حركة 23 شباط 1966 ( 7 )

ثالثا :في مجال السياسة الدولية :
ملامح عامة :
ـ انقسام العالم إلى معسكرات تبعا للظروف الدولية والحاجات الاقتصادية والروحية لدى الشعوب وهذا الانقسام قلق غير مستقر ،يتبدل ويتغير في أزمنة السلم والحرب.
ـ انحسار الاستعمار العسكري ، بسبب :
أـ تعاظم قوة الشعوب على مجابهة التحديات الإمبريالية بشكل قوي وفعال .
ب ـ انعدام الحاجة غير المشروعة لهذه المناطق المستعمرة بسبب وسائل الدمار .
ـ من مصلحة الشعوب المستضعفة أن تظل الصين على تحديها للإمبريالية العالمية ،لأن هذا التحدي يضعف الإمبريالية عسكريا ويفقدها هيبتها الاستعمارية.
ـ من مصلحة الشعوب المستضعفة أن تستفيد من فتح الاتحاد السوفييتي أبوابه عليها ،ولظروف الاتحاد السوفييتي ووجهة نظره في اتباع سياسة التعايش السلمي ،اكتفى في تحديه للإمبريالية بتقديم العون المادي أو المعنوي في الحدود التي لا تتطور إلى حرب عالمية.
ـ إن التناقض بين الصين والاتحاد السوفييتي ، أضعف من قدرة المعسكر الاشتراكي على التحدي .
ـ إن مصلحة الشعوب المستضعفة أن تكتل نفسها في أطر سياسية تساعد على كسر طوق الاستعمار وبناء بلدانها .
أساليب الاستعمار :
أولا ـ إن الدول الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة وإنكلترا اتبعت أساليب متعددة لعرقلة التطور العالمي وإطالة أمد تحرر البلدان المتخلفة ، فهي :
أ ـ أعطت فلسطين لمجموعات من شذاذ الآفاق ، وأمدتها بما هو فوق طاقتها من عتاد وسلاح لتهدد الوجود العربي ، ولتضطر العرب إلى البحث عن السلاح دفاعا النفس وفي سبيل استرداد الأرض المغتصبة، مفضلين ذلك على النماء والتطور الاقتصادي والاهتمام بالمشاريع الحيوية .
ب ـ قسمت ألمانيا ، وشبه الجزيرة الهندية .
ج ـ أقامت دولة جنوب أفريقيا ، ودولة روديسيا العنصريتين في القارة الأفريقية .
ثانيا ـ تسلل الاستعمار إلى كتلة الحياد الإيجابي ومحاولته الإفادة من هذه الكتلة في تنفيذ مخططاته .
ـ النضال ضد الاستعمار ، أخذ طابعا مستقلا ،وخاضت الشعوب في العالم الثالث ، معاركها بمعزل عن الصراعات الدولية ، وكانت حريصة دوما على عدم تصنيفها في صف أحد المعسكرات .
ثالثا ـ الدأب المستمر للدول الإمبريالية من أجل السيطرة على خيرات الدول النامية وتعويق تطورها ، وحرصها على إبقاء الشعوب المستضعفة مجزأة ومقسمة إلى دويلات صغيرة .
رابعا ـ اتباع الإمبريالية الدولية ، أسلوب ترويض الأحلام القومية والثورية للشعوب المستضعفة بمنامات البطولات الفردية التي يمارسها الحكام الفرديون لإبقائها متخلفة .
ـ إن الشعوب المتخلفة التي يستطيع حكامها أن ينقذوها من ( خرافة المعجزة القيادية ) ليفتحوا أعينها على إمكانات الواقع ، هي الشعوب التي تقوى على مقارعة واقعها المتخلف بكل ما تملك من قوة وصبر وعطاء .
ـ إن الحكام لا يجوز أن ينساقوا بأساليب الاكتفاء بضبط الأمن , وإظهار أبهة الدولة التي يحكموها , وعظمتها الفارغة متجاهلين الهوة الفاصلة بين مجتمعاتهم والمجتمعات الإمبريالية والمسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتقهم لتقليص الهوة ومحوها.
