حرب لبنان 1982-2

1. 1. 7. الهدنة على الحدود الشمالية مع إسرائيل
في 10 يوليو/تموز 1981 وبعد فوز الليكود في انتخابات الكنيست في شهر يونيو/حزيران،[٥] قامت إسرائيل بشن غارات جوية عنيفة على عدة مواقع في جنوب لبنان، وفي 17 يوليو/حزيران قصفت مراكز قيادة حركة فتح والجبهة الديمقراطية في بيروت الغربية.[٦] واستمر القصف إلى يوم 24 يوليو وذلك بعد صدور قرار من مجلس الأمن في 22 يوليو يطالب فيه بوقف فوري للهجمات المسلحة على لبنان. تم التوقف بناء على مساعي موفد الرئاسة الأمريكي، فيليب حبيب، بين منظمة التحرير وإسرائيل.[٧] حبيب كان واضحا بأنه في حالة حدوث أي مناوشة عسكرية مع إسرائيل أو أي اعتداء بالمفهوم الأميركي لإسرائيل فسيجري اجتياح كبير. بينما إلتزمت منظمة التحرير الفلسطينية بالهدنة التي رعتها الولايات المتحدة وأمنت حدودا شمالية آمنة لإسرائيل. خرقت إسرائيل الهدنة 2777 مرة في الفترة بين عامي 1981 و 1982.

1. 1. 8. الشرق الأوسط الجديد ومشروع السلام السعودي

في نيسان/أبريل 1981 وفي أثناء زيارة إلى عدة دول في الشرق الأوسط، دعا وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيغ إلى قيام شرق أوسط جديد. حيث قال: "إن النزاع العربي الإسرائيلي يجعل بعضاً من أوثق أصدقائنا منقسمين على أنفسهم. والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن حمايتها إلا بإستراتيجية لا تغفل تعقيدات المنطقة ولا التهديد بحدوث تدخل خارجي. والولايات المتحدة تعتبر عملية السلام، والجهود المبذولة لمواجهة التهديدات السوفييتية والإقليمية، تعزّز بعضها بصورة متبادلة، فإذا كان أصدقاؤنا العرب على استعداد أكبر لركوب المخاطر من أجل السلام مع الإسرائيليين فإن التعاون في مجال الأمن سيكون سهلاً، باعتباره تعاوناً ضرورياً لردع أي تدخل سوفييتي ولردع الدول العاملة لحسابه". جاء الرد من الرياض، في 7 أغسطس/آب 1981، بمبادرة الأمير فهد ولي العهد السعودي، المكونة من ثمانية مبادئ هي:

انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلت في العام 1967 بما فيها القدس العربية.
إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد العام 1967.
ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
تأكيد حق الشعب الفلسطيني في العودة وتعويض من لا يرغب في العودة.
تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت أشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر.
قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.
تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
تقوم الأمم المتحدة أو بعض الدول الأعضاء فيها بضمان تنفيذ تلك المبادئ.[٨]
رفضت مصر المبادرة فوراً، وأعلنت عن تمسكها باتفاقية كامب ديفيد. وفي 9 أغسطس/آب، رفضها أيضاً مناحيم بيغن. وأصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيان جاء فيه[٩] "إن إسرائيل ترى في الاقتراح السعودي خطة لتدميرها على مراحل، وبموجب هذا الاقتراح فإن الاعتراف بإسرائيل تبعاً لذلك ليس سوى وهم. وأن هذه الخطة تناقض اتفاقية كامب ديفيد".أعلنت المجموعة الأوروبية أن المبادرة تشكل أساسا للتفاوض، أما الولايات المتحدة فتجاهلت المبادرة ولم تتخذ أي موقف واضح منها. تباين الموقف العربي بين الرافض كسوريا والعراق، بينما أعربت دول أخرى عن الدعم. قيادة وكوادر حركة فتح داخل منظمة التحرير الفلسطينية، رفضتها بعنف،[١٠]، حيث أعلن فاروق القدومي "إن الظروف غير مناسبة لحل سلمي، وإن الفلسطينيين يرفضون النقطة السابعة في المشروع رفضا قاطعا"[١١] إلأ أن ياسر عرفات دعم المبادرة حيث نقل عنه جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، قوله: "استعدوا للضربة، ولقد أديتم بضغطكم هذا إلى موقف سيؤدي إلى رفع الغطاء العربي عنا، واللهم اشهد أني بلغت."

