رفاقه يتذكرون: ميشيل عفلق (4)

انتسب جبران مجدلاني الى حزب البعث العربي الاشتراكي في 1956 آتياً من الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة كمال جنبلاط. ودخل سريعا القيادة القطرية للحزب وبعدها بسنوات القيادة القومية. يعيش مجدلاني اليوم بعيدا عن تلك التجارب والهموم. يدير مكتبا للمحاماة في قطر خصوصا ان خيبة مبكرة أصابته حين راح صدام حسين يشدد على الحزب الواحد والقائد.

يشيد مجدلاني بنزاهة ميشال عفلق لكنه يأخذ عليه انه لم يستخدم رصيده المعنوي وهالته لكبح الممارسات الديكتاتورية التي بدأت بالظهور. ويعتبر ان عفلق كان معارضا لفكرة الحزب الواحد لكنه لم يتدخل لوقف جموح صدام الذي كان يخاطبه كما يخاطب الطلاب أساتذتهم. استدرجنا مجدلاني الى رحلة في ذاكرته وهنا نص الحوار:

> متى تعرفت الى حزب البعث؟

- تعرفت على حزب البعث بين 1953 و1954 عندما كنت عضو الشؤون الخارجية في الحزب التقدمي الاشتراكي. اجتمعنا في منطقة شتورة، وحضر عن الحزب التقدمي كمال جنبلاط وأنور الخطيب وأنا، وعن حزب البعث ميشال عفلق وصلاح البيطار وعبدالله الريماوي. وبعد انقلاب الشيشكلي، انضم اكرم الحوراني إلى حزب البعث العربي الاشتراكي (البعث العربي سابقاً). وتعرفت إلى بعثيين قدامى حضروا إلى لبنان بإيعاز من قياداتهم. وكنت وغيري من الشباب اللبنانيين نهتم بهم كثيراً، فتوطدت علاقتي بهم بهذه الطريقة.

بعد استقالتي من الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1956، انضممت إلى حزب البعث. وبعد شهر من انتسابي انتخبت عضواً في القيادة. كان غسان مولوي من طرابلس وعبدالوهاب شميطلي من بيروت، وطلال شرارة، أعضاء في القيادة القطرية. ثم انتخبت في القيادة القومية للمرة الاولى عام 1962 في المؤتمر القومي الذي عقد في حمص.

بعد عام 1956 أولت مصر اهتماماً أكبر بالبلاد العربية. وحضر إلى لبنان فؤاد جلال القريب من عبدالناصر في محاولة لجمع خريجي الجامعات ولتشكيل نواة حركة ثقافية سياسية تدعم شركة تأميم قناة السويس. بعد الانفصال عام 1961، رتب لي فؤاد جلال لقاء مع عبدالناصر. أبلغت عبدالناصر بالأزمة التي يمر فيها الحزب بسبب تأثير اكرم الحوراني في بعض الحزبيين ودفعه إياهم الى مخالفة موقف الحزب من الوحدة. عندما حصل الانفصال كان الحوراني أول من باركه. وأثار تصريح صلاح البيطار المؤيد للوحدة الاستغراب لخروجه على تعاليم الحزب. خالفت والدكتور عبدالمجيد الرافعي أكرم الحوراني، واعتبرنا أن الانفصال ليس حلاً لغياب الديموقراطية.

> من هم أبرز النجوم في المؤتمر القومي في حمص؟

- كان هناك منيف الرزاز وشبلي العيسمي وحافظ الأسد ومنصور الأطرش وأمين الحافظ والدكتور علي الخليل وفؤاد الركابي. واثر هذا المؤتمر، انقسم الحزب قسمين، الاول مؤيد للحوراني والثاني معارض له.

> كيف كان اسلوب عفلق في موتمر من هذا النوع؟

- كان الجميع يدعونه «الاستاذ» بمعنى المعلم. لكنه كان دائماً قليل الكلام الا اذا وضعته في حلقة صغيرة. وهو لم يكن مناسباً لأن يكون رجل دولة. وهو لم يمتلك طموحاً سياسياً ولم تهمه المراكز الحكومية.

> هل كان عفلق معجباً بعبدالناصر؟

- نعم. كان معجباً به ومؤمناً به كرجل دولة وكشخص مهم في التاريخ العربي الحديث. وفي الوقت نفسه، كان يتحفظ على عدد من أفعاله. كان عبدالناصر يخاف من البعث لأنه يملك عقيدة وتنظيماً داخلياً. كانت مواقف ميشال عفلق منسجمة مع تفكيره، وهو لم يتخل يوماً عن وحدويته.

