الوثائق البريطانية : شمعون في إفادة للسفير واكفيلد حول لقاءه بالأسد

نعم .. السوريون سيطورون مذاقا لبقائهم في لبنان

ما لم يقرر اللبنانيون بناء جهاز للدولة قادر على حفظ الأمن فسيميل السوريون لمحاولة ضم البقاع وعكار على الأقل * السفير السير بيتر واكفيلد في أطروحة مثيرة حركت الخارجية البريطانية في مختف الاتجاهات:

الزعيم الماروني بيار الجميل

قلب بيروت وقد دمرته الحرب تماما

حسن ساتي

* وثيقة رقم : 10

* التاريخ: 28 يونيو 1977

* من: السير السفير بيتر واكفيلد، بيروت.

- الى: دبليو. تومكيز، إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، الخارجية، لندن، سري للغاية.

* الموضوع: بيان جبهة لبنان 1/ سألت الرئيس السابق شمعون خلال غداء أمس ما إذا كان مسار بيان الفيدرالية عن الجبهة اللبنانية الصادر نهاية هذا الاسبوع يعكس المحادثات التي أجراها مع الملك حسين والرئيس الأسد الأسبوع الماضي. قال إنه صدم من التباين الكلي بين التوجهين تجاه كونفيدرالية سورية والأردن، فالملك حسين معارض وبصورة كلية لها، ولكن الأسد لا يزال يتحدث عنها، وحينما تحدث اليه الأسد عن بعض أشكال الترتيبات مع لبنان، قدم ما يشبه الطعنة بقوله إن سورية هي التي كانت قد شجبت اتحاد الجمارك قبل 25 عاما.

2/ أشرت الى قلقي من تأجيل إعادة بناء الجيش اللبناني والأهمية القائمة لبقاء السوريين، فوافق أن السوريين ربما يطوروا مذاقا لبقائهم هنا. وحين تطرقت الى ضرورة أن تعمل الجبهة اللبنانية بقوة من أجل إعادة تأسيس الدولة اللبنانية، قال إن الموارنة قد عملوا على العيش هنا لما يزيد على 600 عام، وليس لديهم بديل للعيش ويأملون في تحول موات للظروف.

3/ وبالمصادفة كان ممتلئا بالتصريح الكامل المنسوب للرئيس الأسد في مقال أخير بالمستقبل التي تصدر في باريس، وفي هذا المقال إتهم الأسد بوضوح الأميركيين بأنهم يريدون دفن القضية العربية في لبنان وقد أنذروه خمس مرات ضد تدخله. وحين سألت ما إذا كان هذا بالضرورة حساب لصالح إشارات الأسد، قال إن الأسد لم يصدر نفيا، وكذلك لا أي من الحكومتين الأميركية والسوفياتية، وهذا التصريح من الأسد، كان دقيقا أو لم يكن، سيغذي بلا شك تفسير المؤامرة السائدة عن الحرب اللبنانية.

* توقيع سير بيتر واكفيلد ـ السفير ـ بيروت.

* وثيقة رقم: 18/77

* التاريخ: 4 يناير 1977

* من: السفير بي. جي. واكفيلد، بيروت.

- الى: وزير الدولة بالخارجية، لندن، سري للغاية.

* الموضوع: لبنان تحت الوصاية السورية

* الفقرات 1 الى 9 حملتها حلقة الأمس:

10/ يشتكي المارونيون باستمرار وبعدل بأن المسلمين لم يكونوا يوما بكل قلوبهم مع لبنان، وأن القادة السنة نظروا باستمرار لتلقي الإرشاد من أي من كان الأقوى في العالم العربي، وناصر، على سبيل المثال ظل لوقت طويل (خليفتهم). ويظل التناقض الأساس بين المسيحيين والذين يلتصقون بخط حياتهم السياسي والثقافي مع الغرب، وبين المسلمين الذين يميلون طبيعيا إلى العروبة والإسلام، وقد سجن جورج نقاش عام 1949 لإدارته الانتباه إلى ضعف حزمة الاستقلال الأساسية بين المسلمين والمسيحيين. وهذا مبني على رفض مشترك من كل جانب للقطبين الجاذبين للتقسيم (لا للغرب.. ولا للعروبة، ونقيضان لا يصنعان أمة أو دولة)، وذلك كان استنتاج نقاش.