ـ عندما أدرك الاستعمار أن عروشا وجمهوريات غالية على قلبه انتهى دورها المرسوم ، وجدت الإمبريالية الدولية صمام الأمان في ( الثورة الأكذوبة ) و ( الثائرين المشعوذين ) حتى لا تحل الكوارث بمصالحها ، وهذا ما حصل في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا ، ، ظنا منه أنه بذلك يقطع الطريق على الحركات الشعبية الثورية التي تكافح لتضع شعوبها في طريق الحرية وفي دروب التقدم والقوة .
خامسا ـ اتبعت الإمبريالية العالمية أسلوب زعزعة ثقة العالم المستضعف بنفسه وتشكيكه بالأساليب الثورية التي ينتهجها لبناء نفسه ومستقبله , وذلك عن طريق تركيز جهوده وأمواله في نقاط واهنة من العالم المستضعف قابلة لإقامة السفاح الدولي فوق أراضيها ومنصرفة إلى مباذل الحياة الإنسانية عن التطلع إلى المستقبل القومي والإنساني الكريمين .
سادسا ـ اتبعت الإمبريالية العالمية الأسلوب الثقافي الموجه الهجين لعرقلة التطور في البلدان المستضعفة ، وتشويه مثقفي الشعوب المستضعفة واقتلاع جذورهم من التربة التي نشؤوا عليها وإبعادهم عن القضايا التي تعيشها شعوبهم ، وخلق ما يسمى ب ( طبقة المثقفين ) ، تصبح عالة على شعبها ، وتنقطع عن التطلعات الثورية ، تحت ستار كثيف من الانهزامية .
سابعاـ التناقض في المعسكر الإمبريالي :
إن طبيعة النظام الرأسمالي وجشعه يحمل بين طياته بذور التناقض والانقسام الحتمي ، وإن بدت قدرته في كثير من الأحيان على تجاوز تلك التناقضات والحفاظ في فترات كثيرة على وحدته في صراعه مع القوى الاشتراكية النامية المعبرة عن تطور التاريخ نحو التقدم .
ـ انعكاسات السياسة الدولية على الوطن العربي .
أ ـ انعكاسات المعسكر الإمبريالي على المنطقة :
ـ الحفاظ على المصالح البترولية قبل كل شئ .
ـ دعم< إسرائيل> لتكون القاعدة الأساسية والأخيرة للولايات المتحدة والحارسة للاحتكارات الاستعمارية في المنطقة .
ـ دعم الأنظمة العسكرية والفردية في المنطقة ، واصطناع بعض الصفات التقدمية الكاذبة لإلهاء الجماهير وامتصاص نقمتها من جهة ، ولعزلها عن النضال اليومي في سبيل قضاياها مما ينقص المناعة الثورية لدى الجماهير .
ـ التعاون المشترك بين الرجعية العربية والإمبريالية الأمريكية -الإنكليزية .
- إطلاق السعودية في الجزيرة العربية وتسليحها لحماية المصالح البترولية في المنطقة .
ـ تحويل الأردن إلى قاعدة رجعية وتغذية مطامح الملك حسين في السيطرة على سورية والعراق .
ب ـ انعكاسات السياسة السوفيتية على المنطقة :
ـ تنطلق السياسة السوفيتية من خلال فكرة استبعاد الحرب العالمية ومن العقيدة الشيوعية
ـ دعم الأنظمة المعادية للاستعمار ودعم الدول التي تسير في التطور اللا رأسمالي , وتعتمد الاتجاه الاشتراكي ، على أن لا يصل المد الثوري إلى مرحلة خطيرة تهدد بخوض معركة مباشرة مع الاستعمار قد تؤدي لحرب عالمية لا يريدها الإتحاد السوفيتي .
ـ إبعاد السيطرة الإمبريالية عن المنطقة ،ويظهر هذا خاصة في الوطن العربي نظرا لقربه من حدود الاتحاد السوفيتي ، ولكونه مركزا استراتيجيا أساسيا في تطويق الاتحاد السوفيتي ، بالإضافة لموارده البترولية الضخمة .
