أحمد الجلبي: صدّام لم يظهر نادماً في لقائنا اليتيم(2)

> دعنا ننتقل الى القبض على صدام حسين. ما هي معلوماتك عن ذلك وعن مقتل عدي وقصي؟
- أولاً، حول قضية صدام. نحن كنا نعرف ان صدام لم يقتل، كما قالوا في اليوم الأول، أي بتاريخ 19 آذار خلال الغارة، ثم في اليوم الثاني أغاروا على مطعم «الساعة» في المنصور وقالوا انهم قتلوا صدام، لكن ذلك كان غير صحيح.

نحن وصلنا الى بغداد وبدأ البعثيون والقيادات يترددون علينا للقول انهم مستعدون للتعاون و «بطلنا» و «خلص» و «أمنوا على حياتنا». كنا نستقبلهم ونكلمهم ونجعلهم يوقعون أوراقاً. وصلتنا ملفات المخابرات وهي كثيرة. كان الأميركيون يقولون ان صدام قتل انه مقتول. في الشهر الخامس من الحرب ذهبت الى نيويورك وعقدت لقاء مع مجلس العلاقات الخارجية وتم بثه حياً على التلفزيون وكان توم بروكو يجري الحوار وسألني عن صدام وقلت له انه على قيد الحياة ينتقل بين تكريت والدور ويذهب مرات في اتجاه الفرات. سمع كولن باول، الذي كان وزيراً للخارجية هذا الكلام فانزعج وأصدر تصريحاً قال فيه ان أحمد الجلبي يتكلم كل يوم شيئاً مختلفاً. إذا كان يعرف اين صدام فيتفضل ويبلغنا. قال ذلك بعصبية. أحد مصادرنا في تكريت أبلغنا ان أحد كبار جماعة صدام موجود في بيت محدد في تكريت، أبلغنا الأميركيين بذلك، وكان عندنا مكتب تنسيق مشترك مع استخبارات وزارة الدفاع، كان هناك تعاون بيننا في هذا المجال، كل طرف لديه إمكاناته وموارده. الأميركيون لم يذهبوا الى البيت المذكور إلا يوم 17 حزيران وكنا أبلغناهم بالخبر في 14 منه دخلوا البيت فوجدوا شخصاً ملتحياً. سألوه أين قصي وعدي وعبد حمود؟ وكان الشخص هو عبد حمود فاعتقلوه. وهو سكرتير صدام، ويخضع للمحاكمة الآن. وفي اليوم الثاني اتصل بنا المصدر نفسه وقال ان صدام حسين شاهد عملية اعتقال عبد حمود، لماذا غادر الأميركيون.

> هل كان صدام في بيت مجاور؟

- نعم، وأنا خلال فترة وجودي في أميركا كانت لدى صدام حماية أولية من العائلات، وبقي معه ضباط حماية من عائلتي المصلب والحدوشي. حسب التقاليد تصبح مسؤولية العائلة عن توفير الحماية واجباً، ثم يتغير العناصر ويأتي آخرون، وهؤلاء بقوا حتى النهاية. أحد أفراد هاتين العائلتين من الخط الأول لحماية صدام. عندما كنت في الخارج جاء الينا وقال: أنا في الحماية الخاصة لصدام وجئت اليكم لأن ابني مصاب بداء السحايا ويحتاج الى علاج وأنا أخاف أن أكشف عن نفسي، وروى لنا أن صدام خرج من بغداد يوم 13 نيسان، بعد أربعة أيام على دخول الأميركيين، واضاف: كنا نتجول في مناطق بغداد وكان صدام يقود سيارة «بيك آب» ويرتدي «دشداشة» وعقالاً وسترة، ومرة كنا نعبر من الأعظمية الى الكاظمية فوق الجسر، فشاهدنا دبابات أميركية آتية، فعاد بنا صدام أدراجنا، وآخر مرة شاهدته عندما كان في بيت في الدورة، ودخل الى مرآب السيارات وكلم صاحب البيت ثم طلع وجمعنا نحن المجموعة التي معه وطلب منا أن نذهب ونختبئ وأعطانا كل واحد خمسة ملايين دينار. قال انه سيتصل بنا أو يرسل الينا خبراً بعد ثلاثة أشهر. هذا الكلام الذي بلغنا اياه كان في شهر حزيران، يعني أنه كان على قيد الحياة وترك بغداد بعد أربعة أيام على دخول الأميركيين اليها.

عندما عدنا الى بغداد عقدنا اجتماعاً مع جماعتنا واتفقنا على أن أفضل طريقة للعثور على صدام هو أن نرسل أناساً يراقبون مجموعة خط الحماية لأنهم يكونون حيث يكون صدام، وبدأنا تنفيذ الخطة بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية الأميركية، وكان عناصرها يأتون الى قصرنا ونتبادل معهم المعلومات وكثيرة هي القضايا التي كشفناها في تلك الفترة.

في هذه الأثناء، في الموصل، قتل أولاد صدام في أحد البيوت، وسأروي لك قصة عجيبة. في بداية الشهر التاسع عام 2003 دعانا الجنرال بترايوس الذي كان قائد الفرقة 101، وذهبنا بالسيارات الى الموصل حيث كان مقر الفرقة واستقبلنا مساعده الجنرال هلمك، وهو الآن مسؤول عن تدريب القوات العراقية، استقبلني وقال لي: تمكنا من القضاء على قصي وعدي بسبب مخبر لديه مبادرة، استوضحته الأمر، فقال: قصد رجل احدى الدوريات الأميركية وقال لهم ان قصي وعدي موجودان في منزلي، تعالوا وخذوهما. أرسلته الدورية الى مقر القيادة واخصعوه لجهاز كشف الكذب، ففشل، لكن هذا الشخص توجه الى عريف وأكد له ان عدي وقصي موجودان عنده، فذهب العريف معه.

> كان عريفاً أميركياً؟

- طبعاً، وذهب معه، وعندما رآه قصي وعدي حصل إطلاق نار، واشتباك وقتل عدي وقصي.

> يعني بالصدفة؟

- نعم. وقال لي الجنرال، لولا مبادرة هذا العريف لكان عدي وقصي هربا، وصاحب البيت الذي أبلغ عنهما حصل على مكافأة بقيمة 25 مليون دولار ونقل الى أميركا.

> هل غادر قصي وعدي الى خارج العراق؟

- نعم ذهبا الى سورية، قصدا منطقة ربيعة في شمال غربي الموصل على الحدود العراقية - السورية. وكانت معهما أموال وعبرا الى سورية، الى عند عشائر عربية عراقية لها أقارب في سورية، استقلا سيارات وقصدا دمشق. إلا انهما اعيدا بعدما وصلا الى حماة. باتا ليلتين في منطقة ربيعة وعادا الى الموصل وقتلا هناك.

> نعود الى صدام.

- كنا نتابع الوضع وكان الأميركيون يسألوننا عما نفعله. وقلنا لهم عندما تبحثون عن صدام لا تتركوا المكان سريعاً، يعني لا تفتشوا المكان نصف ساعة وتغادرونه. نحن كان لدينا أشخاص يبحثون عن صدام، وكانت لدى الأستاذ كسرت رسول من «الاتحاد الوطني الكردستاني» مجموعة تبحث عن صدام. وهو ساهم في اعتقال بعض القادة العسكريين في الموصل. ونحن ساهمنا ربما باعتقال أكثر من 16 شخصاً.