11/ حكمة نقاش أو قوله المأثور لا يزال ساري المفعول برغم أن الحرب قد جاءت ببعض النقلات في التوجهات. وأحد التغيرات الهامة تكمن في خيبة الأمل بين المسلمين في قادتهم الذين جلبت سياساتهم دمارا وشقاء كهذا، فيما، وعلى النقيض الصارخ مع الفوضى والدمار غير المبرر، جاء مظهر الرفاه في الجانب الماروني مهذبا. ولسوء الحظ فلم يظهر قادة جدد أكثر واقعية بين المسلمين بعد، ولكن محاولاتهم في مناصرة القضايا العربية على حساب الإضرار بمصالح لبنان قد ضعفت بسبب تجربتهم الكارثية مع الفلسطينيين. ومن الصعب بمكان تحديد ما ستأخذه خيبة الأمل هذه مع هذه المغامرات العربية، وربما تعتمد في حد منها على توجه المارونيين، ولبعض الوقت، ربما يصبح المسلمون لبنانيين أكثر، فيما، وبالتأكيد لن يصبح المسيحيين أكثر عروبة.

12/ لا تبدو مشجعة فرص بذل المسيحيين لجهد في الترحيب بالمسلمين ولقائهم في منتصف الطريق في عملية إعادة تأهيل الدولة. فتوجهات المارونيين عنيدة وأقصائية. وقد لاحظ سائقي في إجابة له على تعليق بأن تنظيف بيروت سيأخذ وقتا طويلا قال لي: نعم سيدي، ولكن زمنا أطول سيأخذه تنظيف عقول الناس، وذلك أكثر أهمية. وبينما هناك بدايات تجريبية قليلة لمصالحة عربية تقليدية، تلقى عدم الثقة القديم تشجيعا بنصر عسكري جديد برغم أن القادة متحققين في مجالسهم الخاصة على أي قواعد هشة قام أساس نصرهم العسكري. ولا يزال مارونيين كثر مقتنعين أن التقسيم هو الإجابة أو الحل الوحيد، ووجدوا أن عليهم، وتحت الضغط من السوريين، أن يؤجلوا خططهم، ولكنهم لن يضعوا المسؤولية في يد المستقبل، إذا ما سارت الأمور على نحو سيء. وفي هذه القضية تحديدا هناك اختلافات عميقة بين القادة الموارنة. ووضع بيير الجميل في كلمة الرئيس السوري بصورة ملحوظة. وقال لي إنه يعتبر الرئيس حافظ الأسد باستثناء رجل دولة بعيد النظر، ومقتنع بقيمة الوجود المسيحي في لبنان، ومتحقق بأن أية محاولة لابتلاع لبنان ستحقن جسد سورية السياسي بمكروبات لبنانية، بينما اقتنع الجميل أن الاعتماد على رجل واحد، قاعدة مهزوزة لكي يبنى عليها مستقبل لبنان، وقال إنه لا يوجد بديل. أما القادة الموارنة الآخرين مثل الرئيس السابق شمعون وبشير الجميل قائد المليشيا، فهم أقل ثقة في السياسة السورية. ويبدو تفكير شمعون الحالي مساندا لتقسيم البلد الى كانتونات على أسس طائفية، ولا شك أنه، وبوجود فكرة التقسيم في ذهنه، فهو لا يريد أن تأتي الحكومة المركزية على غير رغباته. وهم يتذكرون السنوات الطويلة للخداع السوري في لبنان، والشعور السوري المتمركز بعمق لجهة أن بعض أجزاء لبنان، إن لم يكن كله، تشكل جزءا مستحقا لسورية. ومن هنا، وما لم يقرر اللبنانيون بناء جهاز كاف للدولة، وقادر على حفظ الأمن، فقد يميل السوريون لمحاولة ضم البقاع وعكار على الأقل.

13/ وتتجه السياسة الحالية للرئيس سركيس ونصرائه السوريين لبناء دولة مركزية قوية، وهناك اتفاق واسع على أن الدولة كانت ضعيفة جدا في الماضي ولا بد للحكومة المستقبلية أن تكون كفؤة وأن تقوم بمشاركة كبيرة لجهة العدل الاجتماعي. ولن يكون هناك حساب للحرب كاملا من دون الإشارة إلى السخط الاجتماعي بين قطاعات السكان مثل المسلمين الشيعة والأكراد والجماعات الأخرى الأقل حظوظا. والاقتصاد اللبناني كان ناجحا جدا في جذب العاطلين والفقراء من الدول المجاورة، فيما سمحت الحكومة الأنانية بتطويق بيروت بأحزمة من الفقراء والمهاجرين، فيما أحسن تنظيم السخط والآمال المحبطة في هذه المعسكرات الفلسطينيين مع الشيوعيين وأحزاب اليسار الأخرى لغاياتهم الخاصة. والى ذلك ساعد شح الخدمات الاجتماعية، والتناقضات القاسية بين الفقر والثراء في حساب طقوس الدمار غير المبرر الذي اكتسح البلاد وخاصة في بيروت.

