رفاقه يتذكرون: ميشيل عفلق (3)

لم يعرف اهل منطقة فسوح في الاشرفية في بيروت هوية الرجل الجديد المقيم بينهم. لم تكن شؤون البعث وشجون علاقاته بجمال عبدالناصر على لائحة اهتماماتهم. ولم يكن دوي البعث آنذاك بلغ ما سيصل اليه بعد ثلاث سنوات حين سيقفز حزبيوه وعسكريوه الى السلطة في بغداد ودمشق. لم يعرفوا ان الرجل هو ميشال عفلق. وربما لهذا السبب وقع خيار الأخوين نقولا والياس الفرزلي على الاشرفية لتكون مخبأ ينتظر فيه عفلق جلاء التطورات.
ربطت عفلق بالأخوين نقولا والياس الفرزلي علاقة قوية خاصة. كان الأول حاضراً في أعلى الهرم الحزبي في بعض المراحل وكان صديقاً دائماً للاستاذ. وربطت عفلق بالياس الفرزلي علاقة شخصية حميمة جعلته يأتمنه على مصيره ويترك له مسؤولية اختيار الاماكن السرية لإقامته ويكلفه مهمات حساسة. في هذه الحلقة يسترجع الياس الفرزلي بعض المحطات وهنا نص الحوار:

> متى كانت المرة الاولى التي التقيت فيها ميشال عفلق؟
- التقيت عفلق بعد مغادرته سورية برفقة أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار عام 1953 لتفادي اديب الشيشكلي. لجأ الثلاثة الى لبنان. وفي ذلك الحين، كان زميلي في التعليم انعام الجندي، وهو بعثي كبير من الجيل الثاني للحزب، وشقيق سامي الجندي الذي اصبح وزير اعلام بعد 8 آذار في سورية. وكان مسؤول الاتصال القومي في الحزب. ودفعتني صداقتي به الى التعرف على عفلق والبيطار والحوراني في بيروت. التقيت بهم قبل قرار حكومة الرئيس صائب سلام في عهد كميل شمعون تسفيرهم استجابة لضغط كبير من حكومة الشيشكلي. استمر حزب البعث في محاربة نظام الشيشكلي وساهم مساهمة كبيرة في اسقاطه. وتصرف الضباط البعثيون بشكل نموذجي بتسليمهم السلطة الى المدنيين. بعد الوحدة مع سورية عام 1958، اشترط عبدالناصر حل حزب البعث. وبعدما ساءت الاوضاع بينهم وبين عبدالناصر، لجأ عفلق من جديد الى لبنان. مكث في بيروت سراً بعد اشتداد ملاحقة الاجهزة الامنية له. واضطر الى قطع الاتصال بالعالم الخارجي. واختار ان تكون اتصالاته بقيادة الحزب في بيروت بواسطتي.
> أين أقام عفلق في هذه الفترة؟
- أقام في منازل سرية عدة. وفيما خلا شقيقي نقولا، لم يعرف أحد بوجوده في هذه البيوت. وقدرنا أن الاشرفية مكان مناسب لتخفيه نظراً لعدم معرفة الناس في تلك المنطقة به وجهلهم بمشكلته مع عبدالناصر. استأجرنا شقتين في محلة فسّوح قرب مار متر. مكث مع زوجته ووالدته وابنته رزان، وبقي في الاشرفية بين 1960 و1961، اي حتى حدوث الانفصال بين مصر وسورية، وكان على خلاف في تلك الفترة مع اكرم الحوراني. حصل صراع داخل حزب البعث، وكان عفلق مصراً على الوحدة وعلى عدم العداء لعبدالناصر، لكن نظام عبدالناصر أو بالأحرى نظام عبدالحميد السراج نكّل بالحزب. وكان من الصعب فهم استمرار تأييد عفلق للوحدة وعبدالناصر بعد ما حدث، فوقع شقاق داخل الحزب، وظهرت محاور داخله. أيّد معظم قادة الحزب الحوراني معتبرين ان عبدالناصر سلم دولة الوحدة الى أجهزة الاستخبارات التي تقمع البعثيين.
