ياسر عبد ربه يفتح دفاتر الثورة الفلسطينية(5)

قال ياسر عبدربه أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إن مسؤولاً من حركة «حماس» في غزة حمل الى الرئيس محمود عباس شريطاً يظهر بالصور الاستعدادات الجارية لتنفيذ محاولة لاغتياله. واضاف أن عباس أرسل الشريط الى رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل الذي نفى أية نية لاغتيال الرئيس الفلسطيني.
وتحدث عبدربه عن معلومات أفادت أن «حماس» أبلغت طهران ودمشق و «حزب الله» بقرارها حسم الوضع عسكرياً في غزة. وهنا نص الحلقة الخامسة:

> هل تعتقد ان «حماس» اتخذت قرار السيطرة على غزة وحدها؟

- اعتقد أن قرار الانقلاب اتخذ من قبل قيادة «حماس» في دمشق.

> أي خالد مشعل؟

- نعم. وتمت دراسة خطة الانقلاب قبل اسبوعين من تنفيذه حيث وصل الى دمشق القادة المحليون لكتائب القسام في غزة. وتم التدقيق معهم في خطة الانقلاب من قبل لجنة على رأسها موسى أبو مرزوق ونحن على ثقة تامة من هذه المعلومات التي وصلتنا في وقتها. حاول ابو مازن ان يتجنب الانقلاب حتى انه لم تكن هناك اوامر صريحة بالقتال في قطاع غزة. تمت جولات من القتال كان فيها موقف الحرس الرئاسي والامن الوطني موقفاً دفاعياً بحتاً. وحتى عندما قامت «حماس» بالهجوم الاخير لم يكن هناك قرار صريح بالمواجهة وبفتح معركة مع «حماس».

> ماذا عن محاولة اغتيال ابو مازن في غزة؟

- جاء مسؤول كبير في حركة «حماس» وقدم الى أبو مازن شريطاً يحتوي على فيلم قصير لأعضاء من الحركة يحفرون نفقاً في الشارع الرئيسي في شارع عمر المختار في وسط غزة، وقال له إنه يخاف الله ويخاف من عواقب هذا العمل وإن هذا النفق معد لوضع لغم لتفجيره تحت سيارة ابو مازن وان هذا الأمر وصل الى خالد مشعل والتنفيذ ينتظر قراره. ارسل ابو مازن الشريط مع مبعوث من عنده الى خالد مشعل في دمشق وقال له: هذه معلومات مؤكدة من دون ان يكشف له المصدر. فأرسل خالد مشعل جواباً ان هذا الأمر غير صحيح ولا علم له به، لكن ابو مازن كان متيقنا من صحة هذه المعلومات لأن المصدر ليس طرفاً ثالثاً بل من قيادة حركة «حماس» في غزة ووثّق معلوماته بواسطة هذا الشريط.
كان هناك تاريخ لحركة «حماس» في الاغتيالات في قطاع غزة في الاشهر التي مضت، من اغتيال موسى عرفات الى اغتيال عدد من قادة وكوادر الأمن الوقائي الى محاولة اغتيال مدير المخابرات الفلسطينية في القطاع طارق أبو رجب، ومحاولة اغتيال أحد قادة الأمن الوقائي الذي لم يذهب بالسيارة مع اطفاله كما كان يفعل كل يوم ليوصلهم الى المدرسة، فقتل اطفاله الثلاثة، وغيرها من العمليات.
هذه الاغتيالات جعلت ابو مازن يتيقن ان العملية ضده جدية فغادر قطاع غزة وكان الوضع يشهد اشتباكات واشتباكات مضادة.

> هل حصل على الشريط في غزة؟

- نعم عندما كان في غزة. وهذا كان ربما القشة التي قصمت ظهر البعير وافقدت ابو مازن اي ثقة بوعود حركة «حماس». عندما وقع الانقلاب قمت في اليوم التالي بالرد على الانقلابيين وعلى مشعل الذي حاول ان يلقي المسؤولية على محمد دحلان وانهم اضطروا الى هذا العمل من أجل الحسم، فرددت عليهم بتكليف من ابو مازن: انتم الآن تتحملون كل نتائج هذا العمل الاحمق الذي قمتم به وهذا سيقود الى قطيعة بيننا وبينكم حتى تعودوا عن الانقلاب وتعودوا الى الشرعية الفلسطينية.

> هل تعرف خالد مشعل؟

- لا.