قامت السعودية بسحب مشروعها في قمة فاس في نوفمبر 1981 وذلك إثر الضغوط التي مورست عليها. حيث قال الناطق الرسمي وقتها :"نظراً لإيمان المملكة التام بأن أي إستراتيجية عربية يجب أن تحظى بالتأييد الجماعي لكي تستطيع دفع الموقف العربي إلى الأمام، فقد قام الوفد السعودي بسحب المشروع مؤكداً لمؤتمر القمة أن المملكة العربية السعودية على استعداد تام لأن تقبل أي بديل يجمع عليه العرب".[١٢] يعتقد العديد من الباحثين أن إفشال المبادرة السعودية كان أساسيا لإتمام عملية غزو لبنان في العام الذي تلاها. حيث بدأت إسرائيل بالتحضير الفوري للعملية وانتظرت الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي.[١٣]

1. 2. الخلفيات المباشرة
كان الوضع في لبنان في بداية عام 1982 يشكل امتداداً لأوضاع الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت عام 1975، وهي صراع مستمر بين كتلة اليسار اللبناني والمقاتلين الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة واللبنانيين اليمينيين من المسيحيين وحزب الكتائب اللبنانية وإسرائيل من جهة أخرى واستمر خلال النصف الأول من عام 1982 على شكل صراعات عنيفة بين هذه الأطراف.

في تموز 1981، تم إبرام وقف إطلاق نار بين إسرائيل وقوات منظمة التحرير الفلسطينية بإشراف فيليب حبيب. إلا أن الإسرائيلين كانوا قلقين من تجمع قوات منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان منذ وقف إطلاق النار والذي اعتبرته تهديداً لأمن حدودها الشمالية.

في 21 نيسان/ابريل 1982 قصف سلاح الجو الإسرائيلي موقعا لمنظمة التحرير في جنوب لبنان وفي 9 أيار/مايو 1982 قامت منظمة التحرير الفلسطينية بالرد بقصف صاروخي لشمال إسرائيل وتلى هذا القصف المتبادل محاولة لاغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا، شلومو أرجوف في 3 حزيران/يونيو 1982 فقامت إسرائيل، وكردٍّ على عملية الاغتيال هذه، بقصفٍ لمنشأت ومواقع تابعة لمنظمة التحرير في قلب بيروت.[١٤] في اليوم التالي من محاولة الاغتيال والقصف الإسرائيلي لبيروت، قامت منظمة التحرير بقصف شمال إسرائيل مرة أخرى وقتل في هذا القصف إسرائيلي واحد.

2. بداية الحرب
2. 1. عشية الإجتياح
في 5 - 6 حزيران/يونيو 1982 بدأت إسرائيل جزء_من قصف جوي ومدفعي كثيف على مدينة صيدا وقرى النبطية والدامور وتبنين وعرنون وقلعة الشقيف الإسترتيجية. ودخل الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية في 6 حزيران/يونيو 1982 وتم اجتياز المواقع الذي كان يشغلها 7,000 جندي تابعين لقوات الأمم المتحدة بكل سهولة.