> ماذا كان وقع الانفصال على عفلق؟
- كان الراديو في منزله معطلاً. ذهبنا ليلاً إلى مقهى «مايفير» في الروشة القريب من مقهى «دولشي فيتا» الذي يرتاده رجال الصحافة. واشتد الألم عليه بعد منتصف الليل فطلبت من الطبيب عبدالمجيد الرافعي في طرابلس ان يعطيه مسكّناً. وفي صبيحة 28 أيلول (سبتمبر) 1961، استيقظت على خبر انقلاب في سورية. حملت الراديو وذهبت إلى منزله. فتحت لي زوجته واندهشت لمجيئي المبكر بعد ساعات قليلة من إيصالهما إلى المنزل. أبلغتها أن انقلاباً حصل في سورية. على خلاف عادته، خرج عفلق من غرفته بثياب النوم وأخبرته بما حصل. لم أر في حياتي كلها شخصاً حزيناً مثلما كان عفلق عند سماعه الخبر. وأذيع البلاغ الرقم 9 الذي أعلن فيه الانفصاليون مفاوضتهم للمشير عبدالحكيم عامر، وقبولهم عودة الوحدة بشروط معينة. ارتاح عفلق وقال هذه الهزة قد تكون لخير الوحدة. وسرعان ما أذيع بيان يفيد بفشل المفاوضات وباستمرار الانفصال الذي قام به حيدر الكزبري وموفق عصاصة. سبقت الانفصال أزمات كبيرة في سورية أدت إلى استقالة السراج. وقبل ذلك وقع المسؤولون السوريون وثيقة الانفصال في حضور اكرم الحوراني وصلاح البيطار. أحدث التوقيع هزة كبيرة في الحزب، وأصاب عفلق بحزن كبير. أرسل موقعو الوثيقة الاطرش ليشرح ظروف التوقيع. وعندما حصل الانقلاب خرج أتباع السراج والناس واحتفلوا ظناً منهم أن السراج هو الذي قام بالانقلاب. حضرت اللقاء بين الاطرش وعفلق. وبعد توقيع الوثيقة، أقام صلاح البيطار نقداً ذاتياً وقدم مشروعاً للوحدة الاتحادية.

الطلاق مع اكرم الحوراني

> هل كان توقيع وثيقة الانفصال بداية الطلاق بين الحوراني وعفلق؟
- نعم فالخلاف بين الرجلين تراكم إلى أن بلغ مرحلة الطلاق. لكن الحوراني لم يفصل من الحزب. ولم يكن الدمج بين حزب الحوراني وحزب عفلق كاملاً، وبقي التباعد ظاهراً بينهما. انقسم الناس حول حزب البعث في الحقبة الناصرية، فوقف قسم منهم معارضاً للوحدة ولعبدالناصر وللبعث، وقسم آخر مؤيداً لعبدالناصر ومهاجماً للبعث بقسوة شديدة.
> هل كان رد فعل عفلق على خبر الانفصال عنيفاً؟
- نعم كان عنيفاً وقاسياً جداً. غضب من صلاح البيطار وأكرم الحوراني، وأصدر بياناً شجب فيه الانفصال. كان موقفه مبدئياً ونابعاً من قناعة كاملة وعميقة. وحمى موقف عفلق الحزب في سورية ومكنه من القيام بانقلاب 8 آذار. وأخرج بالموقف الذي أعلنه من بيروت الحزب من أيدي القائمين بالانفصال. كان عفلق شديد الوضوح. فبعد 28 أيلول تاريخ الانفصال، حصل انقلاب آخر في 22 آذار (مارس) 1962. ولم يرض عبدالناصر بالانقلاب الجديد. وأيد عفلق عودة الوحدة من دون أن تحظى أخطاؤها برضاه. كان يعتبر أن هناك خندقين: خندق الرجعية والانفصالية وخندق الوحدة.
> متى غادر عفلق سكنه في الاشرفية؟
- مكث عاماً واحداً تقريباً، بعدها زاد الخطر بسبب احتمال تنحي السراج ودخول سورية مرحلة الانفصال. كان عفلق يستخف بعهد الانفصال. ترك الاشرفية واستأجر شقة في محلة الصنوبرة في منطقة راس بيروت. وبقي فيها إلى حين ذهابه إلى دمشق بين نهاية عام 1961 وبداية 1962، وذهبت زوجته إلى منزل أهلها في طرطوس على أن تلتقي به في دمشق. قبل ذهابه إلى دمشق، جرت انتخابات شارك فيها اكرم الحوراني وأحرز انتصاراً كبيراً بينما فشل صلاح البيطار. وكنت أتردد الى دمشق حيث سألني الحوراني عن حال البيطار. وطلب مني أن أبلغه ألا يزعل لأن تظاهرة واحدة كفيلة بإطاحة هذا الحكم. كان الحوراني يستخف بنظام الحكومة الانفصالية.