> برأيك ما الذي أسقط تجربة البعث في العراق؟

- في اجتماع عقد في دمشق كُلِّفت إجراء تقويم للتجربة في العراق، وكان طارق عزيز أعلم مني بموضوع الأكراد فطلبت منه إعداد هذه الدراسة. وكانت بالفعل دراسة جيدة وعدّلتُ فيها بعض الأمور. في اجتماع القيادة القومية قرأت التقرير، فقال عضو القيادة إبراهيم ماخوس انه اذا أقرّ التقويم الذي قمت به فسيستقيل من الحزب ومن الأمة العربية احتجاجاً على دفاعي عن حقوق الأكراد المشروعة عملاً بمبادئ الحزب التي لا تحاسب بحسب العرق أو الدين.

> بعد مرور هذه الفترة الزمنية، في رأيك هل يتحمل عفلق مسؤولية سقوط التجربة البعثية في العراق؟

- كلا.

> وهل انحاز إلى الحرس القومي في آخر أيام الصراع؟

- كلا. ميشال لم يكن يطمح الى الحصول على مركز حكومي. وندم كل حياته لأنه شغل منصب وزير تربية ذات مرة.

> في رأيك من يتحمل مسؤولية اسقاط حكم 8 شباط؟ من ارتكب الاخطاء: علي صالح السعدي ام الحرس القومي؟

- نتج السقوط الأول للبعث، اي عند تسلم عبدالسلام عارف الحكم، عن انقسام داخل الحزب، ويتحمل علي صالح السعدي فيه مسؤولية كبيرة. علي كان مؤمناً بالحزب ومخلصاً ومناضلاً ودفع ثمن ولائه ولم يكن انتهازياً. مشكلته الوحيدة هي عدم قبوله بالرأي الآخر، وكان يعتبر ان كل من يعارضه لديه مصالح انتهازية.

> نقل عن علي صالح السعدي أنه قال: «جئنا في قطار أميركي».

- كثير من الاشخاص يعتبرون ان البعث وصل الى الحكم وفقاً لمخطط أميركي لمحاربة الشيوعية. ولكن في الحقيقة حورب البعث من قبل الغرب. وكان عبدالسلام عارف يعتمد على عبدالناصر ليؤيده وليس على الغرب.

> متى عُرض عليك منصب وزاري في العراق؟

- عام 1963. وعلى رغم اتهامي بمخالفة أوامر الحزب رفضت تسلم وزارة الإعلام.

> هل عرفت عبدالسلام عارف؟

- كان رئيساً للجمهورية عندما عرفته معرفة عابرة وسطحية. وكنت في ذلك الوقت مسؤول قسم السياسة في جريدة «البعث» (وحملت الصحيفة اسم «الصحافة» ثم «الاحرار»)، وكان علي الخليل مسؤولاً عن الناحية الادارية. وكنت أكتب الافتتاحية من دون أن أذيلها باسمي وأهاجم العسكر دائماً. كان صلاح جديد يقول: «جريدة الحزب تسبّنا ونحن يجب ان ندعمها».

> هل عرفت أحمد حسن البكر؟

- نعم عرفته. بعد الانقلاب قررنا في القيادة القومية تشكيل قيادة سرية للعراق. وكان من اعضاء هذه القيادة احمد حسن البكر وصدام حسين وطارق عزيز وعبدالكريم الشيخلي وغيرهم. ووصل الى القيادة كتاب سري من البكر يقول فيه إن وضع العراق خاص، ولتسهيل الأمور يستحسن ألا نعين في القيادة مسيحياً مثل طارق عزيز، وكردياً مثل عبدالكريم الشيخلي. بالطبع رفضنا رفضاً قاطعاً لأن هذا الكلام يعتبر خروجاً عن مبادئ الحزب، ولأن المسيحيين والاكراد عرب.

> متى رأيت صدام للمرة الأولى؟

- في زيارة لي الى مصر كقيادي قي حزب البعث، جاء صدام مع غيره من الطلاب الحزبيين لرؤيتي. وعام 1963 كان صدام عضواً في الوفد العراقي وهاجم علي صالح السعدي واتهمه بأنه غير ديموقراطي. وكان صدام يتكلم باسم الديموقراطية، ويدافع عنها. في الثمانينات عندما ذهبت إلى العراق لم أرغب في رؤيته بسبب كلامه عن الحزب الواحد أو الحزب القائد. وهذا النوع من الأحزاب كفيل بإطاحة الديموقراطية التي تشكل أساس فكر البعث.

