ما هي المرشديه ومن هو سلمان المرشد؟

مرت سنون على الحقبة السورية في فترة الإنتداب الفرنسي وما بعده والمكتبات، إن في سوريا أو خارجها، مكتظة بكتب تكاد تكون متشابهة حول تلك الحقبة. والآن ، صدر كتاب جديد ، وقد سمحت السلطات الرسمية بتداوله في سوريا، ويجمع بين دفتيه مذكرات سياسي من مدينة حلب (شمال سوريا) لتخرج لأول مرة على ما اعتاد المؤرخون تكراره . و جمع هذه المذكرات باحث سوري متخصص بعد رحيل كاتبها.

وبقدر ما كان ذاك الريف السوري هادئا بين أشجار السنديان، وحيث كان الإنتداب الفرنسي يسعى لزرع الجهل وزرع الفتنة والتوتر واستغلال بعض رجال الدين ومنحهم الأراضي والمكتسبات، فقد كانت أفكار الكثير من رجال الدين العلويين متنورة وتدعو لتحرر الشعوب من دول الإنتداب مثل بريطانيا وفرنسا، وقد رفضوا التخلي عن مبادئهم وفي مقدمتهم الشيخ صالح العلي- مع الإشارة إلى أن لم يتم إلقاء الضوء كثيرا على هؤلاء عبر التاريخ. في تلك الفترة ، انشق عن الطائفة العلوية شخص يسمى سلمان المرشد والذي بعد إعدامه من قبل الحكومة نشأت طائفة المرشدية نسبة إلى اسمه. والآن تخرج مذكرات جديدة بسورية لتقلب الأقوال بأن سلمان المرشد تعاون مع الإنتداب الفرنسي وتؤكد عكس ذلك وتضيف بأن الرجل كان وطنيا وعمل على بث أفكار جديدة لتحرير المجتمع من بعض القيود .

اسم الكتاب الجديد شعاع قبل الفجر : مذكرات أحمد نهاد السياف من تحقيق وتقديم الباحث والكاتب السوري محمد جمال باروت ، وجاء الكتاب في 296 صفحة، وهو إصدار خاص للعام 2005 ، وهو الآن من أكثر الكتب مبيعا في دمشق وبيروت.

يقدم الكتاب سردا مفصلا حول علاقة كاتب المذكرات أحمد السياف مع زعيم الثورة السورية في الشمال ابراهيم هنانو، ومن ثم يأتي القسم الأكثر أهمية وهو المرشدية في سوريا وحكاية سلمان المرشد مع الإنتداب الفرنسي ليقلب المعلومات التي استمرت منذ ذلك الحين إلى هذا الوقت كأن يكشف أن إعدام المرشد لم يكن له أي صلة بقضية الخيانة العظمى التي اتهمته حكومة سعد الله الجابري بها، وكان إقطاعيو اللاذقية قد قاموا بتلبيسه إياها.

كاتب المذكرات ،أحمد السياف (1909 ـ 1992)، يقدمه الباحث جمال باروت كأحد رجال الحركة الوطنية ومرحلة ما بعد الاستقلال و من تلاميذ الزعيم ابراهيم هنانو (1869 ـ 1935) ومن ممثلي الجيل الثاني للوطنيين / الاستقلاليين .

ما هي المرشدية ؟

ولكن ما هي المرشدية ؟ الكتاب يقدم تعريفا بهذه الجماعة على أنها ظهرت في عشيرة بني غسان العلوية واستقلت دينياً عن العلويين بعد أن تحولت إلى دين ومذهب روحي يستند الى الغيبة ، ويؤكد أتباع هذا المذهب أن سليمان المرشد لم يدع الناس لأن يتخذوه الهاً ولكنه إمام بشّر بقيام المهدي المنتظر.

أعدم سليمان المرشد في عام 1946 وأصبح ابنه مجيب المرشد هو القائم الموعود ولكنه قتل في عام 1952 بأمر من أديب الشيشكلي، وأصبح بعده ساجي المرشد هو الإمام إلى أن توفي في 1998 دون وصية. ووقف أتباع المرشدية إلى جانب الرئيس الراحل حافظ الأسد في وجه بعض محاولات التمرد عليه.