بعد عودة عفلق الى الشام، وصلت حكومة بشير العظمة الى الحكم اثر انقلاب عبدالكريم زهر الدين في 28 آذار 1962. في ايار (مايو) 1962، انعقد المؤتمر القومي الخامس في حمص. وأخرج هذا المؤتمر أكرم الحوراني من الحزب. وانتصر خط عفلق، وأعيد تنظيم الحزب بعد استثناء جماعة الحوراني. وانضم كثير من العناصر الجيدة في الحزب الى الحوراني. كان حزب البعث في العراق سند عفلق الأساس وداعمه الاول. اذ كان فرع العراق من أكبر فروع الحزب وله ثقله. وساهم هذا الثقل في انتصار عفلق في مؤتمر أيار 1962. وكلفت القيادة القومية حزب العراق إعادة تنظيم الحزب في سورية. في 8 آذار كان عفلق في بغداد. وفي شباط 1963، كان صلاح البيطار وميشال عفلق في نيروبي للمشاركة في مؤتمر، ووصل الى سمعهما خبر انقلاب 8 شباط في العراق. فقطعا زيارتهما واتجها الى بيروت. وأرسلني عفلق الى بغداد في العاشر من شباط، أي في اليوم الذي تلا إعدام عبدالكريم قاسم.
> ماذا طلب عفلق منك أن تفعل في بغداد؟
- أراد أن أرى ماذا حصل في بغداد. أصبح علي السعدي دليلي ليلاً نهاراً، واصطحبني الى مجلس قيادة الثورة. وطلب من ضابط إعطائي إذن تجول خاصاً. وكان هذا الضابط حردان عبدالغفار التكريتي. قال الضابط لعلي السعدي: «أصبح في وسع الياس الفرزلي بعد حصوله على هذا الاذن القيام بانقلاب»، فأجابه السعدي: «هو أحسن منكم جميعاً أنت وعساكرك». تعرفت على أحمد حسن البكر الذي رحب بي كثيراً.
عدت الى بيروت وشرحت لعفلق ما حدث في بغداد. أعجب بما حصل. فالبعثيون الحقيقيون لم يشاركوا في اخطاء ثورة رمضان ولا في حكم البكر. وذهب عفلق على رأس وفد الى الشام ثم الى بغداد. ورافقه إليها الدكتور جمال الاتاسي وعبدالكريم زهور المقرب من الحوراني. في ذلك الوقت أعجبنا بخطاب علي السعدي. فعبدالناصر احتاج لمن يذكره بوجود أخطاء شابت الوحدة. ولعل ما سبب أزمة مع الناصريين هو قول السعدي في خطابه «لا وحدة من دون وحدويين ولا اشتراكية من دون اشتراكيين». في المرة التالية التي زرت فيها بغداد قابلت عفلق، وطلب مني الاتصال بزوجته الدكتورة أمل لدى عودتي الى بيروت وابلاغها انه سيتأخر في العودة. حزنت زوجته عندما أبلغتها بتأجيل موعد عودته شهراً كاملاً. وفي مكتبي في «دار الصياد» اتصل بي عزت شكري، مدير مكتب «رويترز» في بيروت، وأعلمني ان عفلق وصل الى فندق «بلازا» في الحمرا، وطلب مني تأمين مقابلة له معه. ذهبت لمقابلته ليلة السابع من آذار. وفي اليوم التالي وقع الانقلاب. كان عفلق على علم بوقوع انقلاب 8 آذار. وفي صبيحة الانقلاب، اتصلنا بتقي الدين الصلح وعلي بزي. سرت أنباء في لبنان تفيد بأن القتال مشتعل في الشام. وثبت لاحقا أن الانقلاب حصل من دون أي إطلاق للنار. اتصل علي بزي بالجنرال فؤاد شهاب طالباً السماح لعفلق بقطع الحدود. فأبلغه الرئيس شهاب أن السوريين هم الذين أغلقوا الحدود، وسأله تبليغ عفلق نصيحته بعدم الذهاب الى الشام لأن الدماء سائلة في ميسلون. لكن عفلق أصر على الذهاب الى الشام ولم يكن في وسعي مرافقته بسبب عملي. فأعطيته سيارتي والسائق، وطلبت من محمد خيري الدويري، عضو القيادة القطرية في لبنان، مرافقته. عاد الدويري بمفرده عند الظهر، وقال لي انهما صادفا أنيس شباط، مدير عام المالية في حكومة الانفصال في