ـ تأييد الحركات الشيوعية في المنطقة ، ودعم الحركات الوطنية ، اعتقادا منها بأن التحويل الاشتراكي ومكافحة الاستعمار يمكن أن يتم عن غير طريق الأحزاب الشيوعية .
ـ تغيير الموقف من قضية فلسطين من خلال وضوح الحركة الثورية العريية كحركة اشتراكية مناهضة للاستعمار في المنطقة وقادرة على الصمود في وجهه.
ـ محاولة منع الحركات الثورية في الوطن العربي من التشدد والتزمت والأخذ بمنطق الصين .
ج ـ انعكاس سياسة الصين الشعبية :
- تميل الصين إلى الالتزام المبدئي في سياستها الخارجية وتتجه إلى التشدد الكامل في المواقف ضد الاستعمار وضد الانتهازية السياسية ويتجلى هذا في موقفها الواضح الصريح من قضية فلسطين .
ـ تدرك الصين أنها لا تستطيع أن تحل في مجال التسليح والمساعدة الاقتصادية للدول العربية ولهذا فهي لا تطمح إلى دفع الدول العربية التقدمية لمعاداة الاتحاد السوفيتي وانتهاج سياسة التزمت والتشدد دون مقومات واقعية .
د ـ دول عدم الانحياز :
ـ محاولة هذه المجموعة ، عدم استغلالها من أي من المعسكرين ، والحفاظ على الهوية الوطنية لدولها .
ـ موقف الحزب وسلطته .
ـ النضال مع شعوب العالم لإلغاء القواعد العسكرية وجلاء كل الجيوش الأجنبية.
ـ محاربة الأحلاف الاستعمارية
ـ وقف سباق التسلح العالمي .
ـ العمل ضمن مجموعة دول عم الانحياز ، لدفعها في الطريق الواضح للنضال ضد الاستعمار وتحويلها إلى قوة فاعلة تؤثر بشكل جدي في الأحداث الدولية لمصلحة الحرية والتقدم .
ـ التعاون مع كل الدول الاشتراكية وتعزيز الصلات معها .
ـ الوقوف في وجه الاحتكارات الرأسمالية والدولية ومحاربتها لمنعها من السيطرة على العالم .
ـ اللقاء مع كل القوى والحركات التقدمية في العالم .
ـ العمل الدائب على فضح الحركة الصهيونية في العالم وارتباطها مع الاستعمار .
ـ الاستفادة من مواقف الاتحاد السوفيتي من أجل تشديد الهجمات على الاستعمار .
ـ الاستفادة من مواقف الصين المبدئية بالنسبة لقضية فلسطين والوحدة العربية في جميع المجالات .
3ـ في مجال التنظيم الحزبي :
ـ اعتبار مقررات المؤتمرات الحزبية ( القومية والقطرية و خاصة مقررات المؤتمر القومي السادس وبعض المنطلقات النظرية الصادرة عنه ) بدءا وأساسا يجب العمل على تعميقها وتطويرها واغنائها من خلال النضال والعمل الدؤوب لتتكامل في إطار نظري يستوعب ويجاري تطلعات الجماهير العريية في بناء المجتمع الاشتراكي العربي الموحد .
ـ الإخلاص الكامل في التطبيق للديمقراطية المركزية ضمن الحزب والحرص على المؤسسات الحزبية واحترامها ومنع كل تجاوز لها أو محاولة تخطيها والالتزام الكامل بالمقررات الصادرة عن المؤتمرات الحزبية وتنفيذها بحزم ودون تردد .
ـ التزام الصراحة التامة والوضوح الكامل مع القواعد الحزبية والجماهير الشعبية ومنظماتها واطلاعها على كل الظروف والملابسات الداخلية والعربية والدولية وشرح المصاعب والعقبات التي تعرقل السير الحثيث نحو الأهداف القومية والاشتراكية للمساهمة في إيجاد الحلول والنضال لتحقيقها .
ـ الوقوف بحزم ضد الوجاهة العقائدية لبعض الحزبيين التي تستغل كجواز مرور للوصول إلى منصب معين ، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بنزع كل المنافع المادية التي لحقت بالرفاق الحزبيين خلال المرحلة الماضية .