14/ ازدادت هذه الاحباطات الاجتماعية قتامة بالقنوات الطائفية بعد أن تحولت لها، مع بقائها أي الإحباطات، لتزداد المشكلة سوءا مع تدمير اقتصاد البلاد. وبرغم وجود عوز قليل إلى حد ما برغم 19 شهرا من الحرب، فقد أرهق مخزون البضائع ورأس المال العامل. ولذلك فالعون الاقتصادي من العالم الخارجي مطلوب بصورة عاجلة، فيما لم يتضح بعد إلى كم ستصل كميات المساعدة الموعودة من العرب الأثرياء، وليس تلك الكميات فقط، وإنما أيضا كفاءة وعدل النظام الجديد في توزيع العون، لتكون إدارة الاقتصاد بأهمية حيوية في التعامل مع هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وسركيس ووزراؤه الجدد على وعي بقضايا الحرب الاجتماعية وهم مع المزيد من حكومة حازمة لتواكب مشاكل مجتمع حديث. واللبنانيون أناس دينماكيون، وإذا وجدوا نصف فرصة، فسيجعلون الاقتصاد يعاود جريانه مرة أخرى بصورة ملحوظة وسريعة.

15/ تقود الحاجة إلى حكومة أكثر كفاءة مباشرة إلى الخلافات الدستورية والتي سكنت في جذور الجدل اللبناني الداخلي مع بدايات الحرب. فالمسلمون رغبوا في تخفيض الامتياز الماروني عبر تقليل سلطة الرئيس اللبناني مقابل رئيس الوزراء المسلم، فيما أراد جنبلاط والجناح اليساري إصلاحا انتخابيا وسلطة أكبر لمجلس النواب، والذي وبدلا من الرئيس، يملك حق اختيار رئيس الوزراء، وطالب المسلمون بإعادة توزيع للمقاعد في مجلس النواب لصالحهم، وأرادوا كذلك نشر السلطة العسكرية بتشكيل مجلس قيادة من الوزراء والضباط، كجهاز يمكن بالتأكيد الاعتماد عليه في كبح العمل السريع والحاسم. ولم يتمخض إجماع حول أي من هذه القضايا، أو على علمنة القانون، أو إكمال النظام الذي بموجبه يكون من حق أي جالية الحصول على نسبة من مقاعد الحكومة. وأفضل ما يمكن أن يتجه إليه الأمل في الوقت الحالي، هو أن تتأجل هذه القضايا. وإذا ما نشط سركيس بحذر، فسيكون بوسعه أن يعتمد لبعض الوقت على الكره العام بالسماح لهذه القضايا أن تقود إلى مزيد من الاختلاف والعنف.

16/ التوترات الطائفية الأساسية في لبنان ستبقى لتجعل منها دولة يصعب فيها الحكم، ولكني أعتقد أن هناك فرصة يتمكن في غضونها اللبنانيون من العمل على معادلة توفيقية كما فعلوا في الماضي شريطة أن يتم الإبقاء على التدخل الخارجي محدودا. والى ذلك توحي السوابق التاريخية، أنه فقط وحين تنضم الضغوط الخارجية الشديدة الى التوترات الداخلية تعيش الدولة حالة من التفكك. وقد حدث ذلك عام 1958 حينما كان الغرب يجر المسيحيين الى اتجاه فيما كان ناصر يجرهم الى اتجاه آخر. وكما في 1860، احتاج الأمر الى قوة خارجية، وفي هذه المرة الأميركيون، لرتق البلد مرة أخرى. في السنتين الماضيتين تعرض لبنان لضغوط خارجية ضخمة، وبينها القوة المتزايدة للمقاومة الفلسطينية الى حد شكلت فيه دولة داخل الدولة، ويعود الخطأ في هذا الى الحكومات اللبنانية السابقة والتي لم تحاول مطلقا أن تتحكم في المشكلة، ولذلك وبحلول 1975 نافست سلطة المقاومة الفلسطينية سلطة الحكومة اللبنانية، فيما كانت الحكومات العربية في هذه الأثناء تتنافس على شجرة القومية العربية عبر دعم غير منضبط للمقاومة. ودفقت سورية السلاح في أيدي الفلسطينيين والجماعات اليسارية المفضلة لديها، فيما شكلت العراق وليبيا جماعاتهما المسلحة الخاصة. وصحافة بيروت تم شراؤها وأصبحت تدار من العواصم العربية الأخرى. وكان أن خاضت سورية ومصر معركتهما القاسية على مقاعد القيادة في صحف بيروت، وعلى الفلسطينيين وعلى حلفائهما من اللبنانيين بعد خلافاتهما على اتفاقية سيناء. وكان أن قسم المجتمع المنفتح والفاسد في لبنان نفسه مرة ثانية فلم يستطع أن يواكب مثل هذه التدخلات المدمرة.

