رسالة الرائي

فليس ذنب النحاس، إذا استيقظ بوقاً. وهذا واضح لديّ: أنا أشهد تفتّح فكري: أرقبه، أصغي إليه: وما إن يمسّ قوسي الوتر، حتّى تهتز السمفونيّة في الأعماق، أو تثب وثباً على المسرح.
فلو لم يقتصر اكتشاف الحمقى الهرمين على المعنى الزائف للـ"أنا"، لما كان علينا أن نكنس هذه الملايين من الهياكل العظمية، التي كُدّست منذ زمن سحيق نتاجات أذهانها العوراء، متبجّحة بأنّها مؤلِّفة إيّاها.
.. كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكارَه بشكل طبيعي. كان الناس يجمعون بعض ثمار الدماغ هذه، فانطلاقاً منها يعملون ومنها يكتبون كتباً: وهكذا استمرت الأمور، الإنسان لا يشتغل على نفسه، ذلك أنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير. موظفون، كتّاب: أما المؤلف، المبدع الشاعر، فهذا الإنسان لم يوجد قط! أول ما يدرسه الإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو أن يعرف نفسه معرفةً كلّية؛ أن يبحث عن نفسه، يتفقدّها، يغويها، يتعلمها. وحالما يعرفها عليه أن يرعاهاوهذا يبدو بسيطاً، ففي كل دماغ يتحقق تطور طبيعي.
هناك أنانيون كثر يسمّون أنفسهم مؤلفين. وآخرون ينتحلون تقدّمهم الفكري. ولكن المسألة هي أن نصنع النفس الوحش: كما يفعل الكومبراجيكوس**. تصوروا إنساناً يغرس ويزرع الثآليل على وجهه.
أقول أن على المرء أن يكون رائياً. عليه أن يجعل من نفسه رائياً. فالشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس طويل هائل لكل الحواس. لكل أشكال الحب، الألم، الجنون. يبحث بنفسه، يستنفد كلّ السموم في نفسه ولا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يدرك المجهول، إذ أنه قد يثقّف نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما، وقد جُنّ، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن رؤاهُ، يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها! فسوف يأتي عمّال فظيعون آخرون سيبدأون عند الآفاق التي أذعن عندها الآخر.

إذن، فالشاعر حقاً سارقُ النار.

الإنسانية كلّها في عهدته، حتّى الحيوان. عليه أن يجعل اكتشافاته، تُشم وتُحس وتُسمع. فإذا كان الشيء الذي أتى به من هناك له شكل، أعطى شكلاً، وإذا كان بلا شكل، أعطى اللاشكل. المسألة هي أيجاد لغة، وبما أن كل كلام فكرةٌ، فإن زمن اللغة الكونية آتٍ. فليس باستطاعة أحد عدا أكاديمي - أكثر موتاً من حيوان متحجر - أن ينجز قاموساً مكتملاً لأي لغة كانت. إن أتفق أن تشرع العقول الواهنة في التفكير بالحرف الأوّل للأبجدية، فسرعان ما يصيبها الجنون.
هذه اللغة ستكون خطاب الروح للروح، مستوفيةً كلّ شيء، العطور، الأصوات، الألوان، لغة فكرٍ يتشبّث بفكر ويسحبه. يحدد الشاعر كمية المجهول التي تنهض في زمنه، في النفس الكونية. سيعطي أكثر من صيغة فكره، أكثر من كتابة مسيرته نحو التقدّم. فظاعة أصبحت قاعدة يتشربها الجميع. سيكون الشاعر حقّاً مضاعف التقدّم!
سيكون هذا المستقبل مادياً، كما ترى. وهذه القصائد المليئة دوماً بالعدد والتناسق، سوف تُكتب لتبقى. وفي الواقع، إنّها ستكون شعراً إغريقياً، بشكل ما .
سيجد هذا الفن الخالد وظائفه، إذ أنّ الشعراء مواطنون. لن يكون الشعر إيقاع فعل، إنّما سيستبقه.
هؤلاء الشعراء سيولدون. وعندما تنتهي عبودية المرأة المطلقة، وحينما تكون المرأة قادرةً على أن تعيش لذاتها وبذاتها، وعندما تنال حرّيتها من الرجل - البغيض لحد الآن - سوف تكون شاعرةً هي الأخرى.؟ ولسوف تكتشف المجهول، فهل تكون عوالمُ أفكارها مختلفةً عن عوالم أفكارنا؟ سوف تكتشف أشياء غريبة، لا يمكن سبر غورها، أشياء مرعبة وشهيّة، أشياء سوف نتبناها، سوف نفهمها.

 

أرثور رامبو