين هُجِّروا في عام 1948 ممن لا يزالون على قيد الحياة ويريدون العودة قليل جداً حقّاً).

كانوا يلمحون إلى ما قد يكونون قادرين على القبول به. ومن المفارقة أنّني وجدت دحلان أكثرهم معارضة في الموضوع الذي كنت أتوقع ألاّ يثير مشكلة: الأمن. فقد كان رافضاً لثلاث نقاط: السيطرة الإسرائيلية على الأجواء، وحقّ الإسرائيليين في إعادة الانتشار في الحالات الطارئة، والوجود الدولي على كافة الحدود ومنافذ الدخول. كان يدرك أنّ هذا هو المجال الذي تحتاج إسرائيل فيه إلى أكبر قدر من الضمانات. لكنه قال، لا تسلبونا أياً من مظاهر الاستقلال.

لم أكن أؤمن يوماً في تضليل من أتفاوض معه. ومع أنني كنت أتفهم دواعي قلقه، ومدى حساسيته، لكنني قلت له إنّني لا أعتقد بأن التوصل إلى اتفاق أمر ممكن بدون مراعاة أسباب القلق لدى الإسرائيليين في تلك النواحي الثلاث. وقبل أن نختم لقاءاتنا في نيويورك، قال لي رشيد بأن ذلك صعب على محمد دحلان لكن الرئيس عرفات سيقبل في النهاية «ما تطلبه بشأن الأمن». وبحلول منتصف سبتمبر (أيلول)، عندما عاد كِلا الطرفين إلى الشرق الأوسط، بتّ واثقاً من أنّ بوسعنا وضع اقتراح مقبول. سيقاتل كل طرف بضراوة بشأنه، لكن سيكون في وسعنا تعديله بما يستجيب لما يمكن لكل طرف قبوله، حتى ولو اضطر إلى ابتلاعه مكرهاً في سبيل إنجاحه.

* سننظر مطالبك لكن المواقف ليست إما السلام أو الحرب الشاملة

* أبلغ الرئيس باراك برد عرفات في الساعة الثالثة والربع صباحاً. وفي الرابعة إلا ربعاً طلب باراك أن آتي لمقابلته، فذهبت إلى كوخه. كان مكتئباً جداً، ويشعر أن لا خيار أمامه سوى الذهاب إلى حكومة وحدة وطنية. وكان يشعر أيضاً بأن الفشل في كمب ديفيد يعني نهاية عشرين عاماً من صنع السلام وسيؤدي إلى تدهور فوري في النزاع. وقال إنه بحاجة إلى المساعدة والدعم منا وعدد ما هو ضروري له من الناحية السياسية:

* بيان واضح جداً من قبلنا بأن كل الأفكار المقدمة في كمب ديفيد تعتبر لاغية وباطلة.

* تعزيز جديد للعلاقات الاستراتيجية.

*حزمة من الدعم العسكري الثنائي الجديد.

*الاستعداد لنقل سفارتنا إلى القدس لإظهار أن باراك كسب بشأن القدس، ولم يخسر.

*الالتزام بمحاربة إعلان الفلسطينيين الدولة من طرف واحد، بما في ذلك ضمانة بمعارضة انضمام تلك الدولة إلى الأمم المتحدة.

أبلغت باراك بأننا سننظر بعناية في كل طلب تقدم به، لكنه إذا سلك طريق الحرب في أعقاب كمب ديفيد، ستقل قدرتنا على الاستجابة إلى احتياجاته، ولن ترتفع. وهو كقائد مسؤول عن بلد، لا يمكنه أن يتبنى موقفاً من بديلين فقط: السلام أو الحرب الشاملة.

في هذه اللحظة انضم إلينا دان مريدور، وغادر باراك، فالتفت إلى دان وقلت، «أعرف ما هو شعوركم، ولدي الشعور نفسه إلى حد كبير، لكن العالم ليس أسود وأبيض، ولا يمكن أن تكون الخيارات المتاحة الحرب أو السلام. فلا يزال أمامكم أنتم والفلسطينيين حياة تعيشونها معاً». أومأ برأسه وقال، «بالطبع، بالطبع... أنا شخصياً أشعر بأننا محظوظون لأن عرفات لم يوافق وعلينا أن نجد طريقة لإدارة المفاوضات ومتابعتها».