> هل كانوا من الأسماء التي نشرتها الولايات المتحدة؟

- نعم من قائمة الـ55 شخصاً.

> عندما تقول «نحن» هل تقصد المعارضة؟

- لا. اقصد «المؤتمر»، حتى ان آخر رئيس لجهاز المخابرات وهو صهر صدام ويدعى جمال مصطفى، شقيق كمال مصطفى أحضرناه، ثم أطلق سراحه وأصبح خارج العراق، هو زوج حلا ابنة صدام. وكل واحد من جماعة صدام اعتقلناه لم يتعرض للأذى وانما حافظنا على حياته وسلمناه ليواجه عملية قانونية وهذه نقطة مهمة.

> حدثنا عن دور كسرت رسول؟

- يوم 13 كانون الأول 2003 كنت في اجتماع في مجلس الحكم، رن الهاتف وقيل لي يريدك أراس حبيب كريم الذي كان مدير جهاز الاستخبارات في المؤتمر الوطني العراقي، وهو رجل ضليع في قضايا الاستخبارات. قال لي ان لدينا معلومات وكسرت اتصل بي، قال ان الأميركيين اعتقلوا صدام. فقلت له هل أنت متأكد؟ قال: نعم، فاتصلت على الفور بشخص اسمه سكوت كاربنتر وهو رئيس فريق الحكم لدى بول بريمر في العراق. سألته: لماذا لم تبلغونا باعتقال صدام؟ قال: هل تمزح؟ قلت لا أنتم اعتقلتم صدام البارحة في منطقة الدور فرد ان لا علم لديه بالموضوع. فقلت إن لدي موعداً مع بول بريمر في الساعة الثانية عشرة وسأعرف ما هو الوضع. وكانت الساعة الحادية عشرة والنصف، ووصلت الى القصر ووجدت سكوت يبتسم وهو يرفع يده. وقال: لم يبلغنا الجيش قبل أن يتأكدوا من الحمض النووي لصدام. وكان ذلك بتاريخ 13-12-2003 فعدت وأبلغت الناطق باسم المؤتمر كي يذيع في الإعلام أنه تم اعتقال صدام وكنا أول من أعلن الخبر.

> كيف اعتقل صدام وبفضل ماذا؟

- وصل خبر الى الأميركيين.

> هل لعب كسرت دوراً في ذلك؟

- هو راقب الموضوع، وجماعته شهدوا على الاعتقال أيضاً. كسرت اقترب من صدام كما اقتربنا نحن، جماعته وجماعتنا شاهدوا اعتقال صدام ونقله بالمروحية.

> لكن من نقل المعلومات عن وجوده في المكان الذي اعتقل فيه؟

- هذا حصل بفضل شخص من المسلط، اسمه محمد ابراهيم، أو ابراهيم محمد المسلط من مجموعة الحماية، كان اعتقله الأميركيون قبل أسبوع وأبلغهم ان صدام موجود هناك، فدخلوا البيت وفتشوه ولم يجدوا أحداً. عملوا بنصيحتنا وبقوا هناك. أحد الجنود انتبه الى سلك كهرباء داس عليه فتبع السلك ووجده يتجه الى حفرة. وهو سلك كهرباء للمروحة، نزلوا الى الحفرة، وكانت بداخلها حفرة ثانية وجدوا فيها صدام ومعه أوراق و700 ألف دولار ورشاشات ومسدس. نزلوا اليه بالأسلحة فقال لهم: أنا صدام حسين رئيس جمهورية العراق، وكان ملتحياً.

> ألم يحاول المقاومة؟

- كلا. سحبوه الى خارج الحفرة، وكان الاعتقال في يوم 12 كانون الاول. وبعدما أخضع للفحص وكشفوا على أسنانه أرسلوه الى المطار بواسطة طوافة.

> يعني ان رواية العثور عليه في الحفرة صحيحة؟

- هو لم يكن يسكن في الحفرة انما في المنزل لكن كانت معه مجموعة تبلغه اذا كانت هناك عملية مداهمة، فيدخل الحفرة.

> ماذا حصل بعد اعتقاله؟

- بعدما ابلغنا المدنيين باعتقال صدام، اتصل بريمر بي وطلب مني الذهاب معه لرؤية صدام، أخذت مجموعة من مجلس الحكم، أنا والدكتور عدنان الباجه جي والدكتور عادل عبدالمهدي والدكتور موفق الربيعي والجنرال سانشيز قائد القوات الأميركية في العراق وسكوت كاربنتر.

ذهبنا الى المنطقة الخضراء، وانتقلنا بمروحية باتجاه مطار بغداد ومن هناك نقلونا الى بناية من طابق واحد، مكتوب عليها «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». قد يكون المكان مقراً لحزب البعث، وكان محاطاً بالأشجار وبحماية جنود أميركيين، دخلنا الى البناية، وسأل بريمر: هل تريدون رؤية صدام عن طريق الحلقة التلفزيونية المغلقة؟ قلت: لا يا جنرال، دعني أدخل. دخلت قبلهم الى رواق يؤدي الى غرفة عرضها متر بمستوى الرواق المرتفع نحو 30 سنتم وتمتد الغرفة الى مسافة 5 أمتار وعرضها 3 أمتار. عندما دخلت وجدت صدام نائماً على سرير عسكري أميركي وأحد الجنود الأميركيين يوقظه. عندما رفع رأسه وشاهدني أدخل جفل. أخذت كرسياً وأبقيته على المرتفع وجلست قبالة صدام تفصل بيننا مسافة نصف متر. ثم دخل الآخرون خلفي ووقف بريمر وسانشيز قرب جدار المدخل بين الباب والرواق يتابعان المشهد. لم أتكلم انما راقبت صدام. لاحظت عليه خاصتين، أولاً جهله بالوضع العالمي وبمعيار القوة في العالم وثانياً لم يكن لديه تصور فعلي لتوزيع القوى.

> كيف استنتجت ذلك؟

- من كلامه وطريقة عرضه للأمور وتصوره لما يجري، والشيء الآخر انه نرجسي. كان يعتقد ان ما يفعله صحيح من دون أي قياس موضوعي وما لا يفعله خطأ. ما شاهدته جعلني آسف على وضع العراق، على الـ 35 سنة مضت وكان هو يحكم العراق خلالها. ودعني أقول انني عندما دخلت بغداد فوجئت بحالها، اصابتني صدمة كبيرة جداً، بدت لي مدينة من مستوى آخر كأنها عاصمة دولة فقيرة على الساحل الأفريقي.

> ماذا قال موفق الربيعي لصدام عندما دخلتم؟

- (يضحك) قال لصدام: أنت ملعون في الدنيا والآخرة، فقال صدام لموفق: اسكت يا خائن يا عميل.

> هل كان يعرف موفق؟

- لا.

> هل عرفك؟

- نعم، منذ دخلت، قال موفق: أنا خائن وعميل؟ رد عليه: نعم ألم تأت مع هؤلاء؟ وأشار الى الأميركيين.

