المرشحون للدفن

يزخر الوطن العربي بالكثير من القبور, ويحفر كل يوم المزيد من القبور الجديدة
لموتاه وقتلاه وشهدائه, ولكنه لا يزال محتاجاً إلى قبور عميقة من نوع خاص
يدفن فيها كل ما يبقيه متخلفاً ويحول دون تطوره وتقدمه خاصة أن أرضه مكتظة
بمن يستحقون أن يطوح بهم إلى أكثر القبور عمقاً وظلمة بغير تردد أو أسف, أما
المقترح دفنهم أحياء أو موتى الدفن العاجل, فهم :

-الجرائد التي تكذب بصفاقة وتضلل بوقاحة, فإذا اضطرت إلى نشر ما هو صادق همت
بالبكاء وأوشكت أن تعتذر للقراء راجية أن يغفروا لها فعلتها النكراء.‏

- المحطات التلفزيونية الفضائية ذات الشكل العربي والمحتوى الأجنبي, والتي
تتصف برامجها بأنها خليط من مبغى وخمارة وملهى, والزاعمة أنها لا تنصت إلا
لصوت الناس المقهورين.‏

-كبار المرتشين وكبار الراشين اللذين هم أشد خطراً من الإيدز, ولو كان وطنهم
يملك صوتاً لصاح مستغيثاً تواقاً إلى الخلاص منهم. أما صغار المرتشين,
فيستحسن تجاهلهم مؤقتاً لأن معاقبة اللص الكبير كفيلة بتأديب اللص الصغير.‏

-الطلاب الجامعيون الذين يحترمون الأستاذ الدعي المتعجرف السفيه بينما هم في
الوقت نفسه يزدرون الأستاذ العالم المتواضع الإنسان ويسخرون منه متناسين أن
بلدهم لديه مايكفيه من الرقيق.‏

-الأستاذ الجامعي الذي ينظر إلى بيته فقط على أنه المكان الأصلح لامتحان
طالباته الجميلات.‏

-السياسي الأحمق الأبله المغفل المتغافل الذي يعتقد أن الناس ينظرون إليه
بوصفه ملاكاً ومنقذاً بينما الناس ينظرون إليه بوصفه وحلاً يمشي على قدمين,
وكلما ازدراه الناس آمن بأنه موشك على أن يصبح معبود الجماهير وبطلها
التاريخي وقائدها الأوحد, ومن المؤكد أن الناس حالما يظفرون بحريتهم سيحملونه
على الأكتاف مثلما يحمل النعش ويقذفون ما تبقى منه إلى حفرة لا خروج منها.‏

-الأغبياء الذين نجحوا في خداع من هم أغبى منهم والانتصار عليهم, والذين
يطالبون عباد الله كافة بالاعتراف بهم بوصفهم عقل الأمة المفكر المدبر, ومن
يحاول الاعتراض فسيواجه حلفاً بين الغباوة الصلفة والقوة العمياء البلهاء.‏

-السياسي الذي يتنقل من قصر إلى قصر متكلماً عن بؤس الناس دامع العينين
مطوقاً بما هب ودب من التحف الثمينة.‏

-الكلاب الحمقاء التي تلتهم اللحم والعظم كل يوم, ولكنها تخشى أن تنبح على
الغرباء, ولا تعض إلا أصحابها فقط.‏

-الموظف الحكومي المنتمي إلى أسرة فقيرة, والذي لم يعمل في حياته كلها إلا في
الوظائف الحكومية, ولكنه بات من مالكي القصور والفيلات والمزارع واليخوت, ومن
مالكي أعلى الأصوات المنددة بالفساد والفاسدين والمفسدين.‏

-النساء المؤمنات بأن الكتابة الناجحة جماهيرياً وفنياً لا تحتاج إلى موهبة
ووعي وثقافة بل تحتاج إلى ليل طويل وتجارب شاقة في غرف النوم.‏

-الخوف المتحالف مع الخنوع, والذي صار عضواً جديداً من أعضاء الجسد, ولكنه
يختلف عن بقية الأعضاء الأخرى بأنه غير قابل للاستئصال.‏

-الغناء السائد حالياً, والذي ينظر إليه الواعون على أنه طليعة المسيرة
الهادفة إلى تعميم التفاهة, والزاحفة من نصر إلى نصر.‏

-النتاج الأدبي الثرثار البليد المضجر الذي لا يستطيع قراءته سوى المحكوم
عليه بالسجن المؤبد, وسيرسل الأدب الأصيل نفسه برقية شكر حارة إلى من خلصه
مما كان يتعرض له يومياً من إهانات لا تغتفر.‏

-الأفواه التي أدمنت النهب والسطو من دون أن تعرف القناعة, ومن المأمول أن
تعرفها بعد أن تُحشى تراباً وطيناً وحصى.‏

-المراؤون الذين يجلسون على مقاعد لا يحق لهم الاقتراب منها, ولكنهم يصولون
ويجولون مشمئزين من أوطان غبية لا تقر بنبوغهم وتحلم بأن تقذف بهم إلى القبور
بقايا جثث.‏

-الخشب المسندة الملقبة بدكاترة الأدب الذين احتلوا المناصب الثقافية,
وأضافوا إلى ساحات الأدب ركاكة وتكلفاً وسطحية وغروراً وتطويراً للتملق
والاستجداء.‏

-المعادون لكل ما هو أخضر, وهم أبشع نوع من أنواع القتلة والمغتالين.‏

-الكلمات التي تمدح وتهجو حسب رغبة المستأجر.‏

-المتعلمون الذين كلما ازداد علمهم ازدادت براعتهم في البيع والشراء.‏

-الكراسي التي تذل الرجال المتنافسين عليها, وتجعلهم يرحبون بالهوان إثر
الهوان, ويتباهون بتحولهم عتبات للنعال السامية.‏

-المخلوقات البشرية التي تعتقد أن الناس أجمعين هم بخير ما دامت وحدها تتمتع
بالحرية والمال والرأس المرفوع.‏

أما المناضلون الأشاوس الذين يحاولون ليل نهار إرغام الاحتلال على العودة إلى
بلادهم لتوزيع أغلال الحرية والديمقراطية, فالقبور لا تليق بهم, ومن حقهم أن
ينالوا ما يستحقونه من تكريم جديرين به, ولن يتحقق ذلك التكريم المنشود إلا
حين يتاح لهم استئناف نضالهم العتيد في أجمل مزبلة من مزابل الوطن متعةً
للناظرين وعظةً للمتعظين.‏

زكريا تامر