> هل فوجئت بتبني عفلق لصدام؟

- منع السوريون عفلق من الرجوع إلى سورية عام 1966. وبعدما أخلي سبيلي سنة 1967، بقي عفلق في لبنان. وبعد الانقلاب في العراق، قصد بغداد. ولم يكن الاستاذ ميشال مطلعاً على تفاصيل الوضع العراقي. ومكث في بغداد بصفته الأمين العام لحزب البعث. لقي تكريماً وقدمت له كل مظاهر الاحترام، ولكن في السياسة لم يكن أحد يستشيره. وكان لعفلق مكتب في القيادة القومية.

في ذلك الوقت، لم تعجبني تصريحات صدام. وخلال اعتقالنا في سورية، وصلنا خبر حصول مفاوضات بين مجموعة من البعثيين العراقيين لم تكن تسلمت السلطة وحكومة صلاح جديد. ونحن اعتقلنا كقيادة قومية. وشكلت القيادة القومية قيادة موقتة في العراق، ولم تحدد مراتب أعضاء هذه القيادة. ومن أعضاء هذه القيادة: صدام حسين، أحمد حسن البكر، وطارق عزيز، وعبدالكريم الشيخلي. وبعد ذلك الوقت بقليل، تسلم البعثيون الحكم في العراق في 17 تموز (يوليو) 1968، وكان صدام نائب الرئيس أحمد حسن البكر.

تركت الحزب بعد تسلم البعث السلطة، وتصريحات صدام حسين عن الحزب الواحد والحزب القائد. واستندت في قرار الاستقالة الى استمرار الخلاف داخل الحزب، وعدم الاستفادة من تجربة 1963 وعدم تصحيح أخطاء الحزب إزاء الأكراد. وفي المعتقل حيث سجنت مع صلاح البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش، لاحظت أن التجربة المريرة التي اختبرناها لم تدعهم إلى تغيير كلامهم وأفكارهم.

> بعد سيطرة البعث على السلطة في تموز 1968، هل كان عفلق على علم بنيتهم الوصول إلى السلطة؟

- كان عفلق في البرازيل، ولا أعتقد انه كان على علم بحدوث الانقلاب، وكان مقرباً من الياس الفرزلي. انحاز زملائي في الحزب من أمثال معن بشور وبشارة مرهج إلى التيار الناصري، ولم يعارضوا مواقف الحكومة السورية العسكرية. لم يكن عفلق ضد انقلاب 1968، وكان يعتقد باستحالة الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديموقراطي، لأن النظام الديكتاتوري لن يسمح بإجراء انتخابات تودي به وتجلب الديموقراطية.

أنا متأكد من عدم معرفة عفلق بانقلاب 1968، ومن استدعاء البعثيين له لحاجتهم إلى غطاء عقائدي. فمن مميزات حزب البعث نشأته في الأوساط الطلابية. وكان ميشال عفلق وصلاح البيطار استاذين سوريين درسا في فرنسا سوياً.

> من هو مؤسس حزب البعث؟

- ميشال عفلق من دون شك. ولكن صلاح البيطار يعتبر مساعده. ولم يكونا يفترقان عن بعضهما بعضا. تولى ميشال كتابة أفكار البعث المثالية التي تروق للطلاب في سن معينة.

> كيف وقع عفلق في حب صدام، وقال عنه «صدام هبة السماء»؟

- كان صدام يتصرف عندما يتكلم مع الأستاذ ميشال كما يفعل الطلاب مع أساتذتهم. وميشال يتأثر بهذا التصرف. كان يرى قسماً من أخطاء صدام. في أول زيارة لي إلى بغداد، سمعت شكوى كل من شبلي العيسمي وعلي غنام من تصرفات صدام. وسألتهما عن سبب عدم نقل شكواهما إلى عفلق. فأخبراني انهما أطلعاه على شكواهما ولكنه طلب منهما التروي والصبر. وعندما كلمته بموضوع الشكاوى قال لي عفلق إن حال الحرب في العراق تمنعنا من توجيه الانتقاد إلى صدام. ولفت نظره إلى أن تأليه القائد لا يمت إلى البعث بشيء. فقال لي إن الجو السائد غير طبيعي وإن الحرب قائمة مع نظام أصولي يحاول خلق إمبراطورية طائفية والآن ليس الوقت المناسب لمحاسبة البعث العراقي، فصدام أكد لي أن الحزب سينفتح على سائر القوى بعد انتهاء الحرب.

> هل كانت التصفيات داخل الحزب تؤلمه وتزعجه؟

- لم يكن عفلق مطلعاً على مجريات كثير من الأمور.

> لكن تصفيات 1979 كانت معلنة وطاولت أمثال عدنان حسين؟

- لم يعرف بحقيقة الأشياء، كان يصدق الرواية الرسمية عن الأمور، ويصدق أن صهر صدام قتل على يد عشيرته، وان عبدالكريم الشيخلي اغتيل من قبل أشخاص لا ينتمون إلى النظام.