الطريق الى سورية، وقرر عفلق مرافقته الى الشام. لحقت بعفلق الى الشام في التاسع من آذار. وروى لي أنه فور وصوله الى منزله في سورية وصل ضباط من الاركان أبلغوه عن وقوع مشكلة بين صلاح البيطار والناصريين على تشكيل الحكومة، وطلبوا منه حسم الأمر. وجد عفلق الاستاذ صلاح في اجتماع مع الناصريين لتحديد حصتهم من مقاعد الحكومة. فترك عفلق الاجتماع، وذهب الى قاعة ثانية يجلس فيها نحو 40 ضابطاً من الذين قاموا بالانقلاب. وألقى هؤلاء التحية على عفلق وقالوا له: «هذه ثورتك، وليس لأحد حصة فيها غيرك، الحزب قام بالثورة لكن القرار يعود إليك. الاستاذ صلاح يفاوض الناصريين، فاوضهم أنت (...) فالقرار لك بتشكيل الحكومة». فعاد عفلق الى الصالة حيث كان يجتمع البيطار مع الناصريين، وسأل الحضور عن نتيجة المفاوضات، وحسم الموضوع بتحديد حصص الاطراف كلها: مقعدان للقوميين العرب، واثنان للناصريين. أدرك الوزراء أن حسم عفلق نابع من مركز قوة فقبلوا بطرحه. في سورية، كان لؤي الاتاسي أول رئيس لمجلس قيادة الثورة. وكان الاتاسي مقربا من الناصريين. لكن السلطة الفعلية كانت في يد ضباط بعثيين في اللجنة العسكرية. ومن هؤلاء الضباط سليم الحاطوم وحمد عبيد (وهما درزيان)، وعبدالكريم الجندي (اسماعيلي) وصلاح جديد وحافظ الاسد ومحمد عمران. لم تكن علاقة عفلق بصلاح البيطار في أحسن أحوالها. على خلاف عادته، اتصل بي عفلق من الشام قبيل المؤتمر القومي الخامس. فذهبت إليه وفوجئت لاجتماعه بالبيطار. اذ لم يسبق للرجلين أن شوهدا سوياً ومنفردين. قال لي الاستاذ ميشال ان صلاح سيكلمني في موضوع، ويتوجب علي ابلاغ عبدالناصر بهذا الكلام. لم يعرف جماعة الحوراني بما قرره كل من عفلق والبيطار. ذهبت الى بيروت ومنها غادرت الى القاهرة حيث قابلت كمال رفعت الضابط في مجلس قيادة الثورة. سألني عفلق الطلب من عبدالناصر وقف الحملة على الحوراني لأن الحملة زادت من قوته، وقد تؤدي الى خسارة يتحملها الخط الوحدوي. طلب مني صلاح البيطار ابلاغ عبدالناصر أن حكومة بشير العظمة حكومة وطنية وحدوية، وبالتالي ينبغي عليه مراعاتها. طلب مني عفلق نقل أقوال البيطار كتوصية شخصية غير حزبية. فما كان من البيطار سوى طلب تأجيل مغادرتي، والاستعاضة بزيارة زغلول عبدالرحمن.
لم يكن عفلق راضياً بشكل كلي عن أداء حكومة البيطار، وبدأت الفجوة بينهما تتسع. لكنه كان مضطراً إلى تأييده لدرء الحملة الشرسة التي تعرضت لها حكومة البيطار. فهو اعتبر أن الحملة على حكومة البيطار هي بداية حملة معادية لحزب البعث. واستمر عفلق في منصبه أميناً عاماً للحزب، وعضواً في مجلس قيادة الثورة. وعندما اشتدت الخلافات بين البعثيين والناصريين عين الفريق أمين الحافظ، وكان يشغل منصب الملحق العسكري السوري في البرازيل، نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية. وتم إبعاد لؤي الأتاسي وزياد الحريري. فأصبح مجلس قيادة الثورة من دون رئيس. وعندما انفعل عبدالناصر ودعا إلى عقد مؤتمر القمة الأول في كانون الثاني (يناير) 1964 بعد تحويل مجرى نهر الأردن، قال كلمته الشهيرة «سنرى من سيحارب ومن لن يحارب».
ركزت الأجهزة الأمنية المصرية هجومها على البيطار وعفلق. وكان توقيع البيطار على وثيقة الانفصال مأخذهم عليه وحجتهم للتعريض به.
