محاولة عصيان الرائد سليم حاطوم في السويداء يوم 8 أيلول 1966 ( 3 / 4 )

وصلت بعثة إعلامية أردنية إلى الزرقاء وطلبت من حاطوم عقد مؤتمر صحفي ، وعليه أن يركز على ثلاث نقاط أساسية وهي : 1 - التركيز على الوضع الطائفي في سورية . 2 - التركيز على أن الحكام الحاليين هم ماركسيون وشيوعيون.

3 - التركيز على فشل النظام الاشتراكي في سورية .
بعد عقد المؤتمر الصحفي ، وتلاه مؤتمرا آخرا عقده النقابيان العماليان خالد الحكيم ونذير النابلسي هاجما فيه النظام الاشتراكي في سورية ، بدأ ت الحكومة الأردنية باستخدامهم للتآمر على الحكم في سورية ، إذ اجتمع رئيس الحكومة الأردنية وصفي التل ، في النادي ، بعدد منهم من بينهم طلال أبو عسلي وسليم حاطوم ، وأبلغهم عن الاستعداد لتقديم كل عون شريطة العمل على إسقاط الحكم في دمشق.
ورد في بيان صدر عن القيادة القطرية يوم 9 أيلول :
أن سليم حاطوم نفذ المغامرة الطائشة التي حرض عليها هلال رسلان وخالد الحكيم ونبيل الشويري وغيرهم ....
أنه تم اعتقال مدبري المغامرة، وأن بعضهم تمكن من الفرار باتجاه الحدود الأردنية.
أن المؤامرة الأخيرة حلقة من المؤامرة الرجعية اليمينية السابقة الفاشلة.
أن هدف المؤامرة هو تنفيذ المخطط الاستعماري الذي تموله بعض الفئات الحاكمة العربية العميلة.
أن سليم حاطوم لغم تفجر على نفسه .
بدأ الفارون إلى الأردن التخطيط للتآمر بضرورة الاتصال بأعضاء القيادة القومية الذين لجأوا إلى لبنان بعد حركة 23 شباط ، وعرضوا الأمر على وصفي التل لأخذ موافقته ، وتبلغوا الموافقة من الملك حسين الذي اجتمع مع عدد منهم ورحب بهم وأمر وصفي التل لتسهيل مهمتهم .
سافر طلال أبو عسلي والنقيب إبراهيم نور الدين إلى بيروت ، وفي بيروت طلب طلال أبو عسلي من السفارة المصرية قبول لجوئه إلى مصر ، وعقد في القاهرة مؤتمرا صحفيا كشف فيه أبعاد مؤامرة سليم حاطوم والسلطات الأردنية .
أما إبراهيم نور الدين لم يستطع الاتصال بأي من أعضاء القيادة المذكورة لرفضهم مقابلته ، وعدم رغبتهم بالتعاون مع سليم حاطوم ، وطلب منه الابتعاد عنه ، وعاد إلى الأردن وأبلغ ما حدث معه إلى الضباط الفارين .
وخلال هذه الفترة عرض سليم حاطوم على بعض أركانه خطة التآمر التي وافقت عليها المراجع الأردنية ، وهي من شقين :
- مرحلة تحضيرية تبدأ بجمع الفارين ومن سيلحق بهم، بمعسكر بالمفرق ومباشرة التدريب. وقد زودت السلطات الأردنية المعسكر بأسلحة مشتراة من اسبانيا ، كما كلفت أحد ضباط المخابرات الأردنية بالإشراف على المعسكر .ٍ
- مرحلة تنفيذية تنطلق من جبل العرب .
كان سليم قد بعث رسالة إلى الفريق أمين الحافظ المعتقل في سجن المزة ورد فيها : < أنني ورفاقي نعمل ليلا نهارا وقطعنا شوطا كبيرا بالعمل من أجل تحرير الشعب ....... ومن أجل ذلك نرى أن تؤمنوا لنا رسالة توضحون بها رأيكم سليما واضحا مع الأخذ بعين الاعتبار وضعنا في الأردن ودعم السلطة هنا لنا في إفساح المجال لعملنا المقبل ... . > . وكان جواب الفريق أمين الحافظ له : < ليس بالأمر السهل أن أبدي رأيا وأنا على جهل تام بوضعكم في القطر العربي الشقيق ومعلوماتي لا تزيد عن ما أسمعه من الإذاعة وأن على أي قائد يريد أن يبدي رأيا أن تكون لديه معلومات واضحة وجلية ليحسن تقدير المواقف ولتكن آراؤه على جانب كبير من الصحة ، هذا وأنا على يقين أنكم وجدتم وإخوانكم في القطر العربي الشقيق كل ما يجده العربي من أخيه العربي من كرم أصيل ورعاية حقة ... الأفضل أن تأخذوا رأي القيادة في لبنان .شكرا لك ولإخوانك مع سلامي وتحياتي للجميع ... > .