وفي زيارة عمل لي إلى بغداد عام 1989، دعاني عفلق إلى مائدته وكرر على مسمعي ما ذكرته أعلاه. ولكن عند خروجنا إلى الحديقة، بدأ بانتقاد الحكم وفرضه القيود على الحريات. وقال انه لن يثير معركة مع الحكم في الوقت الحالي. فقلت له أن تفكيري لم يتغير ولكنني لن أوالي، ومهما كانت الظروف، نظاماً مماثلاً. وقلت له يجب كتابة تاريخ الحزب بشكل موضوعي يذكر مساوئ الحزب وحسناته على حد سواء. واقترحت عليه كتابة تاريخ البعث، فأبلغني أنهم كلفوا سعدون حمّادي بذلك. فقلت له سأحضر لك آلة تسجيل تسجل عليها نشأة الحزب. وأعدك بأنك كلما انتهيت من التسجيل سأكتب ما قلته وأرسل لك نسخة منه مرفقة بأسئلتي. وافق عفلق ولكنه طلب مني رؤية سعدون. وفي ذلك الوقت أصبح رئيس مجلس النواب. وجاء جوابه إيجابياً، وطلبت منه تزويدي بكل أعداد جريدة «البعث» وجريدة «الثورة»، ومحاضر المؤتمرات. وأبلغت عفلق بموافقته، فقال لي إنه ذاهب إلى فرنسا لإجراء عملية جراحية، ووعدني بأنه عند عودته سينفذ ما اتفقنا عليه.

> أين كنت يوم توفي ميشال عفلق؟

- كنت في قطر. ووصلتني دعوة رسمية لحضور مأتمه بصفتي قائداً في الحزب. لكنني ذهبت إلى التشييع على حسابي الخاص. وألقى صدام كلمة في المؤتمر.

> هل مات ميشال عفلق مسلماً؟

- أنا أشك في ذلك، ولكن الياس الفرزلي قال لي انه يعتقد انه اسلم قبل وفاته. فأجبت الياس بصفتي محامياً مطلعاً على الشريعة الإسلامية أن الإسلام يُشهر، ولا يصح أن يكون المرء مسلماً من دون إشهار ذلك. وما زال أفراد أسرة ميشال مسيحيين. وأنا لا أسمح لنفسي أن اسأله هذا السؤال. كان عفلق يعتبر الاسلام مدخل العرب إلى الحضارة. وعلى رغم ذكائه، كان يأمل بشيء من السذاجة بقدرته على التأثير على مجريات الأمور في العراق وتصحيحها.

> هل كان أحمد حسن البكر متديناً؟

- كان مؤمناً. وكانت نظرته إلى الإسلام محافظة غير عنيفة. كان يحترم عفلق المسيحي. وكان يؤمن بأن ما يجمع المسيحيين والمسلمين هو العروبة.

> هل لاحظت معارضة عفلق للحرب العراقية - الإيرانية؟

- لم أتكلم معه في هذا الموضوع. عندما كان الخميني لاجئاً سياسياً في النجف، وكانت المعارضة الإيرانية ملاحقة من الاستخبارات الأميركية. وعندما طلبت إيران من العراق طرد الخميني من أراضيه، اضطر صدام لتنفيذ طلب إيران. نقم الخميني على العراقيين، ولم ينس طردهم له. وعندما تسلم الحكم، تحرش الجيش الإيراني بالعراقيين على الحدود. وكذلك حاول الإيرانيون اغتيال طارق عزيز.
موقف عفلق من الوحدة بين سورية ومصر بخط يده.

> هل أيد عفلق فكرة الحزب الواحد؟

- كلا، فكل تفكيره كان مخالفاً لفكرة الحزب الواحد. قلت له أنت رمز الحزب ولا يجوز ان تسكت عن النظام الديكتاتوري. كان منزعجاً، ولكنه انسان يحارب بفكره، ولا يحارب بالجسم. ولا يستطيع المرء ان يجد مأخذاً على كلام عفلق أو أي خطأ فكري. وقد يكون مرد ذلك، تعرضه للإهانة خلال اعتقاله في ظل انقلاب الحناوي. وكذلك لم يمتلك عفلق قوة جسدية، فهو نحيل، «وصحته على قده» على ما يقال. ويرفض عفلق الكلام بسرعة ومن دون تفكير. وكان يتأنى قبل أن يتحدث.