> هل خاطب عدنان الباجه جي؟

- قال له عدنان: لماذا لم تخرج من الكويت. طبعاً كان صدام قد طلب مني أن أعرفه الى الحاضرين، فقلت: عدنان الباجه جي والدكتور عادل وموفق. ولكن عندما قلت عدنان الباجه جي، التفت اليه وقال: دكتور باجه جي ألم تكن أنت وزير خارجية العراق؟ فقال له: نعم. وتوجه الى صدام قائلاً: لماذا لم تنسحب من الكويت بعد أن خرجت من الحرب مع إيران منتصراً والعالم كان معك وعندك إمكانات، لماذا فعلت ذلك؟ فأجاب: دكتور عدنان، ألم تكن تؤيد أن الكويت جزء من العراق؟

وكان الدكتور ألف كتاباً عن مذكراته في الأمم المتحدة، ودافع فيه عن موقف عبدالكريم قاسم أي أن الكويت جزء من العراق، فارتبك عدنان ورد: سابقاً سابقاً. أما أنا فكنت أتفرج ولم أتكلم أبداً.

> هل تحدث صدام مع عادل عبدالمهدي؟

- نعم، لكن موفق سأله: لماذا قتلت الصدر؟ فرد صدام: من؟ فقال له: السيد محمد باقر الصدر وشقيقته أم الهدى، فقال: الصدر والرجل، كلهم خونة ويستحقون الموت، فقال عادل عبدالمهدي: لماذا أعدمت عبدالخالق السامرائي؟ فقال: عبدالخالق، بعثي.

> يعني أنت ما دخلك؟

- ثم سأله موفق: لماذا لم تقاتل الأميركيين كما قاتلهم أولادك؟ فقال له: تريدني أن أقاتل هؤلاء؟ يعني استهجن بينما يدعو الآخرين ويدفعهم الى القتال والموت، لكن هو غير مضطر للقتال، هو يعتقد أن ما فعله صحيح.

> ألم يكلمه بريمر؟

- لا ولا كلمة.

> هل كان صدام خائفاً؟

- عندما خرجنا خاف، وهو طلب أخيراً التحدث مع السيد الجلبي والدكتور الباجه جي. عندها وقفت وخرجت فقال: يعني خلص، هذه هي؟

> هل قيل شيء آخر خلال الحوار؟

- صار كلام منابذات. كان مطمئناً الى أن ما فعله هو الصحيح وكان يكابر ولم تكن لديه أي مراجعة لما جرى. وقال: «قلت إنني أقاتل الأميركيين وأنا أقاتلهم الآن».

> بالمقاومة يعني؟ لم يتحدث عن سقوط بغداد، عن الخيانة؟

- أبداً، كل ما قاله إنه يقاتل الأميركيين.

> لكن كيف قال: كيف تريدني أن أقاتل الأميركيين؟

- يعني هو شخصياً لكنه كان يريد من الآخرين أن يقاتلوا. هو يعتبر نفسه أنه رمز يجب أن يبتعد عن الخطر ويقود الأمة. وعندما تصل القضية الى نفسه لا يقاتل شخصياً. بعد الحوار وجد الأميركيون عند صدام أوراقاً عن مجموعات شكلها لمقاومة الأميركيين، كانت لديه سبع مجموعات في الكرخ وست في الروسان، ودوّن أسماءهم وتمويلهم وكما توقعنا، إذ كنا نتابع، كان قسم كبير منهم من حزب البعث لكن من درجة غير معروفة في الإعلام.

> هل تم ضبط هذه الشبكة؟

- أحضروها الينا. كنا نعرفهم ونريد اعتقالهم. كان الأميركيون يسألون عنهم. هم من حزب البعث ولا فاعلية كبيرة لهم، لكنهم اعتقلوهم كلهم، كانوا رؤساء الشبكة، لكن هذه ليست المقاومة التي حصلت. ما حصل تطور بشكل آخر، كانت حصلت قضية الزرقاوي و «القاعدة» وبداية ضربوا السفارة الأردنية، ثم قتلوا سرج دي ميلو من الأمم المتحدة ثم السيد محمد باقر الحكيم، هذا كله حصل تباعاً في الشهر الثامن عام 2003 وبدأت العمليات، يعني أن الجماعة التي شكلها صدام لم تكن لها علاقة حقيقية بالمسائل الكبيرة التي كانت تحصل، وأعضاء حزب البعث الذين كانوا موجودين لم يستجيبوا له. شكلوا تنظيمات واتصلوا بـ«القاعدة» والإسلاميين ووضعوا خبراتهم في تصرف هؤلاء لفترة من الزمن.

> ماذا كان شعورك كعراقي وقد أتيت مع الأميركيين وأنت ترى رئيس العراق معتقلاً؟

- شعرت بالأسف على العراق. هذا الرجل دفع العراق الى هذه الظروف والشعب العراقي وصل الى هذه الدرجة من الخراب والدمار والحرمان والفرص الضائعة، وظل يحكم العراق 35 سنة. شعرت بالأسف الشديد وأنا أرى ما حل في العراق من خراب ودمار نتيجة حكمه وأقارنه بما حصل في الدول المجاورة للعراق.

> ماذا شعرت يوم إعدام صدام؟

- شخصياً أنا ضد الإعدام، لكن كثيرين من العراقيين شعروا بأنهم حصلوا على حقهم. طبعاً ليس كل العراقيين لكن الأكثرية.

> ماذا عن طريقة تنفيذ الاعدام؟

- كان يجب أن تحصل بشكل أفضل، لكن ليس هذا هو الموضوع. فصدام حصل على محاكمة امام خبراء قانونيين. وأنا حضرت أول جلسة من المحاكمة. وانتبه الي مرة، وتابعت المحاكمة ووجدت أنه كان له حق الدفاع عن نفسه، لكن فريق الدفاع عنه كان سيئاً جداً من الناحية القانونية.

> هل شعرت بالتشفي خلال محاكمته؟

- أبداً، أبداً، لا شعور مثل هذا عندي إطلاقاً، الموازنة بين الجريمة والعقاب منطقياً معقولة، لكن الإنسان يتأثر بالحال الموجودة أمامه، مثلما يتأثر بالجرائم التي ارتكبها صدام.

> لنعد الى لقاء صدام؟

- أحد الأميركيين التقط صورة لي مع صدام هل رأيتها؟ نشرت في جريدة «المؤتمر» على الصفحة الأولى. فغضب بريمر لنشرها، أنا لم يكن لي علم، جماعتنا أخذوها ونشروها وبعد ذلك أنا لم أشأ مقابلة صدام. هو يتحمل مسؤولية تاريخية عما تركه وراءه. فقد دخلت العراق أموال خلال حكم صدام كان يمكن أن يصير معها دولة بمستوى تركيا إن لم يكن بمستوى دولة أوروبية أخرى، لكن العراق الآن مدمر. نحن مطلعون على برنامج «النفط مقابل الغذاء». خلال السنوات السبع من تطبيق البرنامج لم يكن اهتمام الحكومة العراقية بزيادة الأموال لخدمة الشعب وإنما اهتمام الأساسي كان الحصول على أكبر كمية من الأموال بشكل غير شرعي، خارج قرارات الأمم المتحدة، لتعزيز أجهزة القمع والمخابرات والأسلحة. هل يمكن أن نتصور أن العراق في سنة 2002 يستورد أدوية بـ6 ملايين دولار؟ انها إساءة لاستعمال الأموال.

> يعني لا أدوية؟

- طبعاً، لا أدوية، والناس وضعهم سيئ. يعني راتب المعلم العراقي 2.5 دولار شهرياً. نسبة الأمية ارتفعت.

> ماذا عن سقوط بغداد؟

- الجيش العراقي لم يقاتل بجدية عند وصول الأميركيين، حصلت عمليات غير نظامية.