القى أمين الحافظ خطاباً على أعضاء الوفد السوري أشار فيه إلى ذهابهم إلى مصر وإلى وجوب الحذر من الاستخبارات المصرية. وكذلك ذكّرهم بما فعلته هذه الاستخبارات بعلي السعدي المعروف بكونه رجل الملذات. ومنعهم أمين الحافظ من الخروج من الفنادق ومن الجلوس في المقاهي وارتياد الكباريهات، ولم يسلّم أعضاء الوفد مبلغاً من المال كمصروف لفترة إقامتهم في القاهرة. وكان عبدالسلام عارف المعادي لحزب البعث وعبدالناصر في انتظار خطاب أمين الحافظ. وعندما بدأ الحافظ بإلقاء خطابه، قال له يوسف شكور: «زحلقوك». فلم يكن من الحافظ سوى ترك الخطاب وارتجال مداخلته. فاضطر بن بلة والصحف المصرية الى مهاجمته ما فتح المجال أمام عبدالسلام عارف لتفريغ حقده على البعث. وهاجم ميشال عفلق.
> الى متى بقي عفلق في سورية؟
- كان عفلق راعياً لكل الامور الى حين الانتصار على حركة جاسم علوان الناصرية ومحمد الجراح. تغير شباب اللجنة العسكرية بعد هذا الانتصار، وأرادوا استبدال حكومة صلاح البيطار بحكومة أخرى. وباشر هؤلاء الشباب استبدال حكومة البيطار بتكليف سامي الجندي. لكن حكومة الجندي لم تنجح. فأعادوا صلاح البيطار. وأراد عفلق حماية صلاح البيطار لحماية حزب البعث. فقصد ضباط اللجنة العسكرية عفلق، وسألوه عن سبب دفاعه عن صلاح البيطار ودعوه الى تشكيل حكومة بصفته أمين عام البعث. وأنا اعتقد ان عفلق أخطأ برفضه هذا العرض. وكذلك أخطأ البعث بتبني حكم الثامن من آذار.
ظل عفلق في سورية الى عام 1966، وغادرها بعدما شكلت حكومة صلاح البيطار الثانية. وقصد ألمانيا حيث كان أخوه يتولى منصباً في السفارة السورية. وكلفني صلاح البيطار ارسال رسالة اليه من بيروت. وفي الرسالة استنجد البيطار بعفلق، فعاد الاخير الى سورية حيث لم يعد الوضع مستقراً. كان عفلق قوياً على اللجنة العسكرية. وعندما حصل انقلاب عبدالسلام عارف ضعف موقع عفلق، لأن حزب البعث في العراق كان سنده الاساسي. كان عفلق حريصاً على كتابة كل المناشير المرسلة الى العراق، وتلقي كل الرسائل الواردة. وكان العراقيون يعتبرون أنفسهم تابعين لحزب ميشال. وكان ضباط بعثيون يغنون في طريق العودة من رحلة ما «نحن فراخك يا ميشال». وقضى عبدالسلام عارف على حكم ثورة رمضان، وأصبح العسكريون أقوى من الحزب كثيراً. فبدأ الصراع. وفي 1965، قرر عفلق عدم الترشح الى القيادة القومية. وفي المؤتمر القومي الثامن، أعطي لقب القائد المؤسس وانتخب منيف الرزاز أميناً عاماً. وفي 23 شباط (فبراير) 1966، حصل انقلاب بزعامة صلاح جديد. وكان لحافظ الاسد دور حاسم في هذا الانقلاب. وفي الليلة التي سبقت الانقلاب، أي في 22 شباط، حلت القيادة القطرية، وأمسى الحكم بيد القيادة القومية. وكان أمين الحافظ رئيساً للدولة، ومنيف الرزاز أميناً عاماً للحزب. كان الجو متوتراً ينذر بانقلاب. وفي نقاش حصل، طلب حافظ الاسد من المجتمعين توجيه الكلام الى عفلق عوضاً عن أمين الحافظ والرزاز، وخاطبه قائلاً: «يا استاذ ميشال، اذا حسمت القضية الليلة بالتصويت فسأصوت لك، واذا حسم الامر بالسلاح فبندقيتي معهم».
جاء اتصال هاتفي إلى أمين الحافظ ابلغ فيه بتحرك القطاعات في القطاع الأوسط. أغلق الهاتف وقال كلمة نابية في حق القائمين بالتحرك. أثارت هذه الكلمة حساسية حافظ الأسد، فنظر إلى عفلق قائلاً: «سمعت؟!»، وردد شعار حزب البعث وخرج، وانضم إلى سليم حاطوم وصلاح جديد وعبدالكريم الجندي. وحصل انقلاب 23 شباط.