كان توحيد رؤية القيادة القطرية المؤقتة .حول الأزمة والمهمات المطروحة أمامها في كافة المجالات ، وتوضيح الصعوبات التي تقف عائقا أمام تحقيقها ، شرطا ضروريا لوحدة القيادة والحزب ، وكانت هذه الرؤية هي العمود الفقري للتقارير التي ستقدم إلى المؤتمر القطري أوالقومي في دورته الاستثنائية .ولكن الموقف المتعنت والرافض الذي وقفته القيادة القومية من دعوة أي من المؤتمرين ، أخر تقديم التقارير إلى حين انعقاد المؤتمر القطري بعد حركة 23 شباط .
ولقد تبين بعد حركة 23 شباط ، أن تصورات القيادة للمرحلة القادمة لم تكن قد مست حتى مسامع بعض أعضائها ، وإنما كانوا يعملون لتحقيق مطامحهم الشخصية ، وأن لهم حساباتهم الخاصة ، كما أنهم بدؤوا يتململون من عبء النضال الواجب قيادته ضد الإمبريالية والصهيونية ويدعون إلى الاستكانة ، وبدل النضال بدأ هذا البعض يفكر في السلطة ومغانمها وما تجلب من ثراء وجاه
دواعي التفكير بالعمل العسكري
كان جهد القيادة القطرية المؤقتة ، منصبا نحو ترسيخ دور المؤسسات الحزبية صاحبة الصلاحية في حل الأزمة ولم يكن في توجهاتها اللجوء إلى أساليب بديلة ، ولكن الأمور على مستوى الحزب والحكم أخذت تتدهور بشكل متسارع ، كما كانت أجواء القيادة القومية تتأزم باستمرار ووجهات نظر أعضائها تتباين وتتباعد ، كما بدأت الانقسامات تظهر بين أبرز أعضائها ،وأخذ البعض منهم يشكك بنوايا البعض الآخر ، وكان الأستاذ ميشيل يرى أن مناورات اللواء عمران تعطل كل إمكانية لحسم الأمور ويتهمه بأنه يعمل على تعزيز الانقسام داخل صفوف القيادة ويتهم الأستاذ صلاح بأنه لم يكن يعرف الهدف من قرارات 21/12 إذ كان يصر على أن تصحيح الحكم مفتاح لتصحيح الحزب وأنه لم يطلعه على مضمون المقالات التي كتبها في جريدة البعث ولا على توقيت نشرها ، وفهمت وكأنها أيديولوجية تيار القيادة القومية - وكانت عودة إلى القديم متجاهلا ما طرأ من تطور على فكر الحزب - كما كان الأستاذ ميشيل يتهم الأستاذ صلاح ومجموعته بأنهم غارقون في مشاكل الحكم وبعيدون عن إدراك مناورات اللواء عمران الذي استطاع لفرط تأثيره عليهم أن يشل كل قدرة على التمييز والنقد لديهم تساعدهم على رؤية المخاطر التي تسير فيها الأمور .
لقد انتقلت الأزمة إلى داخل القيادة الحزبية الموسعة ، وأدى ذلك إلى عجز هذه القيادة وفقدان قدرتها على إدارة الأزمة وحلها ، ورغم ذلك لم يكن لبعض الأعضاء ذوي التأثير فيها - الأستاذان ميشيل وصلاح والدكتور الرزاز والفريق أمين واللواء عمران- من هم سوى طرح تصفية ممن يسمونهم بالمنحرفين في الحزب والانتقام من أبرز رموز الاتجاه المخالف لهم ، كل ذلك تحت شعار عشش في عقولهم : ( تصحيح الحزب وإبعاد المنحرفين عنه وعن مؤسسات الحزب والحكم ) ، وظهرت بوادر عديدة تشير إلى ذلك من أبرزها ، كما نوهت ، رفض كل المقترحات التي تقدم بها الرفاق الذين يمثلون الرأي الآخر ، وأهمها دعوة المؤتمر القومي الثامن إلى عقد دورة استثنائية ، وإصرارهم على تغيير موازين قوى واقعية تلازم الأزمات وتبرز أثناءها ،وخاصة في القوات المسلحة .كما طرح ،وبإصرار ،تغيير بعض قيادات الفروع وفصل كل عضو يقف في موقف غير ما تريده القيادة القومية .