قدم رونالد ريغان الرئيس الأمريكي وقتها الغطاء لإسرائيل في هجومها، حيث أعطى لإسرائيل الضوءالأخضر لتدمير منظمة التحرير، وأكدت إسرائيل للأمريكين أنها ستدخل لبنان لمسافة لا تتجاوز 30 كيلومترا لتحقيق أمنها والدفاع عن نفسها. كان ريغان لا يمانع في القيام بعملية سريعة تكون بمثابة درس قوي لمنظمة التحرير الفلسطينية لسوريا حليفة الاتحاد السوفيتي الشيوعية حيث صرح دافيد كمحي بأنه لم يكن هناك مقاومة قوية لخطط أرئيل شارون في واشنطن وإن الولايات المتحدة لم تستطيع منع إسرائيل من الهجوم. وفي مقالة في واشنطن بوست مع شارون قال هيغ: "...إننا نفهم أهدافكم ولا نستطيع أن نقول لكم لا تدافعوا عن مصالحكم"[١٥] وقام وزير الخارجية الأمريكي، الجنرال ألكسندر هيغ بإخبار شارون عن الحاجة إلى "استفزاز واضح يعترف به العالم" بهدف شنّ الهجوم. ويرى البعض أن عملية أبو نضال لمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن جاءت في اللحظة المناسبة تماما بصورة غريبة.[١٦][١٧]

قاد العمليات الإسرائيلية أرئيل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت في الحكومة التي رأسها مناحيم بيغين. أعلن وقتها أن السبب هو دفع منظمة التحرير الفلسطينية وصواريخ الكاتيوشا إلى مسافة 40 كيلومتر عن حدود إسرائيل. تعدلت الأهداف لاحقا، حيث أعلن الناطق الرسمي للحكومة الإسرائيلية آفى بارنز إن أهداف إسرائيل هي:

إجلاء كل القوات الغريبة عن لبنان ومن ضمن ذلك الجيش السوري.
تدمير منظمة التحرير الفلسطينية.
مساعدة القوات اللبنانية على السيطرة على بيروت وتنصيبها كحكومة لبنانية تملك سلطة وسيادة على كامل التراب اللبناني.
توقيع اتفاقية سلام مع الحكومة اللبنانية وضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية.
2. 2. بداية عملية الإجتياح

استناداً إلى لقاء تلفزيوني مع تيمور غوكسل المتحدث باسم قوات الأمم المتحدة التي كانت منتشرة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية آنذاك فإنه وفي تمام الساعة 10:35 صباحا ليوم 6 يونيو 1982 إقتربت 13 دبابة ميركافا عند جسر الحمراء الفاصل وكان هناك في تلك اللحظة 6 جنود هولنديين عند الحاجز حاولوا منع الدبابات من التقدم بوضع عوائق على الطريق ولكن جنود الجيش الإسرائيلي استمروا بالتقدم هاتفين "نحن آسفون هذا غزو" تمكن الهولنديون الستة من إعاقة تقدم دبابتين بصورة مؤقتة لكن هذا لم يدم طويلا فقد تلى الدبابات الأولى 1,100 دبابة أخرى.[١٨] تقدمت القوات الإسرائيلية على عدة محاور تجاه العاصمة بيروت ولكنها واجهت مقاومة عنيفة من قبل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني وتعرض الجيش الإسرائيلي إلى مقاومة شرسة عند محاولته احتلال قلعة شقيف الإستراتيجية والتي قام مناحيم بيغن بزيارتها شخصيًا بعد بسط السيطرة الإسرائيلية عليها نظراً لأهميتها. استناداً إلى عمر العيساوي فإن القيادة السورية لم تدرك ضخامة العملية العسكرية الإسرائيلية وبالرغم من المباغتة تمكن الجيش السوري من وقف تقدم القوة الإسرائيلية المتجهة إلى ضهر البيدر وقاتل فيما بعد بشراسة في البقاع وكبد إسرائيل خسائر كبيرة.[١٨]