> هل معركة المطار مضخمة؟

- لم يحصل شيء كبير، حصلت معركة لكن لم تكن كبيرة واستطاع الأميركيون نقل الفي قطعة مدرعة من الكويت الى بغداد على مسافة 500 كلم من دون مقاومة فعلية. الجيش العراقي لم يقاتل ولو قاتل كما حصل بعد الاحتلال لكان الأميركيون تكبدوا خسائر كبيرة. أذكر عندما التقينا مع رامسفيلد كمعارضة في الشهر الثامن من سنة 2002، كان همه الكبير، هو ومايرز، معرفة اذا كانت بغداد محصنة وهل سيقاوم سكانها الأميركيين في الشوارع؟ نحن كنا دائماً محقين بأن لا الجيش العراقي ولا الشعب العراقي سيدافعون عن صدام.

> هل كانت للأميركيين علاقات مع ضباط عراقيين؟

- أبداً.

> ماذا عن انهيار الجيش العراقي؟

- في يوم 9 نيسان لم تبق قاعدة واحدة للجيش العراقي، كلهم فروا. اعتقد الأميركيون انهم انتصروا في الحرب على العراق، لكن الشعب العراقي هو الذي اعتبر نفسه منتصراً. الأميركيون دخلوا على شعب غير مهزوم وإنما منتصر، وهم لم يعرفوا كيف يستغلون هذه القضية، والفرق كبير بين نفسية الشعب العراقي عام 2003 ونفسية الشعب الألماني سنة 1945، أو الشعب الياباني سنة 1945. الياباني اعتبر نفسه مهزوماً وكان يتقبل إطاعة الأميركيين مهما كان، لكن العراقي اعتبر نفسه منتصراً بسقوط صدام وشعر انه خُدع عندما أعلنت أميركا الاحتلال. فهو كان يرى ان الاميركيين جاءوا للتحرير. هذه النقطة لم يفهمها الأميركيون الى الآن، جاءوا وأعلنوا أنفسهم محتلين.

> في بداية الحرب. غادر نزار الخزرجي الدنمارك وذهب ضباط كثر الى هناك ليكتشفوا أن الأميركيين لم يتركوا لهم أي دور؟

- ليس الأميركيون، إنما هم لم يكن لهم اي دور، قاعدتهم التي كانوا يستندون اليها تفتتت مع تفكك الجيش العراقي، ذهبوا الى منازلهم. عندما صيغ قانون تحرير العراق كان هدفنا في العام 2000 تأسيس فرقة من الشرطة العراقية تساهم في تحرير العراق، وأول وظيفة هي التوجه الى القواعد العسكرية العراقية، يعني معسكرات الجيش العراقي والطلب من الجنود والضباط البقاء بعد تأمين الأموال والطعام والحماية لهم، ثم الحفاظ على هيكلية الجيش العراقي ومعسكراته، والتخلص من الجماعة التي ارتكبت أخطاء وجرائم، لكن الأميركيين رفضوا ذلك.

> لماذا؟

- كانوا مغرورين. ولم يريدوا إدخال أنفسهم في متاهات مع العراقيين. اعتقدوا انهم لا يحتاجون أحداً. كانوا يجهلون نفسية العراقيين وتراثهم وتاريخهم. رامسفيلد ذهب الى سد حديثة والتقى ضابطاً أميركياً من فيلق الهندسة الأميركي قال له: نحن نفتخر يا سيدي الوزير بأن الفرصة سنحت لنا للعمل في مجال السدود منذ 150 عاماً. تطلع رامسفيلد الى المهندس العراقي وسأله رأيه؟ أجابه: يا سيادة الوزير، نحن والفيلق الأميركي سنحت لنا الفرصة للعمل في السدود من 150 عاماً.

كانت تصلنا أخبار ان الاميركيين والانكليز يسعون لاستصدار قرار مجلس الأمن الذي صار لاحقاً القرار 1483 لإعلان الاحتلال. تحمسنا كقيادة معارضة للموضوع وخصوصاً جلال طالباني وأنا، وأرسل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مبعوثه الشخصي السير ديفيد مانينغ الذي اصبح في ما بعد سفيراً في واشنطن الى بغداد. دعوناه الى عشاء عمل وخلال العشاء انتقد الأستاذ جلال القرار الذي يريدون إصداره. كان باتريك تايلر من «نيويورك تايمز» موجوداً لالتقاط صورة لكن التلفزيون لم يبثها علماً أنها موجودة لديه. قلت لمانينغ: أنتم تريدون أن تعلنوا احتلال العراق. هناك 20 ألف شخص عراقي يحملون شهادة الدكتوراه وأنتم تريدون الاحتلال، ما مصلحتكم في ذلك؟

> لماذا أرادوا الاحتلال؟

- اعتقد أن الذين أرادوا الاحتلال هم جماعة الـ «سي آي أي» ووزارة الخارجية الأميركية والحكومة البريطانية. خافوا ان تحصل سيطرة من أطراف معينة على أي حكومة موقتة وكان هناك تخوف عربي من ذلك. عندما صدر القرار 1483 تم التصويت عليه بالإجماع في مجلس الأمن. حتى سورية وافقت عليه، وينص القرار على أن أميركا وبريطانيا يعلنان ممارسة حقهما حسب معاهدة جنيف باحتلال العراق ويعتبران نفسيهما قوة احتلال. وكان ذلك في الشهر الخامس من سنة 2003، أي بعد ستة أسابيع على سقوط صدام.

> وأنتم ماذا كان رأيكم؟

- كنا ضد ذلك بالمطلق. كنا ضد الاحتلال، ولم أخبرك عن خليل زاد. كان الأميركيون عينوا الجنرال غارنر على رأس منظمة إعمار العراق، وذلك قبل الاحتلال، وهذا الجنرال صديق ورجل كبير ولم يكن معروفاً اذا كان دوره في الإعمار أو السياسة. دعا القادة الأكراد للمجيء الى بغداد بعد سقوط صدام، ووصلوا الى بغداد في الأسبوع الرابع من نيسان.

> لم يكن بريمر قد عين بعد؟

- لم يكن أحد قد سمع به، وكان الاجتماع في مقر إقامة الأستاذ مسعود في فندق «قصر الحياة»، ونحن كنا في الفندق، وكان هو والسيد عبدالعزيز الحكيم والدكتور عادل عبدالمهدي والأستاذ جلال طالباني، ثم جاء الدكتور عدنان الباجه جي وأنا والدكتور إياد علاوي جاء أكثر من مرة، وعقدنا اجتماعات عدة وكنا حائرين فيما يريده الأميركيون. القادة الأكراد أخذوا فكرة من غارنر أن أميركا تريد حكومة موقتة، أنا قلت: هل تعرفون من لديه سلطة في العراق؟

