خفايا الأيام الأخيرة في حياة أبو إياد

صدام ابلغ أبو اياد أن العراق سيرد في أول ساعة تندلع فيها الحرب الامريكية بكل ما لديه من أسلحة تدميرية على إسرائيل

أثارت الأيام الأخيرة في حياة الشهيد صلاح خلف 'أبو إياد' عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس جهاز الأمن الموحد جدلاً منذ اغتياله وحتى الآن.
اللواء الدكتور كامل أبو عيسى الذي كان يرأس المكتب الخاص في جهاز الأمن الموحد يتذكر حول تلك المرحلة الحرجة والتي كان في نهايتها اغتيال الشهيد أبو إياد .

* قيل بأن الشهيد أبو إياد كان يعيش هاجس الاغتيال في الفترة الأخيرة في حياته فما هي روايتكم حول تلك المرحلة؟

- منذ لحظة اغتيال الشهيد القائد أبو جهاد كان أبو إياد يعيش هاجس الاستهداف ويتوقع في كل لحظة أن تمتد إليه يد الغدر باغتياله ، وكان بيني وبينه حديث خاص فى منزله فى منطقة سيدي بوسعيد بتونس العاصمة حيث كان يسكن علي بعد مئات الامتار من منزل أبو جهاد.

وقد تحدث معي بعد اغتيال أبو جهاد بأسبوع بأنه قد نشر العديد من المجموعات السرية والدوريات فى المنطقة المحيطة بمنزله وحتى شاطئ البحر.

فقلت له:من الواضح أن الدور فى عملية الاغتيال بعد استشهاد أبو جهاد عليك ونحن نتمنى عليكم أخذ الحيطة والحذر وتغيير منزلك فى منطقة سيدي بوسعيد.

وقد حدث هذا فقد نقل منزله إلى منطقة المتيوال فيل فى العاصمة التونسية.

بعد انتقاله إلى السكن الجديد بدأ أبو اياد فى ترتيب أولوياته على الصعيدين السياسي والأمني وعلى النحو التالي: مصالحة عميقة وشاملة مع الرئيس أبو عمار حيث سادت حالة من الوئام بين القائدين كما بدأ فى إعداد المخططات الخاصة لإعادة بناء جهاز أمني فلسطيني قوي وبعيداً عن كافة الالتزامات والارتباطات السابقة.

وقد حدثنني أنه ينوي اختيار نوعيات جديدة متعلمة وعالية الثقافة وملمة بأصول اللغات الأجنبية بما فيها اللغة العبرية أيضاً علي أساس أن رجل المخابرات يجب أن يكون ملماً باللغات الأجنبية ، ونحن نصارع إسرائيل ويجب أن نتعلم اللغة العبرية .

وقال لي نحن لن نتعامل مع إخوتنا في جهاز الأمن الموحد كما يتعامل الانجليز مع خيولهم فهؤلاء إخوتي وأحبتي وقد عايشوا معنا كل الظروف الصعبة وسوف اعمل على تكريمهم وضمان حياة كريمة لهم إلا أن ذلك يعني أيضاً أن أعتمد على بعض هذه الكوادر لأنه لكل إنسان قدرة على العطاء والعمل الأمني يتطلب حالة من الإبداع والتطور المستمر .

فى الشهور الأخيرة من حياة أبو إياد كان الصراع الداخلي الفلسطيني علي جبهتين، المنشقين من جهة وأبو نضال صبري البنا من جهة أخري وقد أولى أبو إياد اهتماماً واسعاً وكبيراً في عملية رصد ومتابعة نشاطات كافة الكوادر والعناصر التي تنتمي لجماعة المجلس الثوري لحركة فتح 'أبو نضال البنا'وقد قال لي بعد أن هرب عاطف أبو بكر إلى تونس ومكث في المكتب الخاص عندي سراً لعدة أيام بالإضافة لبعض الكوادر التي هربت وسلمت نفسها للأمن الموحد أنه لدي شعور بأن إسرائيل تستهدفه بشكل مباشر على خلفية حادثة السفير الأمريكي في الخرطوم وفى التاريخ والأمانة لم يكن لدي أي تفكير فى تصفية السفير الأمريكي.