في الاجتماع الثلاثي، كان باراك شديد التجهم، معبراً عن خيبة أمله العميقة. وأعلن أنه كان يعتقد بأننا سنتوصل إلى اتفاق يغير المستقبل; وينتج عنه دولتان، إسرائيل وفلسطين جنباً إلى جنب. ربما كان ذلك «بعيد المنال، لكنّني لا أزال أعتقد بأن تحقيقه كان ممكناً».

* كلينتون قال لي: عرفات يعرف أنه الكريه في هذا الحفل ومع ذلك رفض التمييز بينه وبين باراك في البيان الختامي

* كان عرفات يعرف بأنه (وفقاً لقول الرئيس) «الشخص الكريه في الحفل»، فأفاض في مدح الرئيس كلينتون وعاطفياً في دعوته إلى السلام. «إننا يا سيادة الرئيس نقدر بحق وبصدق كل ما فعلته... وسنواصل عملية السلام، العملية التي دفع شريكي الراحل رابين حياته من أجلها. ومن أجل أطفالنا، نعرف أن علينا متابعة عملية السلام بالرغم من كل الصعاب. وإنني واثق من أن الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني يريدان السلام... وإنني واثق من أننا سنتمكن من التغلب على الصعاب بمساعدتك العظيمة وجهودك... من أجل أطفال فلسطين وإسرائيل والشرق الأوسط بأكمله».

سألني الرئيس عن مسودة الإعلان الذي سنصدره، وقرأه بصوت مسموع. كان من الواضح أن عرفات يشعر بالانفراج، فقال، «ما تقرره نقبل به». وأومأ باراك برأسه. فطلب الرئيس منهما أن يسمحا له بالتحدث إلى الصحافة أولاً فوافقا.

كانت مشكلة الرئيس مع الصيغة المطروحة أنها تبدو غير منطقية: «أنت تجعلني أمتدح باراك وأقول بأن عرفات حضر. في ذلك تمييز». أبلغته أن ذلك صحيح، فهي الطريقة التي نميز بها بين الاثنين دون توجيه انتقاد مباشر إلى عرفات وتمتدح باراك في الوقت نفسه ـ وهو أمر كنت أعتقد بأن باراك بحاجة إليه محلياً. وكان الرئيس حريصاً على مساعدة باراك، معتقداً بأنه إذا كان بوسعنا دعمه سياسياً الآن، فإن بإمكاننا المحافظة على حياة العملية.

* عد لنا برد عرفات على سيادة في الحيين المسلم والمسيحي.. وسيادة الوصاية على الحرم..

* تجاوزت الساعة منتصف الليل. كنا لا نزال نتباحث منذ التاسعة والنصف مساء. التفت الرئيس إلى صائب وحاول تجربة المقامرة دون تحفظ بقوله، «ماذا لو حاولت الحصول لكم على ما يلي: السيادة على الأحياء الخارجية; وسيادة محدودة على الأحياء الداخلية» (تدخل صائب في الكلام قائلاً «سيادة مع ترتيبات»، وأجبت: «سيادة محدودة»). «السيادة في الحيّين المسلم والمسيحي مع سيادة الوصاية على الحرم»َ. دوّن صائب ذلك، وقال الرئيس، «ليس لدي أي فكرة عما إذا كان باراك يقبل بذلك»، ورددت على ذلك، «أنا أعرف، سيرفضها». أومأ كلينتون برأسه قائلاً لصائب، «ربما يكون ذلك صحيحاً، لكنني سأحاول على أي حال. هل تنقل ذلك إلى رئيس السلطة وتعود إلي برده؟». لم أكن أشعر بالارتياح، فحاولت أن ألطف من وقع ذلك على شلومو الذي بدا مستاء، وفي الوقت نفسه أشير إلى صائب بأننا قد نحاول جعل الرئيس يتراجع، فقلت، «عليك يا صائب أن تقدم ذلك كجزء من نقاش لا كفكرة على قدم المساواة مع أفكار الرئيس المقدمة إلى رئيس السلطة».

حصلنا على الجواب في الثالثة صباحاً عبر صائب. في الوقت الفاصل، ذهب جمال وروب إلى عرفات وحاوراه وناشداه مع من حوله بأن يقدم جواباً إيجابياً للرئيس. وقد ذهبت جهودهم هباء. لم يقبل عرفات بأي من الخيارين، لا فكرة الرئيس الأخيرة بشأن القدس ولا تأجيل أي جزء من القدس. واقترح بدلاً من ذلك متابعة التفاوض.