> هل كان عفلق شجاعاً؟ وماذا عن نزاهته؟

- لم يملك الشجاعة الجسدية، ولكنه امتلك الشجاعة الفكرية. عاش عفلق فقيراً ومات فقيراً. كانت حياته عادية جداً، لم يقتن سيارة أبداً، ولم يمكث في فندق فخم. كل حياته بسيطة. وعلى رغم كون حزب البعث حاكماً في سورية، كان بيت عفلق في الشام متواضعاً جداً. مأخذي الوحيد على عفلق هو قلة جرأته في استعمال نفوذه الفكري في الحزب لدرء ممارساته الديكتاتورية. فعندما رأى ما يحصل في الحزب غادر إلى البرازيل قبل حادثة القبض علينا في أيام صلاح جديد. فطلبنا منه العودة. وعندما يطرح المرء سؤالاً عليه، لا يحصل على اجابة فورية.

> حازم جواد يقول إنه شاهد عبدالكريم زهور وجمال الاتاسي في غرفة من غرف القصر الجمهوري منهمكين في كتابة خطاب علي السعدي. وأثار هذا الخطاب غضب عبدالناصر. ويعتبر حازم جواد ان عفلق حمّل السعدي خطاباً مفخخاً. ما رأيك في هذا؟

- لا علم لي بهذه الحادثة. كلفني عفلق نقل رأيه القائل بوجوب عودة الوحدة، والاقرار بوجود أخطاء مشتركة إلى كمال رفعت. واعتبر ان خطيئة الحاكم أكبر من خطيئة المحكوم. قابلت عبدالناصر وحدثته عن وضع الحزب. وطلب مني أن أبقى على اتصال به. وأصبحت صلة وصل بين الحزب وعبدالناصر.

> من كان المقربون من عفلق؟

- أحياناً كان يرتاح لأشخاص غير حزبيين أكثر من ارتياحه للحزبيين من أمثال الياس الفرزلي وشقيقه نقولا ومعن بشور وبشارة مرهج وليلى عسيران. كان ميشال يحب الياس. وقال لي عفلق مرات عدة: «أنت أكثر شخص مؤهل للحلول مكاني». كان باب منزله مشرعاً لي في كل ساعات النهار، وعشية الوحدة خالفت والقيادة في لبنان الموقف السوري، وانتقدنا قرار عفلق والبيطار حل الحزب في سورية. واعتبر عفلق أن الوحدة تستحق التضحية بالحزب. ولكن هل من الممكن صناعة وحدة بحكم فردي. وعلى رغم أن شخصية عبدالناصر شخصية عملاقة أعطت للعرب قيمة في العالم، لكن نظامه كان مبنياً على الاستخبارات.

> هل كان دور شبلي العيسمي مهماً؟

- كان العيسمي مسالماً ونابذاً للعنف. وعلى سبيل المثال، كان لي في مؤتمر حمص موقف عنيف يرفض تدخل الجيش في السياسة. أما شبلي فوافقني، وفي الوقت نفسه وافق من يؤيد تدخل الجيش في السياسة. في انتخابات القيادة القومية عام 1962، لم يحصل على أصوات الحزبيين فقط، بل على أصوات من هادنهم كذلك. وما أقوله لا ينتقص من كونه حزبياً أصيلاً. حصد العيسمي غالبية الأصوات لأنه سوري مستعد لمهادنة جميع الأطراف. ولم تتلطخ يداه بسرقة المال، ولم يستغل مركزاً ليصنع ثروة شخصية خاصة به. فجيل الحزبيين الذي انتمى إليه العيسمي يلتزم بالمثاليات. وكان ثمن تحزب المرء في تلك الأيام غالياً، فيتعذر عليه إيجاد وظيفة، ويتعرض للملاحقة والمضايقات.

> ماذا شعرت يوم سقط نظام صدام حسين؟

- إذا كان الشعب العراقي هو من أسقط نظام صدام فأنا لن أحزن لسقوطه. واعتقد أن الهجوم على العراق لا يمت إلى إرادة إسقاط الديكتاتورية بصلة. فتاريخ أميركا الحديث يقوم على دعم الديكتاتوريات على غرار أنظمة أميركا الجنوبية، وحكم ماركوس في الفيليبين، والشاه في إيران. وأنا كنت ضد هذا النظام كلياً. ولكن أرفض أن تقوم دولة أجنبية بإسقاطه.

> هل كان عبد الناصر يحب عفلق ويقدره؟

- نعم، فعبدالناصر يعرف ان عفلق هو والد حزب البعث. وعلى رغم ان البعث كان أول من دعا إلى الاتحاد مع مصر، كان عبدالناصر يعتبر ان عفلق يشكل عثرة. وبعد الوحدة تولى عبدالحميد السراج الحكومة السورية، وخلفه عبدالحكيم عامر نائباً لرئيس الجمهورية. وطالب عفلق أن يكون أعضاء البعث شركاء في الحكم. لم يرق هذا المطلب لعبدالناصر. وكان يريد أن يكون البعثي شريكاً له شرط ان يكون هو القائد.