العربية.نت التقت الباحث السوري محمد جمال باروت وأجرت معه الحوار التالي حول الكتاب:

حقائق تكشف لأول مرة

- القسم الثاني من الكتاب يتحدث عن ذهاب أحمد السياف إلى اللاذقية ليكون مديرا لمؤسسة تبغ هناك والتقى بسلمان المرشد وتقول أنت أن الكتاب يكشف جوانب كانت مطموسة غامضة ، ما هي أبرز هذه الجوانب ؟

- السياف لم يكن يعرف عن سلمان المرشد إلا ما رسمته الصحف عنه من صورة نمطية لـ الشقي المزنر بالقنابل والخناجر ففوجئ بـ وسامته و لطف حديثه ، بالتالي انكسر أول متخيل، حيث وضع المرشد المنطقة التي في نطاق نفوذه والتي كانت تنتج التبغ تحت نفوذ السياف أول مدير وطني لمؤسسة التبغ، وأخذ المرشد يتباهى بالسياف بوصف الأخير صديق إبراهيم هنانو. بكلام آخر يحكي السياف عن علاقة ثقة نشأت بينه وبين المرشد في سياق احتدام قضايا الخلاف مابين المرشد وخصومه الذين يبين السياف أنهم لم يكونوا سوى إقطاعيي اللاذقية، وأنهم تمكنوا من جعل موقف الحكومة يعمل لصالحهم. سردية السياف تقع زمنيا بين منتصف العام 1945 ونهاية العام 1946 أي من تعقد قضية المرشد إلى نقله من الزعامة إلى المشنقة. ما جذب أقصى اهتمامي بالمذكرات هو أنها تقدم سرديةً مختلفةً حرفياً ومئة بالمئة عن السردية شبه الرسمية التي نشرتها الحكومة بعد إعدام المرشد وعن مرسوم اتهام الحكومة المرشد وتحديد القضايا المقصود بإسنادها إليه لمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى. فماتقوله مذكرات السياف هو سردية أخرى تماماً يبرز فيها المرشد كضحيةٍ أوقعت الدسائس البريطانية وحقد خصومه من إقطاععي اللاذقية المتنفذين الذين توطأت معهم الحكومة به، فيقول لنا السياف أن المرشد لم يقم بالعصيان على الدولة في أول العهد الوطني الفتي بل نصبت له الحكومة من خلال المحافظ عادل العظمة كميناً اوقع به لم يرد عليه المرشد واختار الاستسلام على المقاومة، وانه لم يعارض شروط التحكيم لحل قضايا الخلاف بل قيلها اخيراً كلها، وانه لم يكن عميلاً لفرنسا كما صورته الدعاية المضادة بل احتفل بعيد الجلاء، وانه كان حريصاًَ على التعاون مع الحكومة بينما الحكومة كانت تترصد التخلص منه كي تؤدب به زعماء الأقليات الآخرين وفي مقدمتهم سلطان باشا الأطرش. لقد قارنت للتو مابين سردية السياف وبين السردية الرسمية وشبه الرسمية ولاحظت بكشلٍ أكيدٍ أن هناك فصلاً تراجيدياً في التاريخ السوري الحديث مسكوت عنه لدواعٍ إيديولوجية أو وطنجية تحجب التاريخ الاجتاماعي وتمنع من البحث فيه .