استغربوا السؤال، قلت: أنتم تعرفون خليل زاد. هو ممثل الرئيس بوش، وتعرفون الجنرال جاي غارنر، وهناك شخص ثالث ربما لم تسمعوا باسمه الجنرال ديفيد مايكرنن وهو قائد في أفغانستان الآن. قلت لهم هذا أهم شخص في العراق الآن، ويعتبر نفسه مسؤولاً عن كل شيء. هذه هي المسائل العلنية أما السرية فتقوم بها الـ «سي آي أي» وهناك «دي أي إي» وهي وكالة الاستخبارات في وزارة الدفاع، لكن لا تعرفون DF20. سألوا ما هذه؟ قلت: «دلتا». ولهم صلاحيات البحث عن صدام من دون أخذ موافقة أي قيادة. يدخلون، يضربون يقتلون ويدمرون. ولا تعرفون «الفا»، اي الفريق الأميركي المكلف البحث عن أسلحة الدمار الشامل. فقالوا: ماذا نفعل، هذا هو الوضع الذي نحن فيه. وكان هناك توجه لتشكيل حكومة موقتة لكن احداً لم يكن مستعداً لإعلان مثل هذه الحكومة. كان الناس اما خائفين من الاميركيين او يتوقعون منهم ان يشكلوها. الطرفان كانا سلبيين، وحصل انطباع ان غارنر ربما سيفرض هذا الأمر، لكن لا اعتقد ان هذا كان صحيحاً. الفرصة الحقيقية التي حصلت كانت في 2/5/2003 خلال اجتماع حصل في «قصر الحياة» وحضره قادة المعارضة والقادة العسكريون الاميركيون والجنرال غارنر وخليل زاد الذي كان يقود الطرف الأميركي. نظر الي وقال لي: يا أحمد، فكرتك عن تأسيس حكومة عراقية موقتة أصبحت طاغية وأنا سأذهب الى واشنطن وأعود بالموافقة بعد عشرة أيام. وأدلى بتصريحات بهذا المعنى للصحافيين. غادر خليل زاد وبعد عشرة أيام جاء بريمر، وفي اول اجتماع معه قلت له إن السفير زاد قال كذا فأجاب: ذهب خليل زاد وسياسته ذهبت معه وأنا المسؤول الأول والأخير في العراق الآن فتعاونوا معي.

بريمر اعتبر نفسه نائب الملك، خليل زاد رجع سفيراً الى العراق في العام 2005 وكنت دعوته الى العشاء قبل مغادرته عام 2006 بعد تعيينه سفيراً في الأمم المتحدة. وكنت أعرفه منذ زمن، سألني: ماذا حصل في واشنطن في الاسبوع الثاني من الشهر الخامس عام 2003 . سألته عما يقصد؟ فقال: أنا اتفقت مع الرئيس بوش أن اعود الى بغداد بصفتي الممثل السياسي، وفي الشهر الثاني من الشهر الخامس قال الرئيس بوش ان بريمر سيذهب الى بغداد بصفته مسؤولاً عن الاعمار، وفجأة أعلنوا ان بريمر هو كل شيء. أنا لا أعرف ماذا حصل، ما هو التغيير الذي جرى في واشنطن. بريمر عينته اميركا وبريطانيا حاكماً مدنياً.

اعتقد ان الذي حصل هو أن الأطراف التي كانت ضد تشكيل حكومة موقتة، مثل الـ«سي آي أي» ووزارة الخارجية، اقنعت بوش بأن هذا الأمر خطر وضد مصلحة أميركا وحلفائها في المنطقة. وعندما وصل بريمر الى بغداد كان أول قرار اتخذه إعلان حل حزب البعث وفصل جميع البعثيين من مناصبهم الحكومية.

الحياة
حوار غسان شريل

الحلقة الثالثة:

> عندما وصل الحاكم المدني الاميركي بول بريمر الى بغداد، كان أول قرار اتخذه إعلان حل حزب البعث وفصل جميع البعثيين من مناصبهم الحكومية. بأي صفة أخذ هذا القرار؟

- بصفته رئيس سلطة الائتلاف الموقتة وبدأ ممارسة صلاحياته بإعلان هذا القرار رقم 1.

هذا حصل بين 13 و16 أيار، أما مجلس الحكم فشكل في 13 تموز. أصابني قلق من هذا الأمر: حل حزب البعث ومصادرة أملاكه وفصل كل البعثيين من الحكومة، أي ان البعثي مهما كانت رتبته متدنية كان مشمولاً بقرار الفصل. ذهبت الى بريمر وسألته عن هذا القرار، اذ اننا نحن وراء فكرة اجتثاث البعث، لكن هذا القرار غير مقبول، نحن نعرف ان عراقيين كثيرين اضطروا ان يصبحوا بعثيين لأسباب معيشية. كنا نريد ان لا يطال القرار سوى المسؤولين في الحزب، وردّ بريمر ان لا فائدة من النقاش، لأن هذا القرار اتخذ في واشنطن وعليه أن ينفذ.

أما القرار الثاني الذي اتخذه فهو حل الجيش العراقي وكل أجهزة الأمن والمخابرات والأمن العام ووزارة الإعلام.

> هل حصل هذا فور وصوله؟

- فور وصوله، ومن دون أن يسأل أحداً على الإطلاق اتخذ القرار بمفرده ولم يستشرنا، وكما قلت لك كنا ضد حل الجيش، وكنا نريد المحافظة عليه والاحتفاظ بوحداته وبالعناصر الوطنية التي لم تتلوث بنظام صدام.

> هل تأثر بريمر برأيك بالـ «سي آي أي»؟

- حتى الآن لم أفهم كيف اتخذ هذا القرار في واشنطن.

> ممن كان بريمر يتلقى تعليماته؟

- الحقيقة انه كان تابعاً للرئيس بوش، وأعتقد أن راتبه كان من وزارة الدفاع. بريمر كان يطمح ان يصبح وزيراً للخارجية وكانوا يسمونه جيري بريمر، لكن اسمه هو بول بريمر، وهو عمل عشر سنوات مدير إدارة في شركة لكيسنجر، وكان يتصرف كأنه نائب الملك في العراق، ويحاول أن يقدم نفسه على انه ممثل الرئيس بوش، فأصدر قرار حل الجيش من دون ان يسألنا وكان هذا القرار مخالفاً لرأينا.

> من كان من المعارضة ضد هذا القرار؟

- كلنا، لم يؤيده أحد.

> بما في ذلك قادة الأكراد؟

- لم يطلب أحد هذا الأمر ولم يؤيده. نحن كنا نريد حكومة موقتة وكنا نجري اتصالات جانبية مع القيادات العسكرية وضباط. وأنا اجتمعت مع ضباط وقادة شرطة ودخلنا في تفاصيل ضبط الوضع في بغداد في تلك الفترة. هذا القرار اتخذه بريمر بمفرده بعدما أبلغ قيادات المعارضة العراقية ان لا أمل لديها في تأسيس حكومة موقتة.

> هل أبلغهم بريمر ام انهم اختلفوا في ما بينهم؟

- لا، لم يحصل خلاف على ذلك، ولم يحصل أي بحث جدي في هذا الموضوع. ولا تنسَ ان قادة المعارضة لم يكونوا كلهم في بغداد. أنا وصلت يوم 15 نيسان مع الدكتور عادل عبدالمهدي وهو الآن نائب رئيس الجمهورية وكان يمثل السيد عبدالعزيز الحكيم.

> يعني «فيلق بدر»؟

- لا، كان يمثل السيد عبدالعزيز الحكيم، و «المجلس الأعلى»، ثم بدأ قادة المعارضة بالوصول تباعاً الى بغداد، بحيث اكتمل حضورهم في أواخر الشهر الرابع، وجاء بريمر في 13 أيار، يعني أن الفترة الزمنية التي كانت متاحة للبحث في المواضيع كانت قصيرة جداً، وكان خليل زاد أبلغنا في 2 أيار انه سيذهب الى أميركا ويعود لتشكيل حكومة موقتة.

> هل لديك شك في ان إسرائيل وراء قرار بريمر بتدمير العراق؟

- لا أملك أي دليل على ذلك.

> لأنه قرار يصعب تفسيره.