> هل كانت لعفلق صداقات مع لبنانيين؟ وهل كان على معرفة بكمال جنبلاط؟

- التقى عفلق كمال جنبلاط في اجتماعات جمعت بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب البعث. وكان الاحترام بينهما متبادلاً.

ياسر عرفات خلال زيارة لعفلق في بغداد.
> هل ربطت عفلق علاقة شخصية بياسر عرفات؟

- لا أظن أن علاقة شخصية قامت بينهما، ولكن كانت هناك علاقة بين الحزب وياسر عرفات. فخالد يشرطي كان بعثياً وعضواً في حركة «فتح».

> هل كانت لعفلق علاقات عربية؟

- كانت له علاقات مع أحزاب عربية على غرار حزب المعارضة المغربي. فالمهدي بن بركة درج على زيارة العراق. وذات مرة حضر إلى بيروت للاجتماع بي. وما زال ما حصل بيننا «عقدة حياتي». فهو رفض أن أحجز له في فندق خوفاً من اغتيال الاستخبارات المغربية له، وطلب مني تأمين منزل آمن له. عرضت عليه المجيء إلى منزلي فرفض لأنني معروف ووضعي صعب كوضعه. فسألت مي جنبلاط تأمين شقة له، وفعلت. وأثناء إقامته، مازحته بشكل ساخر حول مخاوفه من الاغتيال. وبعد ايام قليلة على مغادرته بيروت، اختفى في باريس. ولمت نفسي كثيراً على مزاحي واستخفافي بمخاوفه. كانت للمعارضة التونسية علاقات مع حزب البعث. وكان كثير من المثقفين الليبيين على علاقة بعفلق. كانت كل الاحزاب تحب الاتصال بعفلق لسهولة مقابلته.

> هل أنت نادم على الأيام التي قضيتها في حزب البعث؟

- ما يحزنني هو حمل الحزب رسالة لم تتحقق. فلو لم يسيطر العسكريون على البعث لنجح الحزب في تحقيقها.

