خلافات البعث بين دمشق وبغداد

حماس السوريين للاتحاد مع مصر يعكس شكوكا في مؤامرات من الحكومة العراقية لقلب نظامهم

استغرب بلفور بول سفير بريطانيا لدى العراق، كما يصور هذا التقرير، خلافات دمشق وبغداد على خلفية عقيدة البعث، وحاول جاهدا في تقريره لوزير الخارجية البريطاني ديفيد هيوم استقصاء العداوة الممتدة بين العاصمتين، فتهكم، ثم عاد لينقب في جذورها فاعادها الى الغيرة وطموح الزعامة في المنطقة، ولم يفتقد الشجاعة، لحظات الحديث عن الغيرة السياسية ان يشبهها بتلك التي حكمت علاقات بريطانيا وفرنسا ايام صراع النفوذ في دائرة الاستعمار القديم، وقال في جرأة انهم قد اعطوا قبلة الموت لفكرة الهلال الخصيب.
ومجمل القول هنا، ان التقرير، وبابسط تقييم يرقى الى الوصف بالتحليل السياسي الرفيع لأنه لم يتغافل حتى العلاقة بين ذلك العداء وبين الشخصيات والشخصنة الكامنة في ثناياه.

* وثيقة رقم : 3.

* التاريخ: العراق في 18 سبتمبر (ايلول) 1971

* الى: وزير الخارجية من سفير حكومة الملكة ببغداد.

* الموضوع: تقرير دبلوماسي.

سيدي:

1 ـ تكمن واحدة من غرائب الشرق الاوسط في العداوة المشتركة الخبيثة بين نظامي البعث في العراق وسورية. وقد اعتاد القناصل في بيروت وهنا الكتابة من وقت لآخر عن التجليات الجديدة في هذا السلوك غير الاخوي، وبينها احكام الاعدام بالموت غيابيا من قبل محكمة سورية على عرابي البعث العراقي. وقد يكون في هذا مناسبة مؤاتية لاعادة قراءة هذه الكراهية المستمرة وما يرقد وراءها.

2 ـ العبارات العادية المستخدمة في تلك الكراهية هي (العسكريون الانحرافيون) من العراقيين تجاه السوريين، و(عصابة اليمين الفاشي) من السوريين تجاه العراقيين، والمفترض انها تضع فارقا عقائديا اساسيا. ولا احد يحمل تلك الاوصاف محمل الجد، ولكن البعض يأخذها في اتجاه كونها مبررا للتوقعات التالية لطرد فصيل البعث الجديد (صلاح جديد) في سورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من قبل نظام الأسد غير الواضح بالتصنيف بانه جناح يساري. وقد يكون هناك القليل من التغيير، اذا لم يكن على صعيد الغيرة بين النظامين، فعلى الاقل في طبيعة الاتهامات المتبادلة في ما بينهما.

3 ـ لم يتشكل ذلك التغيير بعد، وفي الحقيقة فان بيان الأسد في الاسبوع الماضي فقط حول القومية العربية الجديدة قد احيا ممارسة التوبيخ للقيادة العراقية كعصابة يمين فاشي، ومذنبة باعتقال وتعذيب الوطنيين من التقدميين والبعثيين الذين لم يتعاونوا معها. وبما ان جذور الخلاف في الاصل عقائدية، فمن النادر ان تبذل محاولات من أي الجهتين لتوظيف واتخاذ مناسبة وصول الاسد للسلطة كوسيلة للتقارب.

4 ـ وفي الحقيقة فان الفوارق العقائدية نادرة التعريف او التعرف، وبدرجة اقل الآن مما كانت عليه في زمن صلاح جديد. فكلا النظامين يزعمان تمثيل رسالة البعثية (ايا كانت درجة المشاكل التي يصطنعها ايهما مع مؤسسها). وكلاهما يعتبر ذلك مهمته لعبور الرسالة من قبل قادة القومية العربية البعثية. وكلاهما يؤسس نفس توجهات الصداقة مع المعسكر الشيوعي، وفي ذات الوقت نفي التوجه العدائي تجاه الشيوعيين في بلديهما، كما ان كليهما يعلن نفسه مع الجبهات الوطنية كوعاء سياسي تحت السيطرة البعثية.

5 ـ ولذلك، وايا كان معنى ضيق الهامش بين لافتات (الجناح اليميني) و(الجناح اليساري) في مصطلحات العداء بينهما، فعلينا قطعا ان ننظر في اتجاهات اخرى بحثا عن السبب الجذري وراء العداوة.

6 ـ يشكل الموقف من القضية الفلسطينية وفق اعلانهما حجر الزاوية في سياستهما الخارجية، ولكن، ومرة اخرى، فهناك القليل الذي يمكن اختياره او الوقوف عليه بين طرحيهما، فكلاهما يعرض نفس المعارضة العامة للحلول السياسية (السوريون فعلوا ذلك مرة اخرى منذ تحالفهم الرسمي مع مصر في الاتحاد الجديد). (الاشارة هنا لاتحاد الجمهوريات العربية المتحدة الذي ضم السادات والاسد والقذافي. «الشرق الأوسط»). ولذلك السبب فهناك الزهد الخاص في ان يتورطوا انفسهم عسكريا.