بعد احتلال قلعة شقيف تم تسليم القلعة إلى سعد حداد قائد جيش لبنان الجنوبي الموالية لإسرائيل وبعد أيام سقطت صيدا وصور والدامور، معاقل منظمة التحرير الواحدة تلو الأخرى أمام التقدم الإسرائيلي وبدأ الجيش الإسرائيلي بالتقدم نحو الطريق الرئيسي بين بيروت ودمشق مخترقين منطقة الشوف الواقعة في الجزء الجنوبي من جبل لبنان وفي 8 حزيران/يونيو 1982 إشتبك الجيش السوري لأول مرة مع الجيش الإسرائيلي. بعد 5 أيام فقط من الاجتياح تمكنت القوات الإسرائيلية من بسط سيطرتها على 1/3 من الأراضي اللبنانية وفي 9 حزيران/يونيو 1982 وصل الجيش الإسرائيلي إلى مشارف بيروت وفي نفس اليوم تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من من تدمير عدة مواقع للدفاع الجوي السوري بالإضافة إلى إسقاط مقاتلة ميغ 21 سورية في اشتباك جوي ضخم بين 90 مقاتلة إسرائيلية و 60 مقاتلة سورية،[١٩] الجيش السوري اعاد تمركزه خارج منطقة الشوف وفي يوم 14 حزيران/يونيو 1982 دخل الجيش الإسرائيلي شرق بيروت ذات الأغلبية المسيحية وطوقت القسم الغربي من بيروت الذي كان معقلا رئيسيا للميليشيات الفلسطينية.[٢٠]

مع اقتراب نهاية شهر حزيران/يونيو كان هناك 100,000 جندي إسرائيلي في لبنان بينما وصل عدد القوات السورية إلى 40،000 وكان هناك 11,000 مقاتل فلسطيني محاصرين مع ياسر عرفات في غرب بيروت. في مطلع شهر يوليو قام الجيش الإسرائيلي بفرض حصار على غرب بيروت قاطعا وصول المواد الغذائية والماء إلى تلك المنطقة وتم منع الانتقال بين شطري بيروت واستمر القصف الإسرائيلي لغرب بيروت بصورة متفاوتة طوال شهر يوليو.

في 12 أغسطس 1982 ومع الاقتراب من الوصول إلى اتفاق وشيك حول آلية مغادرة المقاتلين الفلسطينيين لبيروت قامت إسرائيل بحركة مباغة أثارت استغراب العالم وغضب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، حيث قام سلاح الجو الإسرائيلي بشن أعنف قصف جوي ومدفعي وبحري على بيروت استمرت لعشر ساعات متواصلة وأدت هذه الحركة الغير متوقعة إلى إثارة غضب ريغان الذي اتصل هاتفيا مع مناحيم بيغن معربا عن استياءه الشديد من ذلك التصرف. توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 18 اغسطس بوساطة المبعوث الأمريكي فيليب حبيب وفي يوم 19 أغسطس خففت إسرائيل من حصارها لغرب بيروت وسمحت لإمدادات الصليب الأحمر بدخول بيروت الغربية.

2. 3. محاور القتال
الجيش اللبناني: لم يتدخل في الصراع نهائياً وبقي على الحياد.
الجيش السوري: لم تدخل القوات السورية بشكل كامل بالقتال إلى أن قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف عدت بطاريات للصواريخ من طراز سام 2، 3، 6 روسية الصنع كانت سوريا قد نصبتها في لبنان. تم صدام في الجو بين ما يقارب 200 طائرة سورية وما يقاربها من الإسرائيلية بعد معركتين أرضيتين سريعتين.
المقاتلين الفلسطينين: كان معظم المقالتلين الفلسطينين مسلحين تسليحاً خفيفاً مما جعلهم يستعملون أسلوب المقاومة وحرب العصابات.
3. العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