- لا أملك دليلاً على أن اسرائيل وراء هذا القرار، لكن الجيش العراقي في 9 نيسان كان مجرد اسم، لأن الجنود والضباط ذهبوا الى منازلهم والمعسكرات نُهبت بكاملها. واذا كنت تريد المحافظة على الجيش اين تجمع عناصره؟ تبقي عليه أين تضعهم؟ معسكر الرشيد في بغداد ومعسكرات قيادات الفيالق في مناطق مختلفة، كلها نهبت.

> نهبت؟

- حتى الحجر نُهب، الفخار، الطابوق، لم يبق شيء.

> ألا تتحمل شخصياً مسؤولية فكرة اجتثاث البعث؟

- نعم، فكرة اجتثاث البعث كانت لسببين: أولاً لأنه تحول من حزب سياسي الى أداة قمع، كالحزب النازي، وأصبح لدى من ينتسب إليه مزايا مضاعفة في الوظائف الحكومية مقارنة بزملائه من خارج الحزب. وأصبح من واجبات البعثيين التجسس على إخوانهم المواطنين. ويتحمل حزب البعث المسؤولية عن حكم صدام لأنه اصبح أداة بيده وتحول من حزب سياسي عقائدي له قيم عالية الى هيئة سياسية إدارية تجسسية تنفذ رغبات صدام. ثانياً، يتحمل حزب البعث مسؤولية طحن ثلاثة أجيال في العراق. معلم في مدرسة يتقاضى راتب 50 ألف دينار اذا كان عضواً في الحزب في حين ان المعلم بنفس الدرجة يتقاضى 5 آلاف دينار اذا لم يكن عضواً، وأعتقد أن بقاء حزب البعث خطر على الوضع الجديد، كما كنا نرغب في منع حالات الانتقام العشوائية من البعثيين كأفراد، وأردنا أن نحميهم، وأنا أدعي أننا نجحنا في ذلك، لأن اجتثاث البعث جعل عمليات الانتقام محدودة، وهناك معلومات دقيقة عن حالات حصلت لكنها محدودة، اذ لم يحصل انتقام من البعثيين في حجم مذابح وقتل كما كان متخوفاً منه، وأعتقد أننا نجحنا في هذا.

> يعني اخذوا فكرتك عن اجتثاث البعث، لكن طبقها الأميركي على طريقته؟

- لا، نحن لم نترك الأمر على هذا الشكل، بعد تشكيل مجلس الحكم، ظللنا نلح على بريمر، حتى اقتنع ان الموقف أكبر منه، واصبحت أول هيئة بيد العراقيين هي هيئة اجتثاث البعث. أسسنا الهيئة الوطنية العليا وانتخبت رئيساً لها، وكان جميع القادة السياسيين تقريباً اعضاء فيها، لكن انا تحملت المسؤولية وكنت أعرف ان ردود فعل كثيرة ستصدر وكذلك سوء فهم، وأصبحتُ هدف البعثيين. أول قرار اتخذته الهيئة نص على اعادة كل بعثي دون مستوى عضو فرقة الى وظيفته، يعني أعدنا مئات الآلاف الى وظائفهم، ولم يتعرض لهم أحد. أما عدد الذين شملهم الاجتثاث فكان مليوناً و200 ألف بعثي، أما الذين تم اجتثاثهم فعددهم 38 ألفاً، وهم برتبة عضو فرقة وما فوق، وصولاً الى عضو قيادة قطرية، وبين هؤلاء 32 ألف عضو فرقة و6 آلاف عضو شعبة وما فوق، واعطينا اعضاء الفرقة الحق في طلب الاستثناء من هذا الاجتثاث، لكن بشروط، وعرضنا عليهم طلب التقاعد على ان يحصلوا على راتب التقاعد من دون قيد أو شرط. من اصل 32 ألفاً قدم 16 ألفاً طلب الاستثناء، وافقنا على ما يزيد على 15 ألفاً و500 شخص وأعيدوا الى وظائفهم، بينهم مدرسون وأساتذة جامعيون وموظفون في الدولة.

> وفي الجيش ايضاً؟

- نعم، قادة الفرق خضعوا للاجتثاث، وكذلك قادة العمليات في بغداد وفي مكتب القائد العام، كلهم طلبوا الاستثناء، وكذلك قادة الشرطة الوطنية. كما أن 2500 شخص قدّموا طلبات تقاعد تمت الموافقة عليها كلها، أما الباقون فلم يقدموا طلبات، فأين هم؟ هؤلاء أعضاء الشُعب الذين طرحنا منحهم حق التقاعد.

> عدا مرتكبي الجرائم؟

- هذا الأمر لا دخل لنا به. هيئة الاجتثاث لا يحق لها الاعتقال ولا الفصل أو الحجز. كنا نبلغ الإدارة المعنية ان شخصاً ما خاضع لاجتثاث البعث ونطلب اتخاذ الإجراءات المطلوبة بحسب القانون. وهناك وزراء لم ينفذوا. مرة كتب لنا وكيل وزارة الداخلية ان عنده 3 آلاف شخص خاضعين للاجتثاث وما زالوا في الوظيفة. نحن لم نكن نفصل الناس إنما كنا جهة كاشفة فقط. كانت للهيئة سلطة معنوية عالية.

استغل أميركيون الوضع وبدأوا تحميل مسؤولية الفشل الإداري لهيئة الاجتثاث، فبدأوا يهاجمونها، ويضغطون على الحكومة العراقية والمجلس النيابي لتغيير قانون الاجتثاث. وبعد ضغوط اميركية كبيرة اصدر المجلس النيابي في شهر شباط 2008 قانون المساءلة والعدالة الذي استبدل هذه الهيئة بهيئة اجتثاث البعث، لكن نصوص القانون الجديد كانت أشد وطأة على البعثيين، اذ ينص على أن كل من كان في الأجهزة الأمنية مع صدام يحال الى التقاعد، وهناك ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص في أجهزة الأمن العراقية الحالية يجب إحالتهم الى التقاعد بموجب هذا القانون.

> يمكنك القول إن اجتثاث البعث فكرتك وأنت راض عن تطبيقها لأنها جنّبت البعثيين عمليات ثأر جماعية ضدهم؟

- كما أنها فككت سيطرة البعث على المجتمع.

> لكنك تقول إن لا علاقة لك بفكرة حل الجيش العراقي؟

- نعم، فقد كنت ضد هذه الفكرة وطالبتُ بإجراءات عملية لإبقاء الجيش والحفاظ على معسكراته.

> هل أيد احد من القوى السياسية فكرة حل الجيش؟

- لا.

> إذاً كانت هذه فكرة أميركية؟

- نعم، واتخذها بريمر من دون ان يستشير احداً.

> هل تستطيع القول ان جزءاً من المشكلة في العراق تكمن في ان الأميركيين أسقطوا نظام صدام ولم يكن لديهم تصور لما سيحدث بعد ذلك؟

- الأميركيون كانت لديهم تصورات مختلفة، الأول كان تشكيل حكومة عراقية موقتة. هذا التصور فشل في واشنطن. والثاني هو الاحتلال والحكم المباشر، وهذا نجح في واشنطن.

> هل كان هناك تنافس دائم بين الـ «سي آي أي» ووزارة الدفاع؟

- نعم، دائماً.

> وبين الخارجية والدفاع؟

- نعم.

> هل كانت الـ «سي آي أي» أقرب الى الخارجية؟

- نعم، في عهد كولن باول.