7 ـ التوضيح السائد للعداوة يكمن في كون دمشق وبغداد تتنافسان على ريادة الموقع في هذه الالفية حتى من قبل انتزاع بغداد للخلافة الاسلامية من دمشق، ولذلك فهذه الغيرة ستستمر ايا كانت طبيعة النظامين. فالمنافسة القديمة بالمشرق العربي ثلاثية القطبية وليست ثنائية، لان القاهرة هي المنافس الثالث. وقد قبلت دمشق التعاون مع القاهرة في 1958 لثلاثة اعوام، وها هي، وبالتأثير تتقبله مرة ثانية، وكل ذلك برغم ان السوريين يملكون قواسم مشتركة، عرقيا وجغرافيا واقتصاديا مع العراقيين اكثر من امتلاكها مع المصريين. والوحدة بين العراق وسورية وجب ان تكون اكثر اهداف السياسات الطبيعية تصورا، خاصة في ضوء الاتهام السائد ضد الامبريالية الغربية بانها قسمت المنطقة الى وحدات بطريقة غير طبيعية. (حتى الهلال الخصيب، وقد يتشكك المرء في ان ذلك قد تبخر اذا لم نكن نحن قد وهبناه قبلة الموت). على الجانب الآخر قد يكون هناك شيء في النظرية لجهة ان العداوة بين النظامين في بغداد ودمشق هي، وفي جزء منها، ناتج ميراث الغيرة بين قوى الانتداب التي سبقتهما. (تبدو الاشارة هنا الى بريطانيا وفرنسا. «الشرق الأوسط»).

8 ـ لا شك ان للشخصيات دورا كبيرا في هذه العداوة كما هو الحال مع كل شيء في العالم العربي، ولا شك فان الشخصيات وبصحفها المليئة بوقاحات مشتركة من خلفها تجعل مهمة المصالحة صعبة حتى حين تعترف تلك الشخصيات بالرغبة في المصالحة. حين سألت السفير الليبي الجديد في اليوم التالي حول ما اذا كان العراق سيسمح له بدخول الاتحاد اذا تقدم بطلب، كانت اجابته: (لا، طالما ظلت تديره هذه العصابة المخيفة). قادة البعث بالعراق، وبلا شك اولئك الذين في سورية ايضا، مثاليون من نوع، ولكنهم بعقول صغيرة، تصر على الزعامة باي شكل تقدمه لهم، ولكنهم ايضا غير قادرين نفسيا على مشاركة الزعامة نفسها.

9ـ اخبرني مؤخرا اثنان من سفراء اميركا الجنوبية المعتمدين في بغداد ولكنهما يقيمان في دمشق كيف انهما وجدا وبصورة لا تقبل المقارنة، ان النظام في العراق اكثر رقيا وكفاءة من السوري. وبلا شك فان حماس السوريين للاتحاد مع مصر (وحمايتها لهم) يعكس شكوكا بان المؤامرات العراقية المزعومة لقلب نظامهم ليست بلا اساس او خطر. اشك في وجود جوهر كثير في قصص المؤامرات هذه. على الاقل مع رواية (قدمها اخير مصدر) ان هدف العراق الاساسي هو احلال امين الحافظ مكانهم في كرسي الرئاسة، رغم ان العراقيين يعتبرون امين الحافظ مخفقا.

10 ـ لذلك نأتي للسؤال: لماذا تجاوزت هذه العداوة العامة لما هو معتاد بين الدول العربية الاخرى، ولماذا هي اكثر تشددا؟ ليس لدى اجابة جديدة اقدمها. فهما، وبالطبع، مثل جار مباشر (مثلما اظهرت دول الخليج في عالمها الصغير) تتشاجر معه في معظم الاحيان، واذا كان الجار المباشر يشاركك بصورة متفردة في عقيدة عامة، فالحاجة الى مرافعات خاصة تكون قائمة لاظهار اسباب غياب المشاركة والتعاون. ومن هنا، ربما، كانت الصيحات الحادة للطعن والذم بلا نهاية.

11 ـ ومع ذلك، ومع ابقاء العراق على هذه المسافة بينه وبين السوريين، فلانه ربما يراهن على تعاطف شعبي. فالعراقي العادي يشارك قادته بلا شك حسا متناميا تجاه الهوية الوطنية، والتي لن يفعل وصول البلاد للثروة شيئا في تقليلها، والتي، وبلا شك ايضا، ستكون بطيئة في العمل خارج نظامهم مثلما تفعل الغيرات الوطنية في الاجزاء الاخرى من العالم. وبما في ذلك نحن البريطانيين.

12 ـ على صعيد الواقع وعلى مستوى الارض، فهناك اعمال اقتصادية وتجارية كثيرة تجري بين البلدين رغم الازعاج المبثوث في الهواء. فالوفود تجيء وتذهب لتناقش السكك الحديدية واتصالات الطرق، وترتيبات مشاركة المياه وخطط خطوط الانابيب، وبيع المنتجات النفطية، وها هما قد رفعا مرة اخرى تمثيلهما الدبلوماسي الى مستوى السفراء.

13 ـ ويمكن مقارنة العلاقات بين دمشق وبغداد بالممارسة المعتادة لطلاب التاريخ الطبيعي التي: يرسم فيها ممثلو نفس الشرائح الحدود المطلوبة على اراضيهم للصيد بصورة مزعجة وصاخبة في ما بينهم اكثر مما يفعلون ذلك مع زملائهم في الشرائح الاخرى. قوانين الارض الموضوعة (وتتأكد كل فترة)، فجمع الطعام يبدأ ويستمر من دون تدخل نشط من الخارج.

14 ـ ربما يجد سفير حكومة الملكة في بيروت، والذي ارسلت له نسخة من هذه الرسالة، اضاءات اكثر للاضافة. ارسلت نسخا كذلك الى القناصل في عمان والقاهرة وواشنطن.

اتش. جي. بلفور بول =