- هل عدتم إلى مراجع تاريخية ؟

- دفعني هذا إلى الغوص في كل التفاصيل فعدت إلى اكثر من 82 مرجعاً فرنسياً وعربياً وكذلك نقدياً إلى مجريات الصحافة والجريدة الرسمية، وقررت القيام بعملية تحقيق كل كلمة تقريباً من نوع الحدث أو اسم العلم أو الواقعة أو المكان يرد في المذكرات . ولذلك وصفت هذه المذكرات بالشهادة- الصدمة التي تحطم الرواية شبه الرسمية والرسمية كلياًُ، فعلى كل حال لم تستطع الحكومة أن تعدم المرشد بتهمة الخيانة العظمى التي اسندتها إليه حيث لم تستطع المحاكمة الاستثنائية إثبات ذلك ولاسيما أن شهادة احمد السياف وشهادة العقيد محمد علي عزمت قائد حملة الدرك ضد المرشد نفسه إضافةً إلى شهادة المير عبد الله التامر قائمقام منطقة الحفة التي ينتمي إليها المرشد قد نفت هذه التهمة خلافاً لضغط الحكومة بل تم إعدامه بقضية جنائيةٍ تتعلق فعلياً بكمين الحكومة. وضخت الدعاية في كل مكان ادعاء المرشد بالربوبية ولكن هذه القضية لم تسند له كاتهام ولا في نص الحكم وكان استخدامها من قبيل التحريض عليه أحيل بتهمة الخيانة العظمى أما المرشد نفسه فقد أجاب في بداية المجاكمة أنه لايهمه من كل التهم الموجهة إليه سوى الخيانة العظمى وانه عدو الاستقلال ، وفي النهاية بعد إصدار الحكم تسأله المحكمة إن كان يطلب الرأفة فقال لا أطلب الرأفة ما دامت الحكومة برأتني من تهمة الخيانة العظمى بل اطلب الموت وطلب في وصيته أن يلف جسده بالعلم الوطني المفدى ، وتعرض المرشديون للتنكيل الفظيع بعد ذلك من قبل معظم الحكومات المتتالية .مع ملاحظة ان المرشدية كدعوة دينية انطلقت بعد إعادم سلمان في اواخر 1946 وتعتبر نفسها مستقلة عن العلويين .

حكاية سلمان والربوبية

- هل هو ادعى الألوهية أم أن جهة ما رمت هذه التهمة عليه ؟

- الدعوة المرشدية تصر على أن سلمان لم يدع نفسه ربا ولم يدع أحدا لعبادته وتنفي هذا الأمر عنه ، ولكن الصورة التي مازالت عن المرشد منتشرةً بتأثير حملة الأربعينيات العاتية عليه بشكلٍ خاصٍ وأساسي حتى الآن هي أنه ادعى الربوبية. لم يكن يعنيني ذلك في عملية التحقيق، لكن التحقيق قادني إلى ملامسته والتوقف عنه، و وجدت مبالغةً كبيرةً في هذه الأسطورة نسجت حول المرشد من قبل خصومه وضخمت من قبل خصومه من بعض زعامات العشيرة وبعض رجال الدين، إذ أن المرشد اصطدم بهاتين الفئتين لكن مما لاشك فيه أن عشيرة سلمان كانت تعتبره إماما وزعيما في الآن ذاته ، ووفق المرجعيات التاريخية المستقلة عن المرشديين أنفسهم فإن سلمان المرشد بشّر بقرب ظهور المهدي المنتظر وهي عقيدة مستمرة في اللاوعي الشيعي وهي بديل عن حالة الظلم والبؤس، منذ عام 1923 عندما انهارت سلطة الزعماء الدينيين والدنيويين في منطقة الجبل العلوي الأعلى او جبل الشعرا. فكانت دعوته للخلاص من هذا الواقع لذلك ثم اعتبرته عشيرته بعد عودته من مدة النفي التي حكم عليبه الفرنسيون بها بين العامين 1925-1927 إماما وزعيما لها في آن واحد.

-المرشديون هل هم علويون أم لا ؟

- هم يعتبرون أنفسهم دعوة دينية مستقلة تمام الإستقلال عن العلوييين ، لكنهم من الناحية الإجتماعية والعادات والتقاليد هم علويون ، ويعتبرون أنفسهم ممثلين للمذهبية الغيبية التي ترفض النمثيل الكوني لله، وأن مشايخهم تاريخياً غير مشايخ العلويين وأنهم محصورون بآل البنا. وهذا صحيح تاريخياً من ناحية أن آل البنا كانوا شيوخ المذهبية الغيبية، ويرون أن سلمان دعا إلى تنقية المذهب الغيبي من المزيدات المذهبية العلوية الأخرى.