> كيف هرب عفلق من سورية إلى بيروت؟
- في الايام الاولى من الانقلاب، استفاد عفلق من الارتباك السائد، وقصد طرطوس التي غادرها في آذار - نيسان بحراً إلى طرابلس حيث أقام سراً في منزل شاب حزبي. في صيف 1966عقد مؤتمر مهم في كوبا. وفي هذا المؤتمر، التقى نجدت هاجر، وهو شاب من الحزب الاشتراكي في طرابلس، بسليم حاطوم، وهو ضابط كبير من جماعة 8 آذار احتل الإذاعة لأشهر، ثم انقلب على 23 شباط وأعدم. وقال حاطوم لنجدت هاجر انهم يعلمون أن عفلق مقيم في طرابلس، ويعلمون مكان إقامته. فاعتبر الاستاذ ميشال كلام حاطوم رسالة له تنذره بانكشاف مكانه. لم أكن أعلم بوجود عفلق في لبنان. وذات يوم صادفت شخصاً من أقربائه، وسألني عن حال الاستاذ ميشال، فأجبته: أين هو؟ هل هو في لبنان؟ فغضب مني، واعتبر أنني أخفي عنه ما أعرف. أخبرت شقيقي بما حصل، وأخبر شقيقي بدوره ما حصل للاستاذ ميشال. فعاتب عفلق شقيقي بشدة لأنه لم يبلغني عن وجوده في لبنان، وطلب منه دعوتي لزيارته. وفي زيارتي له، أطلعني عفلق على أقوال نجدت هاجر، وطلب مني تأمين مسكن آمن في بيروت. وضعت خطة، وقلت للدكتور عبدالمجيد الرافعي إننا لا نريده أن يتدخل شخصياً لأنه معروف ومراقب. طلبت منه أن يجلب لنا أحد شباب الاستاذ ميشال في سيارة غير معروفة إلى أحد الامكنة. ذهبت مع الدكتور علي الخليل، عضو القيادة القومية وأمين سر الحزب في لبنان. أخذت والخليل سيارتين، الأولى تابعة لنائب رئيس مجلس النواب ابن عمي أديب الفرزلي، والثانية تابعة لبولس القزي، مدقق حسابات جريدة «الاحرار». أوقفنا السيارة الثانية في منطقة نهر الكلب، وأخذنا سيارة أديب الفرزلي واصطحبنا الاستاذ ميشال. لكن الرافعي ارتكب خطأ بإحضار الاستاذ ميشال في سيارته. ولم يكن الاستاذ ميشال يرضى بالتخفي. في طريق العودة ومروراً بالقلمون، شاهدت سيارة بيجو 403 رمادية تحمل لوحة سورية تطاردنا، حاولت التخلص منها. وعند مفترق طريق بين جونيه والكسليك، أخذت طريقاً نهايته مسدودة، وتوقفت السيارة وقال لي الاستاذ عفلق «احضرتنا يا الياس إلى طريق مسدود». عدت أدراجي فوجدت نفسي أمام طريق تؤدي إلى حريصا على الارجح، توقفنا وذهب مرافقي بسيارة أجرة ليحضر سيارة بولس قزي. نام عفلق ليلة في انطلياس، وبعدها جاء إلى الاشرفية ونزل في شارع عبدالوهاب الانكليزي يومين. ثم نقلناه إلى منزل صديق في الشويفات حيث لم يشعر بالراحة. وقصدت أقرباء لي في محلة فسوح في الاشرفية واخذت منزلهم. أمضى صيف 1966 في هذا المنزل. التقيت عبدالرحمن اليوسفي، وطلب زيارة عفلق. وبعد موافقة عفلق على استقباله، اصطحبته اليه. وفي هذه الجلسة، وجدنا أن لا مفر من السفر، وأنه يجب عليه المغادرة إلى البرازيل. في أواخر آب 1966 أطلعت تقي الدين الصلح على وجود عفلق في بيروت وعلى رغبته بالسفر، لم ينفعل تقي الدين واستقبل الخبر بهدوء. وذهبت معه إلى الرئيس شارل حلو. سأل حلو عما نريد. وعندما باشر تقي الدين جوابه بكلمة «إن الياس» أوقفه شارل حلو قائلاً: «ما به الياس، هل يريد إحضار ميشال عفلق إلى لبنان!؟ أنا لن أتحمل مثل هذه المسؤولية فهم قد يقتلونه». ضحك تقي الدين الصلح، وقال له: يا فخامة الرئيس الياس يريد تخليصك من عفلق وتسفيره من لبنان. اندهش شارل حلو من وجود عفلق في لبنان. ولم تكن الحكومة اللبنانية على علم بوجوده في بيروت. وصلتني رسالة من سورية تقول: «إذا كان عفلق في منزل الياس الفرزلي فليخرج فوراً لأننا نراقب منزله ليلاً نهاراً». طلب حلو منا الذهاب الى جوزيف سلامة، مدير الامن العام. قابلنا سلامة وقلنا اننا نريد تسفير عفلق غداً لأننا حجزنا له على متن خطوط الطيران الفرنسية باسم ميشال يوسف (ويوسف هو اسم والده). فطلب منا التوجه إلى المطار والتوقف عند مفرق الكوكودي ثم التوجه شمالاً وصولاً إلى باب خاص. وعند هذا الباب التقينا بالمفتش داوود نحال الذي أدخلنا إلى المطار. واتضح لعلي الخليل لاحقاً ان مسار الطائرة التي استقلها مع عفلق هو الشام - بيروت - باريس. ومن باريس استقل عفلق الطائرة إلى البرازيل. ولم يرجع من البرازيل إلا بعدما قصده صلاح عمر العلي برفقة نعيم فهمي العضو في حزب البعث وصاحب المنزل الذي كان مخبأ عفلق في طرابلس، وطلبا منه العودة. عاد عفلق إلى بيروت حيث كان معظم البعثيين اللبنانيين متحفظين عن الانقلاب العسكري العراقي (انقلاب 14 تموز). وكان صدام لفت نظر عفلق في بغداد خلال ثورة رمضان. وكان صدام ضد الحرس القومي وضد ممارساته.
رسالة من عفلق الى الفرزلي.

مع صدام

> متى قابل ميشال عفلق صدام حسين للمرة الاولى؟
- اثر محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم، هرب صدام إلى الشام، ثم إلى القاهرة. ومن المؤكد أن عفلق قابل صدام في ذلك الحين. أنا تعرفت على صدام في منزل عفلق في الشام بعد ايام على انقلاب 18 تشرين 1963 ولم يكن صدام من الاساتذة. في العراق قسم أعضاء الحزب تقسيماً وهمياً يميز بين «مال عركة» (قبضايات الحزب)، على غرار علي السعدي، الذين لم يتابعوا دراستهم و «مال فكر» على غرار سعدون حمادي. وكان صدام من المجموعة الاولى. كان عفلق يكن محبة واعجاباً كبيرين لصدام، وكان صدام يبادله المحبة والاعجاب. وكان العسكريون السوريون اللاجئون في العراق يخططون للقيام بانقلاب. وخالفهم عفلق. فلم يذهب إلى بغداد، وغادر بيروت إلى باريس. ثم عاد إلى بيروت في أيار (مايو) 1969 تاركاً أسرته في باريس. ومن بيروت غادر في الشهر نفسه إلى بغداد. في بغداد استقبل عفلق استقبال الفاتحين، وقرر تبني الوضع في العراق. وما حمله على هذا التبني هو صدام. كان عفلق يعتبر صدام بعثياً حقيقياً يفهم مبادئ حزب البعث. وكان صدام يقول عن عفلق انه «أبونا ومؤسس حزبنا ورئيسنا». كان صدام يستقوي بعفلق على البكر. وكانت مصلحة صدام تكمن في تقوية الحزب، وجعله أقوى من العسكريين على غرار صالح عماش وحردان التكريتي واحمد حسن البكر. ورجح عفلق كفة صدام في الحزب. وأحيط عفلق بهالة كبيرة في العراق.
> هل كان عفلق ينتقل بين بغداد وبيروت؟
- نعم أثناء اقامته ببغداد تردد عفلق إلى بيروت. وترك بيروت نهائياً عام 1975 مع اندلاع الحرب. واصبح يتردد بين بغداد وباريس.
> هل استفاد عفلق مالياً من صدام حسين؟
- كلا، عندما توفي الاستاذ ميشال كتب صدام حسين بياناً نشر في الصحف العراقية. وورد في هذا البيان قرار «إقامة ضريح يليق بمؤسس البعث» (...) وجمع المال لإقامة الضريح من تبرعات حزبيين وليس بمساهمة الدولة العراقية (...). لم يأخذ أي مبلغ من المال من صدام. رفض عفلق تسجيل البيت الذي مكث فيه في باريس باسمه. ولم يتملك أي بيت في بغداد. ومات من دون أن يملك قرشاً واحداً.