وفى إحدى الصباحات الباكرة التقيته في منزله في الساعة السابعة صباحاً وكان يجلس وحيداً، فقال لي :أتدري لماذا أرسلت فى طلبك؟ لقد مر بالأمس على السفير السوفيتي مساءً وأخبرني بأنه قادم مباشرة من المطار وفضل أن يلتقي بي لدقائق وأبلغني السفير أنه متعب وأن الطائرة كانت مزدحمة بالركاب وعندما سألته لماذا الازدحام؟قال لأنه الطائرة كانت مليئة بالمهاجرين اليهود من الاتحاد السوفيتي ووجهتهم إسرائيل.

قال أبو إياد: أدركت عندها أنه جاء ليبلغني رسالة بأن الاتحاد السوفيتي استجاب للضغوط الأمريكية والإسرائيلية وفتح باب الهجرة من الاتحاد السوفيتي إلى إسرائيل لقد استفزني 'والحديث لأبو إياد' بهذه المداخلة وقلت له على الفور: أننا بدأنا تشكيل دائرة مكافحة الهجرة الصهيونية وقررنا أن يرأس هذه الدائرة كامل أبو عيسي .

ولكن 'موجهاً حديثه لكامل أبو عيسي:دعني أصارحك بأن الوضع الأمني معي لم يعد على ما يرام فقد وصلتني العديد من الإشارات والتي تحمل تهديدات مبطنة أو صريحة أو التي تنصح بالحيطة والحذر وقد وصل الأمر بالبعض أن يتوقعوا أن تقدم إسرائيل على قصف منزلي التي أقطن فيه ومع ذلك فان الحذر لا يغني عن قدر فنحن مشاريع شهادة ونؤمن بالله العلي العظيم.

* وماذا عن اللقاء المثير للجدل بين الرئيس العراقي صدام حسين وأبو إياد؟

- مع اجتياح النظام العراقي للكويت تصاعدت وتائر حالة الهواجس الأمنية لدي أبو اياد خاصة وأنه رفض تأييد الغزو العراقي للكويت وأدان فى أكثر من تصريح صحفي سياسات صدام حسين فيما يخص الكويت.

وقد نصحني الشهيد عاطف بسيسو بأن أتحدث مع أبو اياد بأن طبيعة المرحلة وخطورتها تستدعي منه أن يغير من موقفه وان يأخذ موقفاً مؤيداً للعراق ولصدام حسين وأن ذلك سيكون جزءاً من حمايته باعتبار أن المعادلة الدولية القادمة تريد أن تتعامل مع قيادة فلسطينية مؤيدة للطرف المهزوم وهو العراق وأن القيادة الفلسطينية يجب أن تدفع استحقاقات الهزيمة ، وإذا بقي أبو اياد يقف فى الاتجاه المعاكس فانه يزعج أصحاب المخططات الدولية باعتبار أنه سيواصل رفضه لكافة المشاريع الخاصة بالتسوية المطلوب فرضها على أساس أنه لم يقف مع الطرف المهزوم وهو العراق.

وتحدثت مع أبو اياد فى هذه الهواجس ونصحته بأن يسافر إلى بغداد بترتيب العلاقات.

قام أبو اياد بزيارة بغداد قبل الحرب الأمريكية التي اندلعت فى 16 يناير 1991 بثلاثة أسابيع مع أبو عمار ثم عاد من بغداد إلى تونس مروراً بالعاصمة الأردنية عمان وقد حدثني بعد عودته أنه فى زيارته إلى بغداد اصطحبه الرئيس صدام حسين مع أبو عمار إلى قاعة ضخمة تحت الأرض تمثل غرفة العمليات العسكرية وأن أبو اياد قال لصدام: لست بالخبير العسكري حتى أفهم أن هذه الإمكانات التي تحدثنا عنها ونشاهدها فى غرفة العمليات كافية للتصدي لقوي التحالف الدولي التي تقودها أمريكا .