> ماذا قال محمود درويش عن انقلاب غزة؟

- كان محمود ينزف وهو يرى المشاهد على التلفزيون. كتب مقطوعة حادة ضد «حماس» وضد هذه المشاهد وكيف تعلم هؤلاء اساليب القمع والقتل من جلاديهم الاسرائيليين ويعملون الآن على تنفيذها في شوارع غزة. مقطوعة في غاية الاهمية وهي منشورة وبالامكان العودة إليها.

> هل ما فعلته «حماس» في رأيك جزء من برنامج اقليمي؟

- في رأيي ان ايران ليست بعيدة عنه، وهناك معلومات انه جرى التشاور مع احد قادة الاجهزة الامنية في بلد عربي على صلة بـ «حماس» قبل الانقلاب بأسبوع والحصول على موافقته للقيام بهذه الخطوة. كذلك جرى ابلاغ «حزب الله» والايرانيين بهذه الخطوة. انا لا اتحدث بناء على استنتاجات بل هذه معلومات نحن متأكدون منها. الانقلاب كان جزءاً من اللعبة الاقليمية خصوصاً انه تم في ظل استمرار النشوة المزعومة بانتصار «حزب الله» في جنوب لبنان وصعود اسهمه. وكان الجو انه كما صعّد «حزب الله» يمكن أن تفعل «حماس» ويمكنهما ان يؤديا دوراً مهماً ومؤثراً في تعديل ميزان القوى لصالح تيار الممانعة. «حماس» كانت تعتقد ان ابو مازن سيخضع للأمر الواقع وأنها اعتادت ان تحاول فرض أمور على ابو مازن وهو يستجيب لها ويتعامل معها. هذه المرة اخطأوا التقدير فقد رفض التعامل مع هذا الأمر ورفض الاستسلام له. في السابق كان التعامل مع أمر واقع له تأثير محدود ونسبي في حدود ضيقة لكن ليس امر واقع يختبر تركيب السلطة والحال الوطنية كلها ويريد ان يعيد تركيبها من جديد.

> ما قصة مبادرة جنيف؟

- هذه قمنا بها في نهاية 2002 بعد ان قام شارون بحملة انه لا يوجد شريك فلسطيني وان الفلسطينيين اثبتوا في كامب ديفيد انهم لا يريدون تسوية ولا حلاً على رغم العرض السخي المزعوم الذي قدمّه لهم الاسرائيليون. تبلورت المبادرة خلال لقاءات بيني وبين يوسي بيلين الذي تعرفت عليه في مفاوضات طابا وبعدها، وهو شخصية معتدلة ومتزنة وكان ايضاً المهندس الرئيسي لاتفاق اوسلو وأثر على رابين بالتعاون مع شمعون بيريز لقبول المفاوضات مع منظمة التحرير. كنا نعقد لقاءات في المرحلة الاولى من الانتفاضة، تبلورت خلالها فكرة إكمال ما توصلنا إليه في مفاوضات طابا بعد كامب ديفيد. واتفقنا على إكمال هذه العملية للرد على مقولة ان السلام مستحيل وانه لا يوجد شريك. وافق بيلين وبقينا قرابة عام تقريباً ونحن نجري مفاوضات بين مجموعة فلسطينية ومجموعة اسرائيلية. المجموعة الفلسطينية كانت تضم مجموعة من الخبراء شاركوا في مفاوضات سابقة وبعض الشخصيات السياسية ممن كان محسوباً على «فتح». كنت اطلع ياسر عرفات اولاً بأول على مجرى هذه المفاوضات وهي كانت عملية تجريبية للوصول الى اتفاق نهائي فلسطيني - اسرائيلي على قاعدة خطة كيلنتون في نهاية عام 2000 التي طورها نتيجة تجربة كامب ديفيد وفشلها، فقد بنى كلينتون خطته ليجيب على النواقص التي كانت في كامب ديفيد لكنه قدمها في وقت متأخر جداً في الشهر الاخير من ولايته. اعتمدنا على هذه الخطة وبدأنا نطورها ثم صغنا مشروعاً متكاملاً للتسوية، يقوم على تبادل اراض لا يتجاوز 2 في المئة، وعلى اعادة القدس الشرقية كلها الى الفلسطينيين والسيادة الفلسطينية على كل الاماكن المقدسة ما عدا الاماكن المقدسة اليهودية التي تبقى تحت السيادة الاسرائيلية. البلدة القديمة، كما صاغها ياسر عرفات في كامب ديفيد، اي الحي اليهودي لهم، وبقية الاحياء في البلدة القديمة، الحي الاسلامي والحي المسيحي والحي الارمني، لنا. اما موضوع اللاجئين فهو موضوع شائك. نحن سجلنا ضرورة الالتزام وتطبيق القرار 194 الخاص باللاجئين، وقلنا ان على اسرائيل ان تستوعب اعداداً من اللاجئين تساوي متوسط العدد الذي تستوعبه أي دولة أخرى. أي اذا كانت هناك دول تستوعب مليوناً ودول تستوعب نصف مليون او مئة ألف، متوسط العدد يجب ان تستوعبه اسرائيل بما في ذلك بناء مدينة للاجئين الفلسطينيين داخل حدود اسرائيل وتصبح هذه المدينة من بين المناطق التي تعاد الى فلسطين في اطار عملية التبادل لاستيعاب اللاجئين. طبعاً ثارت حملة علينا انه تم التخلي عن حق العودة. نحن قمنا بجهد لنحوّل حق العودة من شعار ضبابي الى مشروع عملي قابل للتطبيق. عندما عقدنا الاحتفال في نهاية 2002 قامت حملة شديدة لتعطيله، وكان بدعم من الحكومة السويسرية وحضرته شخصيات دولية عدة وكانت له ضجة هائلة لأنه كان رداً على المقولة الاسرائلية انه لا يوجد حل لانه لا يوجد شريك. ياسر عرفات وهو تحت الحصار دعم هذه المشروع. بعض اعضاء «فتح» ترددوا في حضور الاحتفال الختامي للاعلان عن وثيقة جنيف بسبب الحملة. ياسر عرفات ضغط ضغطاً شديداً ليحضر اعضاء من «فتح» هذا الاحتفال، بمن فيهم في وقتها جبريل الرجوب الذي طلب منه ياسر عرفات ان يذهب ويمثله في هذا الاحتفال اضافة الى آخرين، لاظهار دعمه لهذه الوثيقة. وارسل مبعوثاً شخصياً ليتلو رسالة منه تتضمن تأييد هذه العملية.