وزير الخارجية الأمريكية السابق ألكسندر هيغ.
ظهرت تدريجيا انقسامات ضخمة في الإدارة الأمريكية بين تيار بقيادة ألكسندر هيغ وجين كيركباترك ينادي باستمرار إسرائيل بعملياتها بغض النظر عن المبرر الأصلي، حتى تدمير منظمة التحرير وتيار مناد بكبح جماح إسرائيل بقيادة جورج بوش الأب وجيمس بيكر ووليام كلارك. دخل السوفييت على الخط وأرسل ليونيد الييتش بريجنيف إلى رونالد ريغان يخبره عن قلقه ويلمح له عن إمكانية توسع النزاع وهنا شعر ريغان أن وزير خارجيته لم يكن يعمل معه بنفس الاتجاه وإنه منحاز إلى إسرائيل وأرسل مذكرة إلى مناحيم بيغن قال فيها:

"إنني أشعر ببالغ القلق نتيجة للتقارير الأخيرة عن حدوث زحف إسرائيلي آخر إلى وسط لبنان، وتصاعد العنف بين إسرائيل وسوريا. لقد تجاوزت قواتكم كثيرا من الأهداف التي ابلغتمونا بها. وقد تكون المزايا التعبوية ظاهرة ولكن الحاجة الأكثر أهمية هي تفادي نشوب حرب أوسع باشتراك سوريا، وربما باشتراك السوفيت أيضا. وقد تلقيت اليوم رسالة من بريجنيف تعرب عن بالغ القلق من أن وضعا خطيرا جدا قد ينشأ، وأنه قد يخلق امكانية تفجر أعمال عسكرية أوسع نطاقا. وبطبيعة الحال، فانني لم أقبل معظم النقاط التي وردت في رسالته، إلا أن خطر حدوث تصاعد آخر لا يزال قائما ولقد أصبح واضحا الآن انه حدث تصاعد في أعمال العنف بين سوريا وإسرائيل. وإنني ادعوك الآن لأن تقبل وقف إطلاق النار إلى الساعة السادسة صباحا يوم الخميس 10 يونيو 1982. وأناشدك أن توصي حكومتكم بقبول اقتراحي، مناحم، إن رفض إسرائيل قبول وقف إطلاق النار سيزيد بدرجة أكبر من التحديد الخطير الذي يتعرض له السلام العالمي، وسوف يخلق توترا شديدا في علاقاتنا."[٢١]
إعتقدت إسرائيل أن تيار ألكسندر هيغ قادر على الضغط على الرئيس الأمريكي. وصل الخلاف بين الرجلين إلى درجة ضخمة، وبدأ هيج يخفي رسائل وبرقيات حبيب عن البيت الأبيض، الأمر الذي اضطر حبيب إلى استعمال خط هاتفي أمن للاتصال مباشرة مع البيت الأبيض.[٢٢] وفي النهاية ومع شعور هيغ بالمحاصرة وانعدام ثقة ريغان به، هدّد شفويا بالاستقالة، وقبلها ريغان فورا بدون كتابتها.[٢٣] بعض المحللين يدافع عن هيغ ويعتبره كبش فداء لفشل سياسة البيت الأبيض في لبنان. باستقالة ألكسندر هيج أصبح جورج شولتز وزيرا للخارجية. شولتز كان يرى أن الغزو الإسرائيلي يدمر عملية السلام وأدرك إمكانية الولايات المتحدة وضع مبادرة لعملية السلام، وبدأ صنع مشروعه لعملية سلام عربي إسرائيلي. في 30 يوليو عرضت المبادرة على ريغان وظهر مشروع ريغان لمنطقة الشرق الأوسط حيث عارض قيام دولة فلسطينية مستقلة واعتمد فكرة عودة السيطرة الأردنية على الضفة الغربية، وقطاع غزة على شكل اتحاد فدرالي. من جهة أخرى رأى مناحيم بيغن أن ريغان تجاوز مرحلة الصداقة[٢٤]، وقام بمعارضة رؤية ريغان الداعية إلى مبدأ الأرض مقابل السلام. وكان أرئيل شارون يؤكد أنه سيحل القضية من خلال جنازير الدبابات إلا أن مقتل بشير الجميل الذي نصبه الأمريكان لتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان[٢٥] وإدانة شارون بتهمة التغاضي عن جريمة مخيمي صبرا وشاتيلا حيث تم إخراجه من الحكومة أدى إلى إفشال مساعي الدولة الإسرائيلية في إخراج المنظمة من اللعبة السياسية.