وأمام تشككي واسترابة صدام من حديثي قلت له:عليك أن تدرك بأن هزيمة العراق فى الحرب المنتظرة ستدفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً لا يقل عن كارثة عام 1948 ولهذا أرجو أن تتفهم هواجسي المشروعة وأن تضعها فى مكانها الصحيح فكما أخاف على العراق فاننى شديد القلق والخوف على الشعب الفلسطيني. عندها جلس صدام بجواري وأقسم أنه ومنذ اللحظة الأولي لبداية العدوان والحرب ومن أول ساعة تخرج طائرة أمريكية وتقصف العراق فانه سيستخدم كل أسلحة الدمار التي بحوزته ضد إسرائيل دفعة واحدة وبكل شراسة'.

ويقول أبو اياد قد يكون أفضل ما حققته فى تلك الرحلة عندما وصلت الأردن واستعدت ذكرياتي وذكريات شباب الثورة الفلسطينية فى مخيم الوحدات عندما خاطبت حشداَ جماهيرياً هائلاً.

*وماذا عن اليوم الأخير فى حياة أبو اياد قبل استشهاده؟

- كالعادة ذهبت إلى عملي فى المكتب بحدود الساعة الثامنة والنصف صباحاً فوجدت الأخ أبو اياد قد سبقني إلى هناك وكان يجلس فى قاعة الطابق الأرضي يدلي بحديث صحفي للصحفي التونسي كمال بن يونس وهو آخر حديث صحفي فى حياته وبعد أن انهي المقابلة الصحفية جلسنا فى المكتب وطلبت منه أن يسمح لي بالصعود للطابق الثاني كي أزاول عملي فقال لي:'بدري على الشغل اجلس معي'. وأثناء المداولات فى بعض الأحاديث رن جرس الهاتف وكان على الطرف الآخر صبحي أبو كرش 'أبو المنذر'السفير الفلسطيني فى السعودية وكان يشكو لأبو اياد من أبو عمار ويقول له إن أبو عمار تحدث معي الليلة الماضية بعبارات قاسية عندما أبلغته بان موقفنا السياسي يجب أن يراعي ظروف أهلنا فى السعودية ودول الخليج .

وبعد أن تبادل أبو اياد مع السفير الفلسطيني عبارات التهدئة قال له: عالعموم نلتقي هذه الليلة فى تمام الساعة السابعة مساءً فى منزل أبو الهول حيث أنني لم أزره منذ عدة شهور.

بعد ذلك طلب أبو اياد أن أذهب معه إلى منزل أبو الهول وعند الساعة الثانية ظهراً افترقنا على أن نلتقي ثانية فى المكتب بعد الساعة الخامسة.

وفى حدود الساعة الخامسة بعد الظهر ذهبت إلى المكتب فوجدت أن الأخ أبو اياد متواجد فى المكتب فجلست معه وتبادلنا عبارات الشكوى من البرد حيث كان الجو بارد جداً فى 14 يناير 1991 , وقد نفذت كمية المازوت الخاصة بتدفئة المكتب فقال:معلش بدنا نتحمل بأن أبو عيشة مشغول بنقل أساس بيته إلى منزل آخر.

فاستأذنته لتوضيب بعض الأوراق الخاصة بعملي ومع ازدياد شهوري بالبرد ذهب إلى منزلي لأخذ حمام ساخن سريع ومن ثم العودة إلى المكتب للذهاب حسب الموعد.

وبعد عشرين دقيقة رن جرس الهاتف فى البيت ، فإذا أبو اياد يمازحني قائلاً:أين ذهبت ؟فقلت له:حصلت على دوش ساخن والآن أوضب نفسي للخروج إلى طرفك.

فى هذه اللحظة قال لي:إذن وحتى لا تصيبك نزلة برد ابق فى المنزل لأن أبو محمد العمري جاءني فجأة وسوف آخذه معي بدلاًًُ عنك.

وبعد نصف ساعة من هذه المكالمة الأخيرة بيني وبينه وحين كنت احتسي كوباً من الشاي الساخن رن جرس الهاتف مجدداً وإذا بأحد الأصدقاء يبلغني تعازيه الحارة فقلت له عن ماذا تتحدث؟ فقال:أبو اياد وأبو الهول وأبو محمد العمري استشهدوا قبل خمس دقائق اغتيالاً فى منزل أبو الهول .

سقط كوب الشاي من يدي وأجهشت بالبكاء وأحسست بأن سيف الشعب الفلسطيني قد سقط من يد الفارس قبل أن ينتهي لهيب المعركة.(دنيا الوطن)