> هل سادت كراهية شخصية بين صلاح جديد وعفلق؟

- كلا، كان صلاح جديد يحافظ على هدوئه في كل الظروف. ولم يطمع بالمال، فلم يغير منزله القديم بعد وصوله إلى الحكم. وحكم سورية من خلف الستار، ولم يعين نفسه أبداً وزيراً. كان صلاح جديد ذكياً، ويخطط لكل خطوة بإحكام. وذات مرة زارني صلاح جديد المعروف بتواضعه الجديد في مكتبي في القيادة القومية، وقال لي إن عفلق هو والد الحزب ورمزه، ولكنه لا يصلح لقيادة حزب يحكم دولة. ونحن نعتبر أنك الشخص المهيأ لتولي أمانة الحزب. فرجوته ألا يعود أبداً إلى الحديث في اقتراحه هذا، فتقرير أمين الحزب من صلاحيات المؤتمر القومي، وليس من صلاحياتك أو صلاحياتي. وبعد هذه الحادثة حقد عليّ صلاح جديد. وتدهور الوضع مع العسكريين اثر ازدياد وتيرة كلامي عن عدم جواز تدخل الجيش في الحكم. قررنا الانفصال عن الحكم والاهتمام فقط بالحزب القومي. وبات واضحاً ان صلاح جديد أصبح محرك الجيش. في جلسات لتعيين وزراء الحكومة، رأى صلاح البيطار وميشال عفلق ان محمد عمران يناسب وزارة الدفاع فرتبته في الجيش أعلى من رتبة صلاح جديد. عارضت ومنصور الأطرش هذا الرأي لأننا أردنا تفادي إثارة حفيظة العسكر وتأجيج مخاوفهم من احتمال انتقامنا منهم بتصفية صلاح جديد ومحمد عمران وغيرهما. واقترحت ومنصور التشاور مع حافظ الأسد الذي كان يومها عضواً في القيادة القومية. وأراد أمين الحافظ استبعاد طائفة من تولي وزارة الدفاع. قصدت ومنصور حافظ الأسد في منزله، وقلنا له إننا نفضل تسلمه وزارة الدفاع ليعمل على تهدئة الأوضاع. وقال الأسد إنه لن يترك منصبه في قيادة سلاح الطيران. وفي اليوم التالي، اعتذر حافظ الأسد عن عدم القبول بالمنصب بعد تشاوره مع زملائه. فأدركنا أن العسكريين سيستولون على الحكم. أكد المقدم نزار الجندي استنتاجنا. وحاولت العودة إلى بيروت، فوجدت ثلاثة من إطارات سيارتي ممزقة. ومكثت في الفندق تلك الليلة وبدأ الضرب ليلاً. في الصباح وجدت مقر القيادة القومية مطوقاً بالجيش. وذهبت إلى القيادة القطرية حيث جلست مع الزملاء الذين انسحبوا الواحد تلو الآخر وأقفلوا الباب عليّ. وتبادلت الكلام مع الزملاء قبل انسحابهم من الغرفة، وأعربت عن أسفي لرفع البعثيين السلاح بعضهم على بعض. وفتح حافظ الأسد الباب، وسألني عن سبب حضوري. فأجبته لاقتراح وقف إطلاق النار. فقال لي: لا صلة للقيادة القومية بما يحصل، ويجب عليك ومنصور تهدئة قيادتكم ودفعها إلى عدم التدخل. ذهبت وحافظ الأسد إلى منزل منصور الذي لم يكن موجوداً، وطلبت من زوجته إبلاغه بوجوب الاجتماع مع الفريق الأسد للتوصل إلى حل إيجابي. أوصلني حافظ الأسد إلى الفندق وأعطاني رقم هاتفه المباشر لأتصل به عند الالتقاء بمنصور. اتصل بي منصور وابلغني أنه لن يعود إلى منزله حالياً، ولكنه يقبل الاتصال بحافظ الأسد. اتصلت عشرات المرات بحافظ الأسد فلم يرد عليّ. فذهبت إلى القيادة القطرية، ووجدت صلاح جديد وحافظ الأسد وكل أعضاء القيادة القطرية التي حلتها القيادة القومية في اجتماع. وقالوا لي أن انتظاري سيطول، ولذلك سيقلوني إلى فيلا أرتاح فيها. وكانت هذه الفيلا تابعة لوزارة الدفاع في شارع القصور. وبعد يومين أو ثلاثة على وصولي إلى هذه الفيلا التي لم يسمح لي بمغادرتها، وصل كمال ناصر، وهو شاعر البعث. وملأ صراخ كمال ناصر المكان، وقال لي أنه أجبر على المجيء. وتأسف كمال لما آل إليه نضالنا في البعث، وتحوله إلى نظام حكم عسكري. فقلت له أن كل الحركات الثورية يصيبها ما أصابنا. فقال لي ان الثورة هي مؤنث الثور، وألقى علي بيت الشعر التالي: «وصرخت يحيا الشعب، ونظرت حولي فلم أجد سواي». ثم جاء المعتقلون إلى الفيلا الواحد تلو الآخر: صلاح البيطار، ومنصور الأطرش، وشخص نسيت اسمه الأول ومسعود الشابي من تونس. حاولت الاتصال بحافظ الأسد من الفيلا مدة خمسة أيام، ثم قررت الاضراب عن الطعام. فقال لي زملائي المعتقلون أن الإضراب عن الطعام لن يجدي مع العسكر. اعتقل مئات من البعثيين، ووصل خبر إضراب القيادة القومية عن الطعام فحصل إضراب عن الطعام في كل سجون سورية. فأرسل إلي كتاب من وزارة الداخلية يعين موعد محاكمتنا في تشرين الأول، أي بعد ما يقارب ستة اشهر. فأوقفنا الإضراب عن الطعام بعد تسعة أيام. وأصر كمال ناصر على مشاركتي غرفتي، فقلت له إنني لا أنام ليلاً بل انصرف إلى القراءة. في أول إضراب عن الطعام، أرسل حافظ الأسد سيارة أقلتنا إلى وزارة الدفاع حيث سألنا عن سبب الإضراب. فأجبته: حاكمونا. فقال لنا: عليكم الانتظار إلى أن تحل الأمور. وكان يزورنا في الفيلا مرة كل شهر، وأعطى تعليمات بالسماح لعائلتي بزيارتي. وكان أمين الحافظ ومحمد عمران موقوفين في سجن المزّة.

فكرنا في الهرب من الفيلا بعد درس تحركات الحراس. وكان سليم حاطوم يزور باستمرار منصور الأطرش. وطلبنا من عبدالمجيد الرافعي سائلاً منوماً. ووضعنا المنوم لرجل الاستخبارات المقيم معنا. اتفقت وصلاح البيطار وشبلي العيسمي على الهرب. ورفض منصور الهرب لكي لا تعتقد السلطات أن سليم حاطوم هو الذي سهل هروبنا. فقررت عدم الهرب. اتفق شبلي العيسمي وصلاح البيطار على عدم الإفصاح عن المكان الذي سيقصده كل منهما بعد الهرب. وجن جنون رجل الاستخبارات بعد استيقاظه لهرب البيطار والعيسمي. وقصد كل منهما لبنان.