> هل شاركت في تأسيس الجبهة الشعبية؟

- نعم.

> ثم شاركت في قيام الجبهة الديموقراطية سنة 1969؟

- نعم شاركت في قيام الجبهة الديموقراطية واصبحت امينها العام المساعد منذ تلك السنة.

> الى متى دامت تلك العلاقة؟

- استمرت الى عام 1989.

> ما هو سبب افتراقك عن الديموقراطية؟

- أظن اننا بالغنا في درجة الاختلاف في الجبهة الديموقراطية، وجناح نايف حواتمة بالغ في رد الفعل على مواقفنا. كنا نعتبر ان الانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت عام 1987 تحتاج الى تسليحها ببرنامج سياسي. برنامج يقود الانتفاضة الى انتصار سياسي فلسطيني. ولهذا كنا نطالب بأن تكون هناك موافقة على القرار 242 وموافقة على اعتراف متبادل بيننا وبين اسرائيل شرط ان يكون في المقابل اعتراف بحقنا في قيام دولة فلسطينية مستقلة. نايف كان متردداً في هذا الشأن. ثم تطور الخلاف وتصوروا ان ياسر عرفات يحرضنا.

الانشقاق عن حواتمة

> هل صحيح ان ياسر عرفات دعمك لتنشق عن نايف حواتمة؟

- لا. ياسر عرفات لم يكن يريد ان تصل الأمور الى حد الانشقاق. وحاول جهده ان يمنعه. كان يحب نايف وكان يسعى الى محاولة رأب الصدع بين الطرفين على أساس ان بقاءنا داخل الجبهة الديموقراطية يضمن على الأقل بقاءها كلها حليفة له. لذلك وبعيداً عن اي اعتبار لم يكن له مصلحة في وصول الأمور الى الانشقاق.

> وعندما حصل الانشقاق؟

- عندما حصل الانشقاق كان يعرف اننا الأقرب إليه من الناحية السياسية خصوصاً ان نايف نقل مقر قيادته الى دمشق.

> وأنت أين كنت؟

- كنت في تونس ومقر قيادتنا فيها. كان رأينا أنه يجب ان يصبح مركز القرار لنا كحزب في الداخل وليس في الخارج. وكان معنا ممدوح نوفل وصالح رأفت وعصام عبداللطيف وعدد من اكثر القادة المعروفين للجبهة الديموقراطية في تلك الفترة.

