أكرم الحوراني ..نهاية مبكرة

سورية: نهاية مبكرة لحياة الحوراني السياسية
غسان الامام

عشرون سنة كانت فاصلة في حياة سورية. ففي الخمسينات سقطت دكتاتورية
الشيشكلي العسكرية، وعادت الديمقراطية، ثم جاءت الوحدة مع مصر
الناصرية.
وشهدت الستينات سقوط الوحدة، وعودة ديمقراطية اليمين (نظام الانفصال)،
ثم الصراع الدموي بين البعثيين والناصريين بعد انقلابهم العسكري
المشترك في مارس 1963. ثم الصراع داخل البعث الذي انتهى بسقوط القيادة
المدنية التاريخية، ثم سقوط نظام صلاح جديد في عام 1970 لصالح نظام
حافظ الاسد.
احداث جسام ما زالت تلقي بظلالها على الحاضر السوري والعربي. والعجيب
ان هذا التاريخ الحافل لم يسجل كاملا بتفاصيله المثيرة. وما رُوي منه
وعنه ما زال مبعثرا ومجتزءا، او منحازا، او خائفا من سلطة الحاضر وقوى
الامر الواقع.
ويستحيل علي ان اروي التفاصيل كما عرفتها في هذه السلسلة التي اكتبها
عن سورية، انما اقف فقط عند المفاصل التي لها علاقة بالحاضر، ومكتفيا
بالتوجهات السياسية المهمة للاحداث. واذا كانت هذه السلسلة قد طالت فهي
بالنسبة لي وربما للقراء عزاء وسلوى عن مسلسل كامب ديفيد الذي بات مملا
في تفاصيله وتناقضاته والتصريحات المكررة والمعادة لرجاله على الضفتين
الاسرائيلية والفلسطينية.
*
استقال عفلق والبيطار والحوراني من الوحدة مع عبد الناصر، لكنهم بعد
سقوطها استحال عليهم صنع الوحدة داخل الحزب وبينهم هم الثلاثة.
وسارع الحوراني والبيطار الى لقاء زعماء اليمين بعدما استتب الامر
لانقلاب «الضباط الشوام» الذي اطاح بالوحدة في نهاية سبتمبر 1961. وها
هما يوقعان وثيقة الردة على الوحدة العربية التي عرفت بـ«وثيقة
الانفصال»، بل كانت الوثيقة بخط البيطار نفسه في عهد حكومة مأمون
الكزبري احد ازلام دكتاتورية الشيشكلي.
وجاء في الوثيقة انها تؤيد الانقلاب العسكري على الوحدة، وتتهم ناصر
بالانحراف وتدعو مصر الى التمرد عليه. وفي مقابل نفض اليد من المشروع
القومي، فقد تعهدت الوثيقة للسوريين بديمقراطية وانتخابات حرة.
ثم ندم البيطار ندما شديدا وبكى، وكفر عن «خطيئته» بالعودة الى اصدار
صحيفة «البعث» متعاونا مع الدكتور جمال الأتاسي، والتزمت الصحيفة بموقف
عفلق الذي كان اكثر حذرا ومكرا، فراحت تدعو الى وحدة ديمقراطية مزايدة
على ناصر وغامزة من قناته وقناة الانفصاليين معا.
اما اكرم الحوراني فقد مضى لا يلوي على شيء في تورطه مع نظام اليمين،
فشارك فيه عمليا، ودخل برلمانه جنبا الى جنب مع ساسة البورجوازية
ووجهاء الاقطاع وشيوخ العشائر ومشايخ الاخوان.
قطع الحوراني تنظيميا علاقته بالبعث، لكن التزامه بشعاراته الاشتراكية
لم يحل دون تعديل قانون الاصلاح الزراعي لصالح الاقطاعيين. وتم ذلك
امامه وتحت بصره في البرلمان. وكان غضب الضباط الحزبيين عليه اشد واقوى
من غضب الفلاحين. فقد سكت عن مواصلة نظام الانفصال تسريحهم وابعادهم
التي بدأها عبد الناصر. بل ها هو لا يمانع في محاكمة بعضهم بتهمة
التمرد والتآمر ضد هذا النظام.
لقد انتسب معظم هؤلاء الضباط الشباب الى المؤسسة العسكرية منذ منتصف
الخمسينات بتخطيط وتشجيع من الحوراني نفسه. وتعمد ان تكون غالبيتهم من
ابناء الريف، وبالذات من الطائفتين الفقيرتين والمحرومتين العلوية
والاسماعيلية. وقد رأى في تسييس وتحزيب «جيش عقائدي» عونا له آنذاك في
حملته لتصفية الاقطاع وتحقيق «العدالة الاجتماعية» في سورية.
واستطيع ان افسر تفسيرات شتى تناقض موقف الحوراني من المؤسسة العسكرية
في الخمسينات ثم في الستينات. لعل الرجل وعى اخيرا خطر تسييس وتحزيب
الجيش على اساس طائفي ومذهبي ضد نظام الديمقراطية البورجوازية الذي بات
هو شخصيا وعمليا واجهته السياسة القوية، فيما شكل الاخوان المسلمون
واجهة شعبية له.
ولدهشة الحوراني فقد رأى مؤتمر حمص العسكري الذي شارك فيه قادة الوحدات
العاملة في الجيش يقرر تسفير «الضباط الشوام» خارج البلاد فورا، ووقف
تسريح الضباط الحزبيين، واعفاء حكومة الشيخ معروف الدواليبي التي عدلت
قانون الاصلاح الزراعي لصالح الاقطاعيين، وحاولت التنسيق العسكري
والسياسي مع العراق ضد مصر ابتداء من لقاء سري في الصحراء السورية بين
الرئيسين العراقي عبد الكريم قاسم والسوري ناظم القدسي.