لم يكن الأستاذ صلاح البيطار على وئام مع الأستاذ ميشيل عفلق وبعض أعضاء القيادة القومية السابقة الذين لجأوا إلى بيروت ، وانقطع التواصل بينهم ، " وللتنويه ، فإن الأستاذ صلاح أنهى علاقته، بتاريخ 10/11/1967، بتنظيم الحزب الذي كان الأستاذ ميشيل أمينه العام " ، كما أن المجموعة ، من الهاربين إلى بيروت ، المرتبطة بالفريق أمين الحافظ لم تلق ترحيبا من الأستاذ ميشيل عفلق ومجموعته ، لذا قرر حاطوم بعد موافقة وصفي التل ، أن يتصل بالرائد الهارب بدر جمعة والوليد طالب ، وتم اللقاء بينهم في باريس في أول شهر كانون الأول 1966، بعد أن أمنت السلطات الأردنية بطاقات ونفقات السفر ، واتفق المجتمعون ، وبحضور ضباط من الأمن العام والمخابرات الأردنية ، على العمل معا ضد حكم البعث في سورية ، وعملت مجموعة الشوفي - خالد الحكيم ومحمود نوفل ونبيل الشويري ...- على التقارب بين بدر جمعة والأستاذ البيطار ، وتم ذلك بعد مباركة السلطة الأردنية .
في لقاء ، في الأردن ، بين بدر جمعة والوليد طالب مع سليم حاطوم وبحضور وصفي التل و راضي العبدالله ، دار الحديث حول الأوضاع في سورية وما يمكن للأردن أن يقدمه في تغيير النظام ، واتفق الحاضرون على أن تعمل جميع الكتل السياسية في سورية ضمن جبهة وطنية ، كما عقدت اجتماعات عدة بين وصفي التل وسليم حاطوم ، أكد فيها التل أن هذا الحل هو مطلب الفئات السياسية داخل سورية وخارجها ، وكان التل يطرح في أحاديثه ومناقشاته من أسماهم الرعيل الأول والجبهة الدستورية وبعض السياسيين القدامى ، وجماعة الأخوان المسلمين .
أوعزت السلطة الأردنية لجيوبها في سورية <عناصر ما عرف بالجبهة الدستورية و لورانس الشعلان - شيخ الرولا وشريك الشريف ناصر في تهريب المخدرات والسلاح - وكان الشعلان من الجيوب التي يعتمد عليها وصفي التل ليحركها دعما لإنجاح التآمر ، والشعلان ، إضافة لعلاقته مع التل ، فهو على علاقة وثيقة مع السعودية ، وأنه - حسب إفادة سليم حاطوم - من شدة تآمره ضد الحكم في سورية قال لسليم : أنه مستعد للذهاب إلى السعودية إن لم تكن الأردن جاهزة للقيام بعمل ضد الحكم في سورية ، وأنه هناك سيقنع المسؤولين أن سليم وجماعته هي القوة الوحيدة التي يجب الاعتماد عليها ...> .
أشرفت السلطات الأردنية على تشكيل الجبهة الدستورية من بعض المدنيين والعسكريين السوريين المسرحين من جماعة الانفصال ، وبعضهم خارج سورية ، من أبرزهم عبد الكريم النحلاوي وصدقي العطار وخليل بريز وعبد الوهاب البكري ومصطفى البرازي وطلال الفاعور ومحمد علي السعدي ....، وعرض هذا الأخير على النحلاوي رئاسة الضباط المسرحين في لبنان وقيادتهم .. وسمي كمال سفر < ممثلا للتنظيم العسكري > ويحيى محمود < ممثلا للتنظيم المدني > لدى سليم حاطوم ، واحمد راتب عرموش الذي بحث مع المدعو عادل عيسى المتعاون مع المخابرات السعودية إمكانية تمويل الجبهة من الحكومة السعودية .
كان من تنظيم الجبهة الدستورية في دمشق المحامون عبد الغني النابلسي وغسان بابيل وغسان محاسنة ورشيد هارون وعصام طيفور ورشيد الساطي وحسان محاسنة ، وفي حلب فايز عويرة وفاروق المسلاتي وفاروق سالم وغسان بارودي وأمين الغوري ، واشترك هؤلاء بالبحث في توسيع الجبهة وكسب أعضاء جدد لها .
أرسل سليم حاطوم بعض الضباط الفارين معه من أبناء محافظة السويداء غلى جبل العرب لتحريض بعض الشباب على الالتحاق بمعسكر التدريب في المفرق لقاء رواتب مغرية .
أجرى مصطفى البرازي اتصالا بكل من ليون زمريا وميخائيل ليان في مصيفهما في سوق الغرب بلبنان وبحث معهما التعاون للعمل ضد الحكم في سورية وبعد المقابلة أبدى أمام أحمد راتب العرموش انطباعاته الجيدة عنهما ، وقال : لقد أصبحنا أقوياء في كل من جبلي الزاوية والأكراد وحلب وحماة ، وشرح له خطة العمل بقيام تمردات داخلية في المحافظات الشمالية وإجبار الجيش على التوزع لإخمادها وإضعافه ومن ثم إعلان حكومة مؤقتة خارج القطر ، وأكد العرموش للبرازي أن وزير الإعلام الأردني ، وهو زميل له بالدراسة في الجامعة الأمريكية ، وعده بتأمين السلاح والمال اللازمين لتنفيذ الخطة .