بدأت القيادة القومية محاولاتها لتبديل مواقع بعض الحزبيين العسكريين بقصد إضعاف الرأي الآخر وكان كل من الفريق أمين الحافظ واللواء محمد عمران ،يطرح ما يجد فيه مصلحته وتدعيم مواقعه ، ويقول الدكتور الرزاز (كنا ننتظر أن نتسلح بعمران وإذا بعمران ينقلب علينا ، وبدلا من أن يعمل على تنفيذ إرادتنا يبني هو لنفسه بناءه الخاص ويجعل هدفه الأول إضعاف الفريق وقواته متهما إياه بأنه هو الذي يهئ للانقلاب وأصبح كل اقتراح يقترحه أو إجراء يتخذه ، يجد المعارضة الفورية من الفريق ولو كانت لمصلحتنا ) ويضيف ( كنا نتخبط في التناقضات فمن جهة تناقض الفريق أمين الحافظ ، مع اللواء حافظ الأسد ، ثم تناقض الاثنين مع اللواء عمران ومن جهة ثانية تناقض أكثرية القيادة مع اللواء حافظ والدكتور إبراهيم ممثلي القطريين في القيادة ، ومن جهة ثالثة خلاف أكثرية القيادة مع الفريق أمين الحافظ وخشيتها من تسلطه أيضا ومن حلوله العسكرية .) (15)
في حمأة هذا الصراع الداخلي في الحزب، والتسيب في السلطة ، طرح شعار ( بطيخ يكسر بعضه ) من قبل قسم كبير من المواطنين ، وبعضهم ينتمي إلى طبقات لها مصلحة في الثورة ، وهذا دليل على أن شرعية حكم الحزب قد اهتزت في ضمير الشعب .
كانت هذه الأجواء السائدة ،دافعا لبعض أعضاء القيادة القطرية المؤقتة ، من عسكريين ومدنيين ، ومن إحساسهم لما يتهدد الحزب والثورة من مخاطر ، كانت دافعا لأن يطرحوا ضرورة دراسة الاختيار الآخر ، أي (العمل العسكري) بعد أن سدت كافة السبل الحزبية من قبل القيادة القومية وكان أطراف هذه القيادة ، كل منهم ، يعد العدة للقيام بانقلابه وبالتوازي مع الإصرار على اتباع الأساليب الحزبية حتى اللحظة الأخيرة ، بدأت القيادة القطرية المؤقتة بدراسة اختيار العمل العسكري وكان ذلك قي بداية الاسبوع الثاني من شهر شباط1966.
كان أول ما استوقف القيادة القطرية المؤقتة وأخذ حيزا من النقاش ،هو أن حركة عسكرية قد تكون حلقة بداية في سلسلة حكم الحزب وبالتالي قد تفتح باب الانقلابات العسكرية ، الذي جاءت ثورة الثامن من آذار لتوصده إلى الأبد وأن الجيش الذي نجهد لتحويله إلى جيش عقائدي يجب أن ينأى عن التفكير بمثل ذلك ، وأن ينصب جهده على تنفيذ ما يخصه من أهداف الثورة وعلى التزامه العميق بمصالح الطبقات الكادحة .
وكان ثاني ما استوقف القيادة هو التفكير بوحدة الحزب القومية ، واتجه الرأي بأن وحدة الحزب القومية تكمن في مصلحة الحزب والثورة ، التي هي مصلحة الأمة العربية وجماهيرها المكافحة . لذا يجب بعد العمل العسكري ، إذا حدث ،العمل مباشرة على تشكيل لجنة تحضيرية ، يكون أعضاؤها مرشحين من قيادات المنظمات الحزبية في الوطن العربي والخارج ، مهمتها الإعداد لمؤتمر قومي منتخب ، وذلك انطلاقا من الشعور بالمسؤولية التاريخية للحفاظ على وحدة الحزب وعدم تشتته ، وإيمانا لا يتزعزع بحقيقة الحزب القومية .