> متى حصل الانشقاق؟

- بداية الاختلاف واحتدام الصراع بيننا كانت في اواسط 1988. تطور هذا الاختلاف الى صراع اشتد ثم انفجر عام 1990 في شكل نهائي.

> هل حصلت اعمال عنف؟

- كان محدوداً جداً. كان توتراً اكثر مما كان عنفاً لكن لم ينتج عنه اي ضحايا او خسائر بشرية. اعتقد اننا ضخمنا الخلاف، اي حاولنا تصوير جناح نايف حواتمة وكأنه تابع للأنظمة العربية، وان خلافنا هو بين تيار ينتهج خطاً وطنياً مستقلاً وتيار تابع. كانت هذه مبالغة من طرفنا، وعادة في الخلافات والانقسامات داخل الاحزاب تكون المبالغة هي القاعدة وليست الاستثناء.

> ولم تعودوا تلتقون بعد ذلك؟

- ردود الفعل من الجانب الاخر كانت فيها مغالاة. عندما كلفني ياسر عرفات ان أتولى قيادة أول فريق فلسطيني يفاوض الولايات المتحدة اعتقدت ان هذا مكسب سياسي للتنظيم الذي انتمي اليه ومكسب سياسي شخصي ومكسب تاريخي. عندما ابلغت حواتمة والقيادة الموجودة في دمشق بهذا التكليف وانني سأجتمع في اليوم التالي مع السفير الاميركي، عقدوا اجتماعاً للمكتب السياسي في دمشق وطلبوا مني رفض هذا التكليف من ياسر عرفات، واعتبروا ان تولي هذا الدور هو محاولة من عرفات لتوريطنا وللعب على التناقضات داخل الجبهة الديموقراطية. رفضت رفضاً مطلقاً هذا الرأي وسرت في العملية حتى النهاية.

> في عام 1989 انفصلت نهائياً عن الديموقراطية، متى أسستم حزب «فدا»؟

- أسسنا هذا الحزب عام 1990 وبقيت مسؤولاً عنه، كامين عام، حتى قبل 4 سنوات حين وجدت انني لا استطيع ان أقوم بهذه المسؤوليات وأن أشارك في المفاوضات لأسابيع طويلة واحياناً في الخارج. عندي مسؤوليات سياسية متعددة في اطار القيادة الفلسطينية. وكنت دائماً اتحمل مسؤولية احدى الوزارات.

> كيف هي علاقتك اليوم بنايف حواتمة؟

- اعتقد ان هناك اشخاصاً ادين لهم بالامتنان لأنني تعلمت منهم بينهم نايف حواتمة. نايف حواتمة وبالتوازي مع عرفات، تعلمت منه على رغم انه يبدو صاحب شعارات ولا يتحلى بروح عملية، فهو على العكس لديه حس عملي للغاية. ربما تعلمت ايضاً أن لا أكون كثير الاستطراد والكلام في عملي السياسي.

> هل أثر فيك اشخاص آخرون كمحسن ابراهيم مثلاً؟

- محسن ابراهيم كان دائماً يذهلني بإمساكه باستمرار بالحلقة المركزية في اي وضع شائك. كان دائماً يفكك الوضع الشائك الى اجزاء ثم يمسك بالحلقة المركزية في هذا الوضع ويعثر على مخارج وحلول. هذه الطريقة في التفكير تأثرت بها. ويعود الفضل الى محسن ابراهيم الذي دفعني من صغري للانتماء الى تيار اليسار. ايضاً الحس النقدي الساخر عنده كان يبهرني وربما احاول ان اقلده احياناً من دون نجاح.

> هل هناك شيء في تاريخك السياسي تخجل به؟

- يخجلني امران: اولاً المبالغة في الصراع الذي دار داخل الجبهة الديموقراطية الى حد الاتهامات الجارحة، التي كانت اتهامات ظالمة من ناحيتنا وناحيتهم. ربما لم يكن ممكناً ان نستمر في التعايش لأسباب عدة. وانا لم يكن ممكناً لي ان استمر في الحياة الحزبية في تنظيم اعتقد ان الحياة الحزبية فيه كانت ضيقة. ثانياً اعتقد ان بعض الخلافات الفلسطينية كان فيها احتدام موقف وكانت جارحة على المستوى الشخصي. ما عدا ذلك اعتز بكل تجربتي. عشت في الجبهة الشعبية مرحلة الشباب الاول. عشت في الجبهة الديموقراطية 20 عاماً. وعشت مع ياسر عرفات كل هذه المرحلة. عشت مع ابو مازن اكثر من ربع قرن من العمل المشترك. عشت مع كثر وتقلبت مع اجيال عدة. التقيت وكان لي فضل انني تعرفت الى الثلاثة الأبرز في الساحة الفلسطينية: جورج حبش ونايف حواتمة وياسر عرفات. الثلاثة عشت معهم وسمعتهم عن قرب وعملت معهم في شكل مشترك. وتعلمت واستفدت من هذه التجربة.