4. بيروت المحاصرة

فوجئ ياسر عرفات بوصول برقية من الجنوب تنبئ بأن القوات الإسرائيلية تعدت صور شمالاً وبسرعة. نقل جورج حاوي عن عرفات قوله : "مش ممكن، لا مستحيل"، واتصل مع الحاج إسماعيل ليستفهم منه عن الأوضاع، إلا أن الحاج إسماعيل كان منشغلا بإخراج القوات من صيدا بسبب محاصرة الإسرائيلين لها. فوجئ الجميع بحجم الاجتياح، بالرغم من أن بشير الجميل كان قد أكد في أكثر من مرة أن القوات الإسرائيلية قادمة. ربما يعزى ذلك إلى خطاب ريغان الذي أكد فيه أن الدخول سيكون محدودا بثلاثين كيلومترًا.

تشكل في 14 حزيران/يونيو 1982 ما عرف باسم القيادة المشتركة للقوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية أو هيئة الإنقاذ الوطني في بيروت بدعوة من الرئيس اللبناني إلياس سركيس ضمت زعماء الطوائف الرئيسية في لبنان وكتيبتين سوريتين استمرتا في القتال. كان هدف هيئة الإنقاذ هو منع تفاقم أزمة المواجهة المسلحة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ولكن تدريجيًا أصبحت هيئة الإنقاذ هذه عاجزة عن إنجاز أية نتيجة ملموسة، وبعد 9 أيام من تشكيلها إنسحب وليد جنبلاط منها واصفًا إياها "بهيئة دفن القتلى".

مع اقتراب نهاية فترة حكم الرئيس اللبناني إلياس سركيس تم تنظيم انتخابات رئاسية في بيروت وقام البرلمان اللبناني في 23 اغسطس 1982 بانتخاب بشير الجميل رئيسا بإجماع 57 صوتاً وإمتناع 5 عن التصويت وعدم اشتراك أغلبية الكتلة المسلمة في البرلمان الذي اعتبر الجميل حليفاً لإسرائيل وقبل 9 أيام من تسلم الجميل مهامه الرئاسية وفي 14 أيلول/سبتمبر 1982 تم اغتياله بقنبلة موقوتة وبعد أسبوع وفي 21 سبتمبر 1982 انتخب البرلمان اللبناني شقيقه أمين الجميل رئيسًا الذي قام بتوجيه دعوة إلى زعيم الكتلة المسلمة ورئيس الوزراء شفيق الوزان (1925 - 1999) بالبقاء في منصبه كرئيس للوزراء في محاولة من الجميل لتضييق الفجوة وتوحيدالصفوف. على الصعيد الاقتصادي إنخفضت قيمة الليرة اللبنانية إلى مستويات متدنية وظهرت بوادر عجز للحكومة اللبنانية في فرض الضرائب ووصلت نسبة التضخم إلى ما بين 20 و 30% وتم تدمير واسع النطاق للبنية التحتية في لبنان.