اختطاف ونفي المرشد على يد فرنسا

- هل تطرق الكتاب إلى نشأة المرشد ومن أين استمد قوته ومن الجهة التي وقفت وراءه ؟

- ليس الكتاب عن سلمان المرشد ولاعن المرشدية بل كتاب تحقيقي علمي صرف ينتهج التحليل التاريخي لمذكرات السياف لكن بحكم أن قضية المرشد تشكل نصف المذكرات التي بين أيدينا فإن التحقيق حاول أن يسرد ذلك ولاسيما مايتصل به من الفصل المسكوت عنه في التاريخ السوري والمطموس المتعلق بسوق المرشد من الزعامة الى المشنقة. هناك تفاصيل موثقة نقدياً في الكتاب من أكثر من 82 مرجع عربي وفرنسي . و من أرشيف المخابرات الفرنسي وأرشيف عادل العظمة غير المنشور وبرقياته، والذي كان محافظ اللاذقية في ذلك الوقت وتولى مهمة الإيقاع بالمرشد وسوقه إلى المشنقة. العودة موثقة ونقدية إلى هذه الوثائق. وفي التحقيق هناك توثيق نقدي راعى الدقة لكل ماتحيل إليه من المذكرات وتستدعيه من ولادة المرشد وظروف جهره بقرب ظهور المهدي المنتظر وتحول دعوته على حركة عصيان فلاحي ثم قيام الفرنسيين بخطفه ثم نفيه إلى الرقة بين العاامين 1925-1927 ثم عودته إلى منطقته واصرار السلطات الفرنسية للاعتراف على مضض به، حيث كانت تدعم خصمه علي آغا بدور وخصمه الآخر علي آغا الكنج مروراً بموقفه وحتى موقفه المتزعم للقائمة الوحدوية ضد القائمة الانفصالية في انتخابات العام 1936 التي عادت قبلها اللاذقية إلى حضن سورية وانتخابه عن
القائمة الوحدوية عضواً في المجلس النيابي السوري، مروراً بحركة الأقليات في العامين 1938-1939 وكشفها تصدعات التكامل الوطني السوري وحيثيات ذلك حيث كان المرشد إلى جانب الخط الاتحادي اللامركزي في مواجهة الخط الانفصالي، ثم تحليل ذلك خلال النصف الأول من الأربعينيات التي اعيد فيها انتخاب المرشد نائباً في المجلس النيابي، وارتبط بعلاقة خاصة مع فارس الخوري رئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة في فترة أخرى. وحتى المشنقة ومابين ذلك من تطورات وحيثيات تتعلق بالاستقلال السوري، وصراعات القوة والسلطة، والريف والمدينة.. إلخ

- قلت أنه تم التضييق عليهم حتى بعد حكم البعث عام 1963 إلى 1970 كيف كان وضعهم بعد 1970 ؟

- هذا يخرج عن حدود تحقيق الكتاب لكن لابأس في الإشارة بحكم أنني قد اطلعت على قدرٍ كبيرٍ من التاريخ المرشدي، حيث أنه بعد العام 1970 تم اللقاء بين المرشديين والرئيس الراحل حافظ الأسد على قاعدة منح الولاء للرئيس حافظ الأسد مقابل رفع الإضطهاد عنهم وألغى الأسد القوانين والإجراءات التي كانت تحكم بالسجن على من يجهر بمرشديته أو يعلن عدم عودته عنها. فهو تحالف مبني على الدعم مقابل رفع الاضطهاد الذي عانى منه المرشديون منذ إعدام زعيمهم سلمان المرشد.

- ما عدد المرشديين الآن في سوريا ؟
- ليس لدي إحصائيات فهذا الأمر الآن خارج اهتمامي لكن مركزهم الأساسي كان في أرياف حماة وحمص واللاذقية، وتمركزهم في عشيرة بني غسان التي تتألف من عشائر الدراوسة والعمامرة والمهالبة. غير أنه أكثر بكثير من عشرات الألوف كل تأكيد.