> كم استفدت مالياً من هذه التجربة؟

- ماذا تقصد؟

> هل كان ياسر عرفات سخياً معك مالياً؟

- لا. اقول لك بكل صراحة. ياسر عرفات كان يعطينا حاجاتنا بشكل معتدل من دون مبالغة، وانا كنت واحداً من الذين لا يطلبون الا حاجاتنا الفعلية. انا حصلت من ياسر عرفات ما يساعدني على تعليم اولادي واعتقد ان هذا كان حقاً وكنت اريد لهم ان يتعلموا بمستوى جيد. حصلت على مستوى لائق ومعقول من الحياة لكن ما زلت حتى الان أعيش في بيت مستأجر في رام الله واعتبر نفسي من ابناء الطبقة الوسطى في مرتبتها الدنيا وليس العليا.

> واذا توقف راتبك؟

- اذا توقف راتبي اواجه مشكلة حقيقية. الميزة التي لدي الآن ان اولادي يعتمدون على انفسهم منذ زمن ولا اتحمل عبئاً تجاه احد. قد تكون لدي بعض الاعباء العائلية، لدي اخوة توفوا وهم صغار وبعضهم ترك عائلته.

> لست ثرياً؟

- لا لست ثرياً.

> ولست من الذين أثروا من وراء الثورة؟

- أظن ذلك.

> هل التقيت ليونيد بريجينيف؟

- التقيت بريجينيف في منتصف السبعينات مع ياسر عرفات. والتقينا اندريه غروميكو كثيراً. لقاءاتنا مع بريجينف كان لها طابع بروتوكولي وقصيرة وليست مكثفة.

> هل التقيتم يوري اندروبوف؟

- التقيته مع ياسر عرفات. وكان احد اللقاءات في غاية الطرافة. في نهاية عام 1982 بعد خروجنا من بيروت وذهاب ابو عمار الى تونس، زرنا موسكو وكان اندروبوف اصبح اميناً عاماً. قبل ذلك كنا نلتقي مع بريجينيف ثم تلاه تشرنينكو لفترة قصيرة ثم اندروبوف وبعده جاء غورباتشوف. اما اللقاءات مع غروميكو فكانت باستمرار تجري إما في الامم المتحدة وإما في موسكو.
مرة ذهبنا الى اندروبوف، وبدأ ابو عمار يشرح له مأثرة القتال في بيروت ضد القوات الاسرائيلية الغازية وكيف دمرنا دبابات اسرائيلية وطائرات وطورنا قذائف الـ «ار بي جي». اندروبوف كان صغير الحجم دمثاً للغاية صوته منخفض يستمع اليك وهو مطرق الى الارض ومغمض العينين. وهذا الوضع يجعل ياسر عرفات يسترسل ويستفرد بالفريسة التي امامه ويطيل الشرح. فأخذ يتحدث بالتفصيل عما جرى في بيروت عن تطوير السلاح السوفياتي الخ. وبعد ربع ساعة رفع اندروبوف عينيه مثل الصقر وقال له: الرفيق عرفات ارجوك ان تدخل في الموضوع. وبذكائه الحاد توقف ابو عمار فوراً وكأن اسطوانة توقفت واستبدلها بأسطوانة ثانية، وبدأ يتحدث في الوضع السياسي بشكل عقلاني ومنطقي وكأن لا علاقة لذلك بكل ما سبق من كلام.