17/ قادت التغيرات في توجهات الحكومات العربية المجاورة تجاه المسألة الفلسطينية الحرب إلى نهاية. وأصبح الزمن ضاغطا وقصيرا. ومع انتخاب رئيس أميركي جديد أصبح موسم التفاوض في اليد، وأغلق العرب خلافاتهم لاغتنام الفرصة، وأصبح من الأهمية المجيء بالفلسطينيين الى الخط، وتلقى السوريون، الذين كانوا أول من تعامل مع هذه السياسة، الأحضان في القاهرة. وبرغم أن الفلسطينيين ما زالوا في حاجة الى ضغط إضافي يجعلهم أكثر طاعة بإجبارهم على تسليم أسلحتهم الثقيلة، وإذا ما كان لسورية والسعودية ومصر أن يواصلوا مسارهم ومنهجهم الحالي، يمكننا أن نعتبر أن هذه الحرب اللبنانية قد انتهت.

18/ أعطى الموارنة لبنان أكثر من أي جالية أخرى شخصيته الخاصة في الاستقلال والحرية السياسية، وستكون الخسارة سيئة إذا أزيلت هذه الواحة النادرة، ويملك الآيديولوجيون الموارنة أدلة كثيرة لدعم مزاعمهم بأن الإسلام لا يقدر الحرية السياسية، ولذلك فنحن على تعاطف مع تفضيلهم للتقسيم في مكان المخاطرة بفقدان هويتهم حيث سيكون المسيحيون مواطنين من الدرجة الثانية فيما يكونون قد فقدوا طريقتهم في الحياة الحرة. ولكن التقسيم لا يزال موضع شك من الناحية العملية لحظة وضع عداء الجيران العرب في الاعتبار. ولذلك فالموارنة على استعداد، أو قل مكرهين، ليعطوا لبنان المتحد فرصة أخرى. وللأسف، فأنا لست على أمل كبير مع تقديمهم لجهد يشبه جهد رجل الدولة، على أهميته، ليكونوا عادلين مع مواطنيهم المسلمين، وهم يعتقدون بأنهم قد خذلوهم بالوقوف مع الفلسطينيين. وفي مكان ذلك، سينظر الموارنة الى ضمانات أكثر لمستقبلهم، وفي النقاش الحي الذي يدور بينهم الآن، حول مساراتهم المحتملة، يبدو نموذج سويسرا هو الأفضل، بكانتوناتها ذات الحكم الذاتي الكبير وحيادها العالمي.

19/ تبدو الآمال لعزل لبنان من الضغوط الحادة للسياسة في الشرق الأوسط غير مجدية، ولكن، وإذا ما كان للبنان أن يتخلص من حمولة المقاومة الفلسطينية، فستكون هناك فرصة جيدة للبنانيين ليحققوا معا أرباحا. وإذا ما ضاعت فرصة الوصول لاتفاقية عربية اسرائيلية في العام أو العامين القادمين، فمن المتوقع أن تتغير السياسات الحالية المعتدلة لسورية ومصر، وربما السعودية، مع التداعيات العاجلة أو غير المتوقعة بالنسبة للبنان. وفي ظروف كهذه، قد يصبح الفلسطينيون المولعون بالقتال والجماعات اليسارية الأبناء المفضلين وسيشعر الموارنة مرة أخرى أنهم مهددون، ومع الواقعة تلك، ستكون فرص عودة القوات السورية لبلدها تاركة خلفها لبنان الموحد والمستقل فرصا قاتمة حقيقة.

20/ أرسلت نسخا من هذه الرسالة الى سفراء جلالة الملكة بدمشق، عمان، القاهرة، بغداد، جدة، الكويت، تل أبيب، واشنطن، موسكو، باريس، وقنصل جلالة الملكة بالقدس، ووزارة الدفاع، وإدارة التجارة.

* توقيع: بي .جي .واكفيلد ـ السفير ـ بيروت