في 13 يونيو قامت القوات الإسرائيلية ومليشيا بشير الجميل بمحاصرة بيروت، واستمر هذا الحصار إلى 28 أغسطس. طوال فترة الحصار قامت القوات الإسرائيلية بقصف بيروت من البر باستعمال المدفعية ومن الجو والبحر. تم تسوية معظم المدينة بالأرض، قتل أكثر من 30,000 مدني لبناني وإصيب أكثر من 40,000 شخص، أكثر من نصف مليون شخص نزحوا عن بيروت وفي فترة الست وسبعون يوما استمرت إسرائيل بمنع المعونات الدولية والإنسانية عن المدينة.[٢٦] صرحت إسرائيل أن مسؤولية الوفيات والدمار الذي أصاب البنية التحتية والخسائر البشرية هو استعمال منظمة التحرير الفلسطينية المدنيين كدروع بشرية واستعمال منازل المدنيين كمعاقل للقتال مما اضطر إسرائيل مرغمة على القصف لتدمير البنية التحتية التي يمكن أن يستعملها المقاتلون أو "المخربون" حسب تعبير إسرائيل. استعملت إسرائيل في هجومها على بيروت أسلحةً محرمةً دوليًا بدءًا من القنابل العنقودية والفسفورية مرورًا بالنابالم وألعاب الأطفال المفخخة، وانتهاء بقنابل بخار الوقود. أعاد كل من رونالد ريغان وهنري كسنجر التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وتم منع جميع المبادرات التي قدمت لإيقاف القتال. انتهى الحصار بمسح كامل لثلث بيروت من الخارطة، ومقتل 675 جنديا إسرائليّا إلى جانب المدنيين اللبنانيين.[٢٧]

5. نتائج الغزو

مغادرة مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية لبيروت.
قدم رونالد ريغان ضماناً شخصياً للمقاتيلن الفلسطينين بالحفاظ على أمن عائلاتهم إذا ما غادروا إلى تونس، واضطرت إسرائيل إلى الموافقة على خروج المقاتلين تحت حماية دولية مكونة من 800 جندي مارينز أمريكي، و 800 جندي فرنسي و 400 جندي إيطالي. غادر 14,614 مقاتل فلسطيني بيروت إلى تونس تحت الحماية الدولية.[٢٨] على الجانب الآخر قُتل في الفترة ما بين 5 يونيو 1982 وحتى 31 مايو 1985 1,216 جندي إسرائيلي. على الصعيد السياسي أوفت إسرائيل بوعودها وبضغط أمريكي لبشير الجميل حيث أصبح رئيسا للبنان إلا أنه في 14 سبتمبر تم اغتياله هو و 25 من طاقمه بتفجير ضخم استهدف مقره.

تغيرت الخريطة السياسية اللبنانية بصورة جذرية بعد الغزو الإسرائيلي فبالرغم من أن الميليشيات المسيحية اللبنانية لم تشترك فعليا في القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي إلا أنها انتشرت وهيمنت على المناطق التي كانت تحت سيطرة إسرائيل وخاصة في الجنوب اللبناني التي هيمنت عليها حزب الكتائب اللبنانية وقامت إسرائيل أثناء الغزو بنزع سلاح المجموعات الدرزية التي كانت في صراع مسلح مع حزب الكتائب. عمل حزب الكتائب اللبنانية بقيادة بشير الجميل جاهدا على نزع سلاح الفلسطينين في سائر أنحاء لبنان.[٢٩] تمكنت حركة فتح من أسر ستة جنود إسرائيليين، تمت مبادلتهم لاحقًا بخمسة آلاف معتقل لبناني وفلسطيني تم إحتجازهم في معتقل أنصار في جنوب لبنان.

إستناداً على أرقام وزارة الخارجية الأمريكية توزع مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية على الشكل التالي:

970 مقاتل إلى تونس.
261 مقاتل إلى الأردن.
136 مقاتل إلى العراق.
1،093 مقاتل إلى اليمن الجنوبية
841 مقاتل إلى اليمن الشمالي
448 مقاتل إلى السودان.
588 مقاتل إلى الجزائر.
3،900 مقاتل إلى سوريا.
5. 1. قمة فاس الثانية
في 6 سبتمبر 1982 عاد مجلس الجامعة العربية ليعقد قمته الخامسة عشر الطارئة في فاس، بعد أشهر من الاجتياح الإسرائيلي، شارك بالقمة 19 دولة عربية بغياب كل من ليبيا ومصر، وبعكس القمة الأولى في فاس، اعترفت جامعة الدول العربية هذه المرة بوجود إسرائيل، وتم إقرار مشروع السلام الذي تقدمت به السعودية.[٣٠]