وخلال اجتماعات متعددة لبعض أعضاء الجبهة الدستورية المتواجدين في لبنان بحثوا حول نشاط الجبهة وتقويتها وضرورة الاتصال بالتجار والطلاب في المحافظات وتنظيمهم في عضويتها ، وادعى البرازي أمامهم أنه استطاع أن ينظم خمسمائة مسلحا في حماه وحي الأكراد بدمشق وعرض تزويدهم بالسلاح .
لم يكن كل العسكريين الذين تورطوا وهربوا إلى الأردن على وئام مع الرائد سليم حاطوم ، ولا من مؤيديه ، وازداد الشرخ بينهم حينما أدركوا مدى الدور الذي تعهد بتنفيذه لصالح النظام الأردني ، وترسخت لديهم هذه القناعة بعد المؤتمر الصحفي الذي عقده العقيد طلال أبو عسلي ، ومن بعده الضابط السوري أحمد مصطفى ، في القاهرة ، وكذلك ما صرح به الضابط الأردني الرئيس الركن محمد يوسف الحمارنة الذي لجأ إلى القاهرة في أوائل شهر شباط 1967 وأدلى في مؤتمر صحفي < بأن الملك حسين قال له : نريد ضمان نجاح عمليات التخريب ضد سورية > تعززت لدى هؤلاء القناعة بأن حاطوم يطبق ، فعلا ، مقولته < سأتعاون مع الشيطان لقلب نظام الحكم في دمشق > ، وانعزلوا عن الآخرين المرتبطين بحاطوم وناهضوا أوامره وقاطعوا اجتماعاته، كما أن بعض من خابت آمالهم من الفارين لاحقا والطامعين بتكوين ثروة مالية ، أبدوا ندامتهم عما قاموا به وبدؤوا يرسلون معلومات عما يقوم به حاطوم ومجموعته إلى السلطات في سورية .
في مواجهة هذا الواقع بين الفارين إلى الأردن بدا سليم حاطوم يهددهم ويدس عليهم لدى السلطات الأردنية التي كانت تأخذ بأقواله ، ونفس الدور التهديدي - بقتل كل من لا يشارك في التنفيذ ساعة الصفر - كان يمارسه الضابط عبد الرحيم بطحيش الذي كان يعتبر نفسه الساعد الأيمن لحاطوم ولعب دورا بالإتصال والتنسيق بين المتآمرين في لبنان " بدر جمعة ومجموعته " وبين الموجودين في الأردن ، كما أن البطحيش كان على اطلاع من الحاطوم عن الاتصالات بين وصفي التل والمخابرات الأمريكية بشأن تعاون الحاطوم معها وأنه لا شيء عنده يمنع من التعاون معها.
نشرت جريدة البعث في عددها الصادر يوم 22 /11/1966 عن أبعاد هذا التآمر الاستعماري الجديد ، وأن الأجهزة الاستعمارية / الأنكلو - أمريكية / ترمي بثقلها في الأردن وتحوله إلى ثكنة للأسلحة وملجأ للمتآمرين ، والمؤامرة ، وفق خطة المتآمرين ، تبدأ بتحرك الرجعية يتبعه تدخلا أردنيا - صهيونيا وغزو القطر من الخارج للإجهاز على جذوة المد الثوري التقدمي .
كانت السلطات السورية مطلعة على ما يجري بين الفارين ، وعمل عضو القيادة القطرية رئيس مكتب الأمن القومي العقيد عبد الكريم الجندي على تشجيع العناصر المناوئة للعودة إلى الوطن وجند لهذه الغاية بعض أقارب الفارين للسفر إلى الأردن والاتصال بهم لهذا الغرض ، وكان من أبرز من قام بهذه المهمة المحامي محمد الكسار - زوج والدة امرأة البطحيش - .
قامت أجهزة الأمن الأردنية ، وبناء على طلب الرائد سليم حاطوم باعتقال بعض الضباط منهم النقيب إبراهيم نور الدين وعلي المقداد وسبعة آخرون وتم تسفيرهم ، أول الشهر الخامس من عام 1967، إلى لبنان ، ولكن السلطات اللبنانية ، بوشاية من البطحيش والوليد طالب ، اعتقلتهم بعد أيام من وصولهم وأعادتهم قسرا إلى الأردن ، حيث تم توقيفهم لأيام ثم وضعوا تحت المراقبة .
اجتمع بقية الضباط الفارون المناوؤن لحاطوم وقسموا أنفسهم إلى مجموعتين هادفين الهرب إلى سورية ، ونفذت المجموعة الأولى خطتها بتاريخ 6/5/1967 ، ولسوء حظهم اعترضهم كمين من الجيش والأمن الأردني الذي أمطرهم بالرصاص ، فتوفي الملازم جورج أنطي وجرح آخر وتمكن ضابط واحد من الوصول إلى الوطن واعتقل الآخرون بمن فيهم أفراد المجموعة الثانية وسفروا إلى لبنان و عادوا جميعا إلى سورية أيام حرب حزيران1967

.