> كيف كانت علاقة عرفات بالسعودية والمسؤولين فيها؟

- كانت علاقة حميمة جداً. كان يعرف المسؤولين والقيادات في السعودية معرفة وثيقة وشخصية. اعرف انه كان دائم الاتصال مع الملك خالد. وقبله كانت له علاقة وثيقة جداً مع الملك فيصل وكان يعتمد عليه في كثير من الامور على الصعيد السياسي وكان يصارحه بكل المشكلات التي يواجهها وكيفية التغلب عليها. وكان الملك فيصل يحاول في كثير من المراحل ان يساعد عرفات سياسياً. في منتصف السبعينات كان يحاول ان يتوسط من اجل قبول ياسر عرفات واظهاره كرجل عملي وواقعي غير متطرف، ثم كانت له علاقات جيدة مع الملك فهد عندما كان ولياً للعهد وبعد ان اصبح ملكاً، وكذلك مع الملك عبدالله. وكان عرفات يعرف العديد من الامراء. كان يعرف الامير سلطان، ويتحدث معه بشكل ودي ومفتوح وانا كنت شاهداً على علاقات من هذا النوع. كان يشعر بارتياح كبير لعلاقاته السعودية.

> وقدمت السعودية دعماً كبيراً لمنظمة التحرير.

- ربما كانت السعودية الداعم الاول والأكبر وياسر عرفات لم يكن ينكر ذلك على الاطلاق ولم اسمعه مرة واحدة يقول كلمة سلبية عن الدور السعودي، لا الدور السياسي ولا الدور الداعم، بل بالعكس كان يعتقد ان هذا الدور هو الذي اسهم في انهاض «فتح» ومنظمة التحرير. كان يعتبر أن السعودية هي الحليف الاول للفلسطينيين على المستوى السياسي.

> وعلاقة عرفات بمصر؟

- كان معروفا عنه انه مصري الهوى، فهو لم يكن يتعامل مع مصر كحليف بل باعتباره احد ابنائها، وكان يعتبر ان كل من يريد اخراج مصر او إبعادها يخل بالمعادلة اخلالاً تاماً. ياسر عرفات لم يقتنع يوماً بعزل مصر في اسوأ الظروف وكان يظن ان المرحلة التي كانت فيها مصر بعيدة هي اظلم المراحل في التاريخ العربي المعاصر.

> هل ترك ياسر عرفات ثروة شخصية؟

- لا أحد منا عنده ثروة شخصية. وستظهر يوما ما حقيقة ما يمتلك كل واحد منا.
> ألم يكن عرفات يحب المال؟

- كان يستخدم المال كأداة سياسية. وكان من الممكن ان ينفق الملايين بلا حساب لخدمة غرض سياسي معين. لا قيمة للمال عند ياسر عرفات. لا وزن له.

> هل اصطدمت في اي وقت مع ياسر عرفات؟

- نعم مرات عدة، ولكن ولا مرة قاطعني بسبب الغضب. ياسر عرفات كان مدرسة في هذا المجال.

> هل كان ابو اياد يحب لقب الرجل الثاني؟

- جداً. كان يحب ان يكون الرجل الثاني ولكن كنا ننكت عليه بأنه الرجل الثاني بعد المئة لأنه بين ياسر عرفات وبين الثاني، على الساحة هناك مئة جهة.

> وعلاقة ابو عمار مع أبو جهاد؟

- لم أشعر يوماً أن ياسر عرفات يقلق منه او من دوره. ياسر عرفات كان يعتبر دور ابو جهاد ضرورياً وخصوصاً أن ابو جهاد كان يحصر دوره في المجال العملي وفي النشاط الداخلي وكان يتجنب اي دور سياسي ونادراً ما كنت تسمع من ابو جهاد تصريحاً سياسياً او تدخلاً في قرار سياسي.

> هل كان ابو اياد اهم شخصية امنية في الثورة الفلسطينية؟

- أبو اياد كان يملك ذكاء حاداً لكنه رجل فوضوي للغاية ولا يعرف كيف يكتم اي سر. يستحلفك احياناً ان تقول له معلومة معينة عن خبر ويؤكد لك ان الخبر لن يخرج ولن يتسرب وبعد خروجك يتسرب الى مئات الاشخاص.

> مثل عملية ميونيخ؟

- كثيرون يقولون ان الصدفة وحدها منعت وصول خبر هذه العملية الى الاسرائيليين قبل وقوعها لأن ابو اياد كان يحب ان يتكلم عن دوره.

> هل كان هو مسؤولاً عنها؟

- هو كان شريكاً كبيراً فيها.

> من نفذها؟

- هو.

> هل كان يمكن تنفيذ عملية ميونيخ من دون موافقة عرفات؟

- لا شيء حدث من دون موافقة عرفات.

> ونشاطات أيلول الأسود؟

- لا شيء حصل من دون معرفة ياسر عرفات.