> هل تسبب هذا التنافس بالفشل الأميركي؟

- نعم، هذا واضح عندي. هذا التنافس بين الأميركيين وعدم قدرة الرئيس بوش على حل النزاع داخل إدارته تسببا في تذبذب السياسة الأميركية وتخبطها في العراق وتشجيع أعمال العنف وسوء الإدارة والفساد.

> تعرض العراق لعملية نهب غير مسبوقة، أليس كذلك؟

- ماذا يعني ذلك؟

> هناك فساد؟

- طبعاً، العراق تعرض لعمليات فساد. يعني الذين نهبوا العراق هم من المفسدين العراقيين بالتعاون مع بعض الأجانب، لكن قسماً من الأميركيين كانوا فاسدين ايضاً. إنما تسامح الآخرون مع هذا الفساد.

> ألست مستفيداً من هذه المسألة؟

- أبداً.

> هل يمكن ان أسأل سؤالاً مباشراً، بما أنك رجل الـ «سي آي أي»، ألست شريكاً في الفساد؟

- أبداً، أنا أول من نبّه الى الفساد في مجلس الحكم، بحسب المحاضر وأول من تحدى بريمر. قلت له: ايها السفير بريمر انت الوحيد بتوقيعك المنفرد تتصرف بأموال صندوق التنمية الذي فيه كل اموال العراق فانتبه الى ما تفعله وما توقعه، وكان يغضب مني.

> ألم تتقاضَ أموالاً أميركية؟

- من قبل، فنحن كنا تعاونّا مع الأميركيين بحسب قرارات الكونغرس.

> أتكلم عما بعد سقوط صدام، ألم تستفيدوا في المؤتمر الوطني من الصفقات والوزارات؟

- أبداً، غير صحيح. أنا كنت تحت مجهر كل الأطراف ولم يستطيعوا أن يجدوا شيئاً. سأتحدث بالتفصيل عن هذا الموضوع. وصلنا الى العراق، ولم يشترك اعضاء المؤتمر الوطني في أي عمل مع الأميركيين. بعضهم قام بأعمال مخالفة للقانون، لكن قضايا بسيطة، أما في المشاركة في عقود الأميركيين أو عقود الحكومة العراقية فالمؤتمر ابتعد عن هذا الموضوع، فالاميركيون استهدفونا في المراحل الأولى وأبعدونا عن كل شيء، وعن كل السياسيين العراقيين الذين أتوا لاحقاً، وقد أكون الوحيد الذي باع من أملاك أهله وأقاربه وليس من أملاك صدام والدولة.

> من يشغل أملاك صدام؟

- حدّث ولا حرج في بغداد، عن املاك صدام وأملاك الدولة، الكلّ، دعنا لا نحدد، نحن لسنا دلالي أراضٍ لكن حتى مقراتنا أخذت منا بالقوة، كان لدينا مقر في البيت الصيني ومقر المخابرات.

> هل اخذها الجيش الأميركي؟

- نعم، وبتوجيه من الحكومة العراقية بعد نهاية الاحتلال، مقراتنا التي كنا نشغلها في الجادرية أخذتها الحكومة ولم يعد لدينا مقرات.

> هل تريد أن تقول إنك وحزب المؤتمر لستما شريكين في الفساد؟

- نعم، ونحن أول من كشف الفساد. أنا في نهاية عام 2004 وبداية عام 2005 اكتشفت أن أموالاً عراقية تنقل من مطار بغداد الى بيروت بمئات الملايين. أجريت مقابلة عبر محطة «العربية» مع إيلي ناكوزي وقال لي أن وزير الدفاع يتهمكم أنتم و «الائتلاف» بالصفويين، قلت له: اطلب من السيد وزير الدفاع أن ينتبه الى أموال الوزارة التي تنقل بالطائرات نقداً الى بيروت وعمّان.

> من كان وزير الدفاع؟

- حازم الشعلان، ولم ينتبه ناكوزي الى ما قلته. وجاءت استراحة الإعلان فتم إبلاغه أن الجلبي ذكر هذا الشيء اسأله عنه. وعندما عدنا الى البث سألني عن الموضوع فأكدت له الأمر، ورأساً طلب حازم الشعلان اعتقالي لتشهيري بوزارة الدفاع، وحصلت ضجة كبيرة، وانتهت حكومتهم وجاءت حكومة جديدة برئاسة ابراهيم الجعفري وأنا صرت نائبه، وطلبت من المصرف المركزي التدقيق في حساب وزارة الدفاع لدى بنك الرافدين - فرع زوريخ، حساب رقم 13 بالدولار. فأرسل المصرف المركزي فريقاً للتفتيش بالاشتراك مع ديوان الرقابة المالية واحضروا تقريراً اعتبره سرياً ومكتوباً باليد ولم يطبع، وفيه أن وزارة الدفاع تعاقدت مع شركة عراقية أسست في 1/1/2004 برأسمال 3 ملايين دينار، ووقعت عقوداً معها بمبلغ بليون و126 مليون دولار ودفعتها نقداً من دون كفالات وهي موزعة على 35 شيكاً جيرت جميعها لحساب شخص واحد.

> من هو؟

- اسمه (...) . ووضعت في حسابه في أحد المصارف العراقية، وطلب تحويل مبالغ بقيمة 481 مليون دولار الى حسابه الخاص في بنك الإسكان الأردني وأرسل مئة مليون دولار نقداً الى بنك الإسكان الأردني في عمان، وحوّل الى شخص يعمل لديه اسمه (...) مبلغ 480 مليون دولار، وقام هذا الشخص بتحويلها الى حساب الاول. أخرجوا من العراق بليوناً و60 مليون دولار الى حساب الاول في بنك الإسكان في عمان، على أساس ان يشتروا بها معدات للجيش العراقي، ولا نعلم حتى الآن ماذا حصل، وهناك مسألة أسوأ. كيف حصلت وزارة الدفاع على هذه الأموال؟ علماً أن ميزانية الوزارة للعام 2004 لشراء المعدات كانت فقط 295 مليون دولار ومع ذلك حصلوا على أكثر من بليون. كيف تم ذلك؟ أثرت هذا الموضوع، ووضعت تقريراً دقيقاً جداً لا يزال موجوداً عندي، وحقق القضاء العراقي في الموضوع ووجه التهم الى أشخاص ولم يحصل سوى القليل لمتابعة هذا الموضوع، ولا تزال هذه العملية تدور في جهاز الدفاع العراقي. هذه قضية كبيرة.

> الفساد شمل أموالاً عراقية، مداخيل من النفط، أليس كذلك؟

- طبعاً.

> وأموالاً أميركية؟

- الأميركيون مسؤولون عن الأموال الأميركية، وهناك شخص مسؤول اسمه ستيوارت بوين، كلفه الكونغرس التحقيق في قضية اموال إعمار العراق.

> هل ساهمت الشركات الأميركية في هذا الفساد؟

- الشركات الأميركية ساهمت في الفساد مع الحكومة الأميركية. قلما تعاقدت الحكومة العراقية مع شركات أميركية. أميركا تعاقدت مع شركات أميركية وهذه الشركات ضالعة في الفساد وعملية الفساد في وزارة الدفاع هي أكبر عملية فساد في العالم، ولا تزال مفتوحة. وهناك أيضاً فساد في وزارة الكهرباء حيث تم توقيع عقود بما يزيد على بليون دولار لمحطات لم تنتج 10 في المئة مما كان مطلوباً منها. كان يفترض أن تبدأ الانتاج في صيف العام 2004، إلا أنه حتى صيف 2008 لم تنتج.