وفي محاولته الانقلابية، اعتقل سليم حاطوم صلاح جديد، ثم أفرج عنه. وفشلت محاولة حاطوم وأعدم. وعلمت لاحقاً ان منصور الأطرش بعث بإنذار إلى معتقلينا، وحذرهم من ردة فعله وجماعته في حال وفاتي جراء إضرابي عن الطعام. وأفرج عنا في حرب الأيام الستة. وفي 5 حزيران 1967، أطلق الجنود السوريون النار من جوار معتقل القابون أملاً بقصف الإسرائيليين لنا. على أثر الاستياء العارم من خسارة الجولان بعد ثلاثة أيام من بدء المعارك، أذيع خبر الإفراج عن أعضاء القيادة القومية وعودتها إلى ممارسة عملها في قيادة الحزب. تركت المعتقل واتجهت الى الحدود اللبنانية حيث علمت أن مذكرة توقيف صادرة بحقي. وفي لبنان رفضت تسلم قيادة الحزب. ورفضت الذهاب الى بغداد لأن تصريحات صدام عن الحزب الواحد تخالف مبادئ البعث الأساسية.

> ألم يوافق عفلق على كون البعث حزب الدولة الواحد؟

- كلا لم يوافق على ذلك. ولكنه كان مقتنعاً أنه يستطيع اقناع صدام بالعدول عن منهجه.

> هل صدر حكم بإعدام عفلق في سورية؟

- كلا، لم يصدر حكم مماثل بحقه. فالإعدام كان من نصيب مجموعة سليم حاطوم فقط. وحاول الحكم في سورية نسب تأسيس البعث إلى زكي الأرسوزي لمحو دور عفلق. وكان الارسوزي من لواء الاسكندرون. ولم يعد لحزب البعث في لبنان الاستقلالية في القرار عن القيادة القطرية. وكان قسم كبير من العسكريين في سورية يكرهون عفلق.

> هل دارت نقاشات حادة بين عفلق والعسكريين السوريين؟

- كان موقف عفلق من السوريين قوياً. حافظ الأسد وأمين الحافظ كانا العسكريين الوحيدين في القيادة القومية، وكان حافظ الأسد يظهر الاحترام لعفلق ويتجنب الدخول في مواجهة معه. ولم يكن الأسد يستند إلى انتمائه إلى العسكر عند تصويته على القرارات الحزبية. وعام 1975، قصدني صلاح البيطار وأبلغني أن حبيب الشويري، والد نبيل الشويري ووالد زوجة منصور الأطرش، يحتضر. وطلب مني البيطار التوسط عند حافظ الأسد للسماح لنبيل الشويري، اللاجئ في لبنان والصادر بحقه حكم بالإعدام، بزيارة والده المحتضر في سورية. لكنني كنت مطلوباً في سورية. اتصلت بالإمام موسى الصدر الذي كانت تربطني به صداقة، وطلبت منه أن يطلب لي موعداً من حافظ الأسد. ثم ذهبت إلى سورية مع موسى الصدر. ولم اسلم جواز سفري على الحدود، ومررت على الخط العسكري لمرافقتي الإمام موسى الصدر. واتضح لي في طريق الذهاب إلى سورية أن الصدر كان تقدمياً اكثر من كل رجال الدين في لبنان. استقبلني حافظ الأسد استقبالاً حاراً، وقال لي: لماذا لا نسمع صوتك؟ فقلت له: وهل أبقيتم صوتاً لأحد؟ وأضاف الاسد أنه لا يصدق أنني عزفت عن طرح أفكاري. فقلت له أنني لم أتخل عن أفكاري ولكنني لم أعد ناشطاً سياسياً. ودعاني إلى زيارته بعد أسبوعين لتمضية الوقت معه والدردشة. وبعد أسبوع من زيارتي له، دخل الجيش السوري إلى لبنان، فلم أذهب إلى سورية.

> ماذا تعرف عن تجربة عفلق في البعث السوري والحكم؟

- كان أول لقاء لي مع عفلق في اجتماع للحزب التقدمي الاشتراكي في منطقة شتورة في النصف الأول من خمسينات القرن المنصرم. وعندما انتسبت إلى البعث، زرت الاستاذ ميشال مرات كثيرة. مرحلة الانقلابات السورية تركت أثرها في عفلق الذي أخذ يشعر بعدم جواز خروج العسكر عن إطار عملهم. وكان الضباط السوريون الشباب متأثرين بأفكار حزب البعث. وكان لهؤلاء الضباط موقف سلبي من عبدالناصر الذي استبعد جميع الضباط الذين يرتبطون بأحزاب سياسية. وبارك العسكريون الانفصال فور حصوله.