وكان ثالث ما رأت القيادة القطرية المؤقته ضرورة بحثه هو : هل العمل العسكري سيكون ترسيخا لثورة الحزب ، وينقلها إلى مواقع جادة في البناء الثوري ومكافحة الامبريالية ، أم هو نهاية الثورة ؟ ولقد لخص العقيد عبد الكريم الجندي جوهر ما دار من نقاش ، في وصيتة ، يتساءل العقيد عبد الكريم : هل هذه نهاية الثورة ؟ قد تكون نهاية الثورة وقد تكون بدايتها . قد تكون النهاية إذا آمنا بحتمية انتصار الاستعمار والصهيونية والرجعية والعملاء والمخادعين ، وهذا لا يمكن أن يكون طبيعيا في تاريخ الشعوب ، وقد تكون بدايتها ، لأنها في الأصل لم تكن ثورة بكل معنى الكلمة ، لقد كانت انقلابا عسكريا يهدف للتحول إلى ثورة شعبية وكانت هذه هي الفكرة التي ناقشناها قبل الثامن من آذار بيومين ، وكان هذا هو نفس السؤال الذي عرضته قبل 23 شباط ).
وكان رابع ما أكدت عليه القيادة المؤقتة ، هو دعوة المؤتمر القطري الثاني ، فورا ، بعد الحركة لانتخاب قيادة قطرية .
وتمهيدا لتنفيذ الصيغ المقترحة حول فصل السلطات العسكرية عن المدنية ، طلب إلى الرفاق العسكريين في القيادة المؤقتة الذين يفضلون اختيار العمل السياسي ،وضع استقالاتهم تحت تصرف القيادة ، وتقدم كل من صلاح جديد ، عبد الكريم الجندي ، محمد رباح الطويل باستقالته ، بينما رغب الباقون العمل في ميدان الجيش ، ولكن بعض أعضاء القيادة المؤقتة دهشوا لعدم وضع سليم حاطوم استقالته تحت تصرف القيادة ، وتوجهوا إليه طالبين منه أن يختار العمل السياسي ، لان رتبته الصغيرة لا تتناسب مع الأدوار التي كلف بها من جهة ، ولا مع المناصب التي تقلدها كعضو في القيادة القطرية وفي اللجنة العسكرية، وحين أكد سليم حاطوم التزامه ، في حدود رتبته ، بالانضباط بعمله العسكري ، عاد محمد رباح الطويل وأكد عليه ضرورة اختيار العمل السياسي ،وقال له : ( يا سليم اسمع مني واتخذ من العمل السياسي حرفة لك ، وإنني أشك بكل ما قلته ، وكن على ثقة رغم ما بيننا من صداقة ومودة قديمتين بأنك إذا حاولت التمرد أو الانقلاب ، سوف أكون أول من يقف في وجه محاولتك تلك ) .
تتالت اجتماعات القيادة القطرية المؤقتة بشكل يومي لبحث الخيار العسكري وتقدير الموقف من كل جوانبه، ولكن بعض الأعضاء لم يكن بعد قد حسم أمره للقيام بعمل عسكري ،ومنهم اللواء حافظ الأسد ، بينما كان رأي آخرين ، ضرورة الحسم بسرعة ولا ضير من تجاوز رأي اللواء حافظ ، وينطلق هؤلاء من فرضية بأن موقفه سيكون إلى جانب القيادة بينما كان رأي أكثرية أعضاء القيادة ، ويمثلهم اللواء صلاح جديد ، ضرورة الإجماع الكامل من كل أعضاء القيادة حول هذا الأمر ، ولا يجوز تجاوز أي رأي أو إهماله ، وهذا شرط ضروري وهام لوحدة القيادة مستقبلا .