وبنفي «الضباط الشوام» الذين صنعوا الانقلاب ضد الوحدة، يتلاشى دور
ونفوذ الغالبية السنية داخل المؤسسة العسكرية امام صعود دور ونفوذ ضباط
الريف من الاقليات وامساكهم بالسلطة السياسية والحزبية في سورية.
واحسب ان الحوراني لم يقرأ جيدا هذه التحولات والانعطافات المثيرة،
فاستمر في تورطه مع نظام اليمين الى درجة مشاركته في ترحيل حكومة بشير
العظمة التي حاولت مصالحة عبد الناصر وابقاء قانون الاصلاح الزراعي على
حاله. وها هو الحوراني يقبل بمشاركة كتلته الاشتراكية في حكومة خالد
العظم جنبا الى جنب مع وزراء الاخوان المسلمين الذين سكتوا بدورهم عن
هجمة حلفائهم الاقطاعيين على قانون الاصلاح الزراعي.
ادرك الحوراني متأخرا استحالة السباحة ضد التيار. وعى ذلك صبيحة يوم 8
فبراير 1963 الذي حمل اليه اخبار الانقلاب في العراق الذي اوصل الى
السلطة عبد السلام عارف وبعث علي صالح السعدي.
وانتهت حياة اكرم الحوراني السياسية بعد شهر كامل بالانقلاب في سورية
الذي قاده الضباط المستقلون والناصريون والبعثيون ضد «نظام الانفصال»
في 8 مارس 1963. واذكر اني رويت هنا في «الشرق الأوسط» كيف عاش هذا
السياسي الكبير ايام الشهر الفاصل بين الانقلابيين. وكنت آنذاك اعمل في
الصحيفة التي يتبناها ويدير سياستها في دمشق.
غادر اكرم الحوراني الى لبنان. ولم يكن منفاه الاول، فقد عرف النفي
مرارا وكان يعود اقوى مما كان. لكن بعد نفيه الاخير لم ير الحوراني
سورية، فقد تبادلته المنافي واستقرت به سنين من العمر في باريس برئة
واحدة، والى جانبه زوجة حنون تخفف عنه آلام الغربة والمرض وحياة الضنك.
صنع الحوراني تاريخ سورية السياسي بين عامي 1946 ـ 1963 اكثر مما فعل
اي سياسي او عسكري آخر. وظل على الصعيد الشخصي شريفا طاهر اليد والذمة،
لكن رهانه على العسكر اساء الى ديمقراطيته. وعندما حاول تحييدهم كان
الاوان قد فات، فأخرجوه من اللعبة نهائيا معتمدين على اخطائه في
التعاون مع نظام اليمين، وفي حملته على عبد الناصر التي تجاوزت الخطوط
الحمر التي يجب ان يقف عندها سياسي مثله كان يوما محسوبا على المشروع
القومي الوحدوي.
وفي تقييم سريع، فاشتراكية الحوراني في المقاييس الراهنة اشتراكية
كلاسيكية تقليدية قريبة جدا في بداياتها وبواكيرها من اشتراكية الدولة
الماركسية، ثم تدرجت في التناقضات بتقديم التنازلات لليمين والطبقة
التجارية وبعدم الرد عمليا على محاولات ضرب قانون الاصلاح الزراعي
واحياء الاقطاع. وكان تورط اشتراكية الحوراني في تسييس وتحزيب مؤسسة
غير ديمقراطية كالجيش مشوها لالتزام الاشتراكيين الحقيقيين في العالم
بقيم الحرية والديمقراطية السياسية وحقوق الانسان.
لم يعرف عبد الناصر كيف يتعاون مع الحوراني. وفي زمن الانفصال شارك في
محاربته وهدمه. ورد الحوراني التحية بأحسن منها. فكان آخر عمل سياسي له
في منفاه تذكير العرب بوجود القوات الدولية في سيناء معتبرا اياها
«قوات احتلال»، وظل يفعل ذلك الى ان اضطر عبد الناصر الى اتخاذ قرار
كارثي بطلب سحبها، فحلت محلها القوات الاسرائيلية، وانتهت معها ايضا
حياة عبد الناصر السياسية.
تقاعد الحوراني باكرا وغصبا وهو في اوج النضج والتألق. كان في عام 1963
في الخمسين من العمر. وامر قاس على النفس ان يعيش سياسي بحيوية
الحوراني 33 سنة اخرى بلا سياسة.
حتى الموت كان ظالما لأكرم الحوراني. فقد شاء له القدر ان يُتوفى في
عام 1996 عن 85 عاما في عمان في يوم مقتل حسين كامل في بغداد، فانشغل
العرب بمأساة الوافد الجديد الى السياسة عن رحيل السياسي المحنك الذي
ملأ يوما ساحاتها واحتل دروبها وشعابها.
قد لا يكون التشبيه لائقا. لكن لا ادري لماذا يذكرني الحوراني بأبطال
السينما البوليسية السوداء في الخمسينات والاربعينات. كان الحوراني
اشبه بهمفري بوغارت بمعطفه الشتائي الاسود الطويل والسيجارة التي لا
تفارق شفتيه وهو يذرع بخطى متأنية بهو الجريدة الدمشقية طوال الليل،
وكأنه ينتظر في نهايته المظلمة الانقلاب المحتم عليه في دمشق بعد
الانقلاب في بغداد.