5. 2. مذبحة صبرا وشاتيلا

في مساء 16 سبتمبر، قامت القوات الإسرائيلية بمحاصرة مخيمات صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينين، وسمحت بدخول حوالي 350 عنصر مسيحي إلى المخيمات تحت ذريعة البحث عن مقاتلين فلسطينين.[٢٩][٣١] تم ذبح ما يقارب 3000 مدني أعزل بالرغم من التعهدات الأمريكية بحماية المدنيين الفلسطينيين بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان، يعتقد الكثير أن المجزرة التي وصفها الكاتب اللبناني المغترب بيار كماليو بأنها غير إنسانية ووصمة عار في جبين لبنان الحر، وإنها كانت رد فعل على اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل.

. مصادر

Chomsky, Noam. Fateful Triangle p.196.
الجزيرة الفضائية، برامج القناة: حرب لبنان.. الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ج8
الأخبار القاهرية في 16/6/ 1976
مقطع من خطاب الأسد في جامعة دمشق عام 1976
Shlaim, Avi (2007). Lion of Jordan; The life of King Hussein in War and Peace. Allen Lane. p. 412. ISBN 978-0-7139-9777-4
يزيد صايغ،"التجربة العسكرية الفلسطينية المعاصرة"، ص444.
د.عمر الخطيب، "حرب عام 1981"، في د.اسعد عبد الرحمن، "م.ت.ف. جذورها، تأسيسها، مساراتها"، ص332_346.
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1981،ص 357
شؤون فلسطينية، العدد119، تشرين الأول1981، ص213_214
آلان غريش "م.ت.ف تاريخ واستراتيجيات"،ص245
المصدر السابق، ص245
شؤون فلسطينية، العدد 122_132،كانون الثاني، 1982، ص225_230
آلان، غريش، م.ت.ف تاريخ واستراتيجيات، ص246.
ومن الجدير بالذكر أن منفذي محاولة اغتيال شلومو أرجوف كانوا من جماعة أبو نضال المناهضة لياسر عرفات والتي كانت تعرف باسم فتح-المجلس الثوري (توفي شْلومو أرْغوف عام 2003)
وليم كوانت عملية السلام الدبلوماسية الإسرائيلية والنزاع العربي الإسرائيلية منذ 1967- مركز الاهرام 1994، ص535.
أوري أفنيري، كل البلاد جبهة
وليم كوانت عملية السلام الدبلوماسية الإسرائيلية والنزاع العربي الإسرائيلية منذ 1967- مركز الاهرام 1994، ص322
^ حرب لبنان.. الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ج8
RealClearPolitics - Articles - Israel's Lost Moment
Lebanon 1982: The Imbalance Of Political Ends And Military Means
وليم كوانت عملية السلام الدبلوماسية الإسرائيلية والنزاع العربي الإسرائيلية منذ 1967- مركز الاهرام 1994، ص424
^ الجزيرة الفضائية، حرب لبنان.. الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ج8
الحوار، حرب لبنان 1982
برنارد جورتنمان، نيويورك تايمز 14/7/1982، ص 325
Seale، Patrick(1988). Asad: The Struggle for the Middle East. ISBN 0-520-06667-7.
Twentieth Century Atlas - Death Tolls and Casualty Statistics for Wars, Dictatorships and Genocides. وُصِل لهذا المسار في 5 April 2009.
Ross, Michael (2006). The Volunteer.
BBC ON THIS DAY | 30 | 1982: PLO leader forced from Beirut
^ "Flashback: Sabra and Shatila massacres", BBC News Online (London), 24 January 2002.
Arab summit, historique
"What happened at the Sabra and Shatila refugee camps in 1982?", Palestine Facts.