> هل تعلم لماذا وصف عفلق صدام بـ «هبة السماء للعراق، وهبة العراق للأمة العربية»؟
- هذا القول يعبر عن رأي عفلق بصدام. كان فخوراً بتقديم الحزب شخص صدام حسين إلى العراق.
> هل كانت لعفلق ملاحظات على التصفيات التي قام بها صدام عام 1979؟
- طبعاً. كان عفلق يحب عبدالخالق السامرائي الذي كان من المقربين إليه. وذات مرة في منزل الأستاذ ميشال، قلت لصدام ينبغي أن يصبح عبدالخالق وزيراً، ولم يجب صدام. أشار صدام إلى عفلق وطلب مني إبلاغه بطلبي. قبل وفاة عفلق في حزيران (يونيو) 1989، لم تنتشر عبادة الشخص في العراق. مات عفلق في باريس ودفن في بغداد، وحمل صدام نعشه أربع مرات وأقام مأتماً مهيباً له، وأدى التحية أمام القبر.

[img]http://www.alhayat.com/special/dialogues/07-2008/Article-20080708-03b160...عفلق (الثاني من اليسار) مع مجموعة من الشباب في باريس سنة 1950.

> في أيامه الأخيرة التي أمضاها في باريس، هل شعر عفلق بالخيبة؟
- كنت أزوره في باريس، وألتقي به من دون وجود الحراس. معارضة عفلق للحرب العراقية - الإيرانية مبنية على اشاعات أطلقتها ايران. فهناك أكثر من 20 خطاباً لعفلق يؤيد فيها هذه الحرب. فعفلق يعرف أن إيران هي التي ابتدأت العدوان على العراق. كان عفلق في العراق في حينها، وتمنى من كل قلبه تجاوب الخميني مع العراق ومع صدام. ولكن الخميني رفض رفضاً قاطعاً. وشجع عفلق الصداقة بين إيران والعراق. وصبيحة اعلان الحرب بين البلدين ذهبت مع شقيقي نقولا لمقابلة الاستاذ ميشال في باريس. عند وصولنا وجدنا نوري الويس، سفير العراق في باريس خارجاً من منزله. وليتجنب الكلام معنا، قال لنا ان لديه موعداً مع القناة الفرنسية الأولى مع السفير الايراني. وأضاف السفير العراقي ان التعليمات التي تلقاها من العراق نصت على أخذ رأي عفلق وتوجيهاته قبل إجراء المقابلة مع القناة الفرنسية.
> هل حكم على عفلق بالإعدام في سورية؟ وهل جرت محاولات لتحسين العلاقة بينه وبين حافظ الأسد؟
- نعم، بعد 1966، حكم على عفلق بالإعدام. لكن الحكم بقي شكلياً. وحاول الأسد الاتصال بعفلق. كانت علاقة الأسد بعفلق معقولة. وحصلت آخر محاولة للاتصال بعفلق في بيروت يوم قصدني الشاعر كمال ناصر في تشرين الثاني 1970، وطلب مني مرافقته إلى منزل الأستاذ ميشال لتسليمه رسالة من أبو سليمان. وقال كمال ناصر لعفلق ان حافظ الأسد استدعاه إلى السراي، وبلغني رسالة مفادها أنه يمد يده لك، ويريد المصالحة مع العراق. ومن شدة فرحي بهذا الطلب سبقت عفلق بالإجابة وقلت له «متفقين». ضحك عفلق وقال «اتفقنا». فطلب كمال ناصر إرسال رسول من الأستاذ ميشال إلى الشام، واشترط أن يكون الرسول غير حزبي. وطلب منا إبقاء الموضوع سرياً. اقترحت شخصاً لإيفاده إلى الشام عن الأستاذ ميشال. وحضر هذا الشخص إلى منزل عفلق واتفق مع كمال ناصر على الالتقاء به في فندق أمية الجديد. وعاد هذا الشخص من الشام حائراً وقال إنه لا يعلم ماذا حصل. فكمال ناصر مرّ من جانبه وقال له عد إلى بيروت. ثم زارنا كمال ناصر وأخبرنا أن حافظ الأسد لم يستقبله بسبب جولته على المحافظات.
طلبت موعداً من حافظ الأسد، ولم يفسح لي مجالاً لفتح الموضوع، وأطلعني على الوضع الجديد. وتبنى الأسد انقلاب 23 شباط الذي يعادي القيادة التاريخية للحزب.