> في أي قطاعات كان الفساد مستشرياً؟

- الكهرباء والأعتدة والسلاح، فساد كبير جداً، وأيضاً في قضايا التجهيزات في الوزارات الأخرى، لكن المسائل الكبيرة في الدفاع والكهرباء.

بعد خمسة اشهر على مجيء حكومة الجعفري سنة 2005 كتبت مذكرة الى رئيس مجلس الوزراء اقترحت فيها تأسيس لجنة للعقود، لتنظر في كل العقود التي تزيد عن 3 ملايين دولار وفي حسن إجرائها، وحددنا أن طريقة الدفع هي بواسطة الصكوك والاعتمادات المستندية والحوالات المصرفية وليس بالأوراق النقدية. وأنا أدعي انه خلال عمل هذه اللجنة، اجتمعت لفترة سنة 75 مرة ولم تحصل عمليات فساد مهمة خلال تلك الفترة وأنا كنت رئيس هذه اللجنة، وهذا الموضوع موجود وحاول كثر إثارة قضايا لكن هذه هي الحقيقة ولم ينجحوا لأنهم لم يجدوا شيئاً.

> أي سنة تركت العراق للمرة الأولى؟

- كان عمري 13 سنة، عدت لفترة بسيطة سنة 1966 كان عمري 21 سنة وبقيت أشهراً قليلة ثم عدت للدراسة في الخارج، وبدأنا بالعمل في المعارضة ودخلت العراق مرة أخرى، الى الشمال في عام 1969 لفترة بسيطة، وكذلك عام 1974 لفترة بسيطة، ثم دخلت الى شمال العراق مرة أخرى في عام 1992 وبقيت أربع سنوات ونصف السنة نحارب صدام، ودخلت مرة أخرى عام 1999 لفترة بسيطة وعدت في عام 2003 وأنا اقيم في العراق منذ ذلك الحين.

> ما هي الدول التي ساهمت مع الأميركيين في إسقاط صدام؟

- إيران ساعدت المعارضة العراقية على إسقاط صدام على رغم تناقضها مع السياسة الاميركية. كان هناك رأي في إيران يقول إنه يجب ألا نسهل مهمة الأميركيين في إسقاط صدام، لكن ايران سهلت عمليا وهناك الدول التي انطلقت منها القوات الاميركية.

> هل كانت سورية مع إسقاط صدام؟

- سورية كانت ضد إسقاط صدام عن طريق الأميركيين، وكان لديها قلق شديد من تعاون المعارضة العراقية مع أميركا، وكانت لديها تحفظات على دخول الأميركيين الى العراق وإسقاط صدام. الدولة الأولى بين الدول المحيطة بالعراق التي أرسلت وفداً رسمياً الى مجلس الحكم وتعاونت معه هي إيران، والسفير الإيراني موجود في العراق منذ العام 2003.

> من هي الدول التي دعمت المقاومة العراقية؟

- سورية وإيران دعمتا المعارضة العراقية ضد صدام، لكن معظم الدول العربية كان ضد المعارضة العراقية قبل غزو الكويت لكن بعد الغزو تحسن الموقف قليلاً، ونحن زرنا السعودية كوفد رسمي، وزرنا الكويت لكن مستوى التعاون كان ضئيلاً ما عدا إيران، وعندما دخل الأميركيون على الخط أصبحت للسوريين تحفظات بعد سقوط صدام. «القاعدة» والمتطرفون في العراق بدأوا يتلقون مساعدات من أطراف غير حكومية ومن المحتمل أن يكون هناك غض نظر من الأطراف الحكومية، تم تمويل هؤلاء وتنظيمهم من قبل أشخاص غير عراقيين في البداية.

> هل ساهمت إيران بتسهيل مرور «القاعدة» الى العراق؟

- لا أعتقد أن هذا الكلام صحيح.

> يقال إن سعد بن لادن موجود الآن في....

- (مقاطعاً)، أبداً، حلفاء إيران وصلوا الى السلطة في العراق، يعني رئيس الجمهورية صديق لإيران وكذلك رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلس النيابي وكثير من الوزراء لديهم علاقات، لا مصلحة لهم بتقويض الوضع القائم في العراق.

> يعني هل أمسكت إيران بالقرار العراقي؟

- الى الآن لا، إيران لديها نفوذ كبير في العراق. سبب هذا النفوذ هو سوء تصرف أميركا السياسي في العراق.

> ألا يوجد خطر بسبب ذلك على عروبة العراق؟

- لا أعتقد أن هناك خطراً على عروبة العراق، الشعب العراقي أكثريته من العرب ويعتزون بعروبتهم، والكلام الذي يقال احياناً ان الشيعة في العراق لهم ولاء لإيران أكثر من ولائهم للعراق، كلام مرفوض. العوائل العراقية والعشائر العراقية تضم سنة وشيعة. وهناك حالة من التعايش الاجتماعي بينهم.

> لكن حصلت حرب أهلية في العراق؟

- لا، ليست حرباً أهلية، لم تصل الى الحرب الأهلية. تعريف هذه الحرب عندما تكون هناك حكومتان تتنازعات على قطعة الأرض ذاتها وكل يدعي شرعيته عليها، في العراق لم يحصل ذلك. ما حصل هو قتال أهلي على أساس طائفي، والحمد لله انه تمت السيطرة عليه، هذا حصل بتخطيط، هناك رسالة للزرقاوي أرسلها الى الظواهري وضبطت في شهر آذار 2004، ذكر فيها أن أملهم الوحيد في النجاح بالعراق هو الامعان في قتل وإرهاب الشيعة لينتقموا من السنّة فيلجأ السنّة الى «القاعدة» لحمايتهم من الشيعة، ونفذوا هذه السياسة.

> تقصد تدمير مقر الامامين في سامراء؟

- وقبل ذلك مثلث الموت جنوب بغداد، والنجف وكربلاء كل يوم كان يحصل قتل، الى أن انفجر الموقف، السيد السيستاني قال لي مرات عدة: لا اريد أن ينتقم أحد حتى لو قتلوني واكتشفتم ان من فعل ذلك هو من السنّة. لكن الكيل طفح بعد تفجير المقام في سامراء.

> دخلت متعاوناً مع الأميركيين الى العراق، ما حكاية البيت الشيعي؟

- دخلت الى العراق وأنا على خلاف مع أميركا حول موضوع الاحتلال، وهذا الموقف معلن، وعندما شكل الاميركيون مجلس الحكم شكلوه على أساس طائفي، ونحن كان هدفنا في مجلس الحكم إنهاء الاحتلال. اعتبرت أن هذا واجبي وتم وضع مشروع قانون أساسي للمرحلة الانتقالية يحمي العملية الديموقراطية وحق العراقيين في الانتخاب، ووجدت داخل مجلس الحكم أن من الصعب جداً تأسيس تكتل موضوعي بين العراقيين لا يكون خاضعاً مباشرة للنفوذ الاميركي، ووجدت انه حتى نتمكن من سن قانون أساسي يحمي الديموقراطية والعملية السياسية والتبادل السلمي للسلطة ويحمي استقلال العراق وسيادته، أن يكون هناك تكتل يخضع لنفوذ وتأثير سلطة معنوية بعيدة عن الاميركيين هي المرجعية الشيعية، ولم أجد غ