كان التقدير بأن أغلب القطعات العسكرية والفروع الحزبية المدنية والعسكرية تقف إلى جانب القيادة ،وكان تقييم القطعات العسكرية كالتالي : قطعات الجبهة ، مؤيدة ، باستثناء الشرطة العسكرية وكتيبة هندسة في مدينة القنيطرة وهاتان الوحدتان لا فاعلية لهما . الوحدات العسكرية في قطنا ، مؤيدة . الوحدات المحيطة بدمشق ، مؤيدة ، باستثناء الشرطة العسكرية ، وهذه الوحدة يمكن السيطرة عليها ومنعها من التحرك . اللواء 70 غير مسيطر عليه ، ووضعت خطة من قسمين للسيطرة عليه ، 1 - شل حركته من قبل فوج المدفعية الذي يقوده عضو القيادة محمد رباح الطويل ويعسكر بمنطقة اللواء ، 2- إدخال عدد من الضباط الذين لا يقودون قطعات عسكرية ليستعين بهم آمر اللواء العقيد أحمد المير محمود ، إذا احتاج لهم في قيادة كتائب اللواء ، إضافة إلى دعم جوي لمراقبة تحرك اللواء في حال فشل السيطرة (17). الوحدة العسكرية في السويداء ، مؤيدة . الوحدات العسكرية في القطيفة ، مؤيدة ، باستثناء آمر اللواء . موقع حمص وقطعاته العسكرية ، مؤيدة ، باستثناء آمر اللواء " العقيد أحمد خضور " ومدير الكلية الحربية " الرائد بدر جمعة ". القوى الجوية ، مؤيدة . القوى البحرية وفوج المدفعية الساحلية ، مؤيدة . أما الوحدات الموجودة في مواقع حماه وحلب والمنطقة الشرقية ، فهي وحدات غير فاعلة ويمكن التعامل معها بسهولة في حال عدم تأييد أي منها .
اتخذت لقيادة القطرية المؤقتة قرارا بضرورة تكثيف نشاط أعضائها بين قيادات التنظيم الحزبي ، وشرح ما آلت إليه الأمور ، وتلمس آرائهم حول الممكنات التي يرونها للتخلص من هذا الوضع الذي آل إليه الحزب والسلطة والذي يزداد تأزما ، ويتدهور بسرعة حتى بدأت تظهر بوادر الصدام في القوات المسلحة ، وأخذت ظاهرة " الأسرى " تتفشى بين القطعات ،كما تفشت ظاهرة تسيير الدوريات العسكرية للتحرش والمراقبة واثبات الوجود ، هذه هي حالة الجيش الذي يفترض فيه أن يكون متماسكا منسجما ، كما بدأت المنافسات والأحقاد تتعمق بين البعثيين ، أكثر فأكثر ، والكل يضع يده على الزناد نتيجة التباين في فهم واستيعاب عقيدة الحزب ونتيجة سيادة مفاهيم خاصة بعيدة كل البعد عن المفاهيم الحزبية والمنطق الحزبي ،وهذا ما أدى إلى فقد المناعة ، وأصبح المناخ ملائما لكل متصيد يجيد حبك الشائعات وتشويه الحقائق.
الهوامش:
(15-16 ) من التجربة المرة للدكتور الرزاز .
(17) ادعى محمد ابراهيم العلي في الجزء الثالث من كتاب له بعنوان < حياتي والإعدام > بأنه هو الذي دخل اللواء 70 وسيطر عليه ووضعه تحت أمرته ، وهو ادعاء خال من الصحة تماما ، وكان دوره بما يكلفه به آمر اللواء فيما إذا احتاج إليه ، وأصلا ، هو لم يبلغ حين تقرر تنفيذ الحركة يوم 16/2 ، كما ادعى بأنه كلف شقيقا له مع محمد حيدر بنقل كلمة السر إلى الرفاق بحمص ، وأيضا ، فهذا ادعاء من وحي خياله ، لأنه لا توجد كلمة سر ، وكان المسؤول عن منطقة حمص هو ، عضو القيادة القطرية المقدم مصطفى طلاس ، كما ادعى ،أيضا ، بأدوار له في حلب بعد تكليفه ، بشكل مؤقت ، بقيادة الكتيبة المرابطة هناك ، وبخلافات له مع قيادة الفرع ، وبصفتي عضو قيادة قطرية ورئيس مكتب التنظيم فيها ، لم أستلم أو أسمع ما يؤكد ادعاءاته ، كما أنني في هذه الفترة ، قمت بزيارة قيادات فرع الحزب والكتيبة ، وهو قائدها الموقت ولم يبلغني أحد ما يفيد ، عن وجود مثل هذه المشكلات .