-هل لهم ممثل الآن في البرلمان ؟ خلال فترة الإمام ساجي وهو أخر إمام عندهم بعد مجيب وتولى مايسمونه بتعليم الدين، كان لهم حصة في مجلس الشعب عن محافظات اللاذقية وحماة وحمص وكانوا يختارون ممثليهم وفق انتخابات أولية تمهيدية بين المرشديين، وساجي أمرهم وفق مااطلعت عليه في أخر حياته أن المرشدية ليست دعوة سياسية ولااقتصادية ولاجمعية خيرية بل دعوة دينية روحية خالصة لله تفصل بين الدين والدنيا ، وتتيح حرية الدخول والخروج منها لكن من دون تشهير أو إيذاء بالدعوة لمن يتركها. وكل من يقوم بعمل سياسي أو ينتسب لحزب ينتسب بصفته الشخصية لكن عليه ألا يكتم مرشديته عن الآخرين وألا يكتم انتخابه إلى هذا الحزب عن المرشديين وله حرية العمل الحزبي والسياسي ورفضوا تكفير أية طائفة أخرى .

ماذا جرى بين هنانو ومردم بيك ؟

- في القسم الأول من الكتاب حديث عن علاقة السياف مع ابراهيم هنانو ما الجديد في هذا الحديث ؟

- السياف ينتمي إلى الجيل الثاني من قيادة الحركة الوطنية السورية التي كان يتألف جسمها القيادي من الكتلة الوطنية السورية التي اعتبرت بمثابة حزب الوفد في مصر. وهذا الجيل لم يترك مذكرات عن تجربته. بمعنى آخر ليس لدينا سردية عن تجربة الجيل الثاني، وأول سردية هي سردية أحمد السياف الذي انخرط في الحركة الوطنية 1926 وكان فرع حلب في الشمال هو الأكثر راديكالية في الكتلة الوطنية السورية حيث اعتمد إبراهيم هنانو على الجيل الثاني الذي يختلف عن الجيل الأول المنحدر من طبقات وشرائح الذوات الاجتماعية العليا.

- كقارئ لمذكرات السياف قبل أن تكون معدا لها ما الشئ الجديد الذي صدمك فيها ووجدته جديدا ؟

- الخلاصات الأساسية حول الخلافات في الكتلة الوطنية في فرع حلب بين جناح راديكالي واتجاه براغماتي قريب من اتجاه جميل مردم بيك في فرع الكتلة بدمشق معروفة . ما كنا نعرفه أن رياض الصلح تدخل لرأب الصدع والخلاف بين ابراهيم هنانو وسعد الله الجابري في حدود العام 1928 إثر انتخاب الجمعية التأسيسية السورية . و لقد تجدد الخلاف عام 1932 لأنه يبدو أن سعد الله الجابري الذي يمتلك رصيداً وطنياً كبيراً في الكفاح الوطني كان لديه الطموح للعمل بشكل مستقل وكان أقرب إلى جناح جميل مردم البراغماتي في حين كان ابراهيم هنانو يظهر بمظهر أكثر راديكالية وأرغم جميل مرد على الإستقالة من الحكومة في ذلك الوقت. السرديات الوطنية لاتكشف لنا موضوعات الخلاف التي تفجرت في مؤتمر الكتلة في العام 1923 في حمص، والتي كانت قد أخذت شكل تجدد الاستقطاب بين هنانو والجابري، فمحضر هذه الجلسة في هذا الاجتماع الذي يعتبر من أخطر مؤتمرات الكتلة مايزال غير متوفرٍ بنصه الكامل امام المؤرخين أو امام التداول، كما أن كتاب المراحل لعبد الرحمن الكيالي اكتفى بكلامٍ لايسمن ولايغني من جوع عنه. لكننا نجد في مذكرات السياف صدى لموقف هنانو داخل هذا المؤتمر، ومن هنا يسهب السياف في سرد مفردات الخلاف بين هنانو وبين جميل مردم بك من جهة، ثم شكواه من سعد الله الجابري الذي كان له في الواقع فهمه الوطني لسياسات التخلص من الانتداب عبر التفاوض المدعوم بالضغط الشعبي.

- ما طبيعة الخلاف هذا الذي نشأ بين جميل مردم بيك وابراهيم هنانو هل هو سياسي أم صراع على مصالح ما ؟

-شكل الصراع الأساسي كان سياسيا حول تكتيكات الكتلة الوطنية وسياساتها إزاء عروض الفرنسيين بعقد معاهدة فرنسية- سورية تنهي الانتداب ، فكان جميل مردم يميل إلى عقد هذه الاتفاقية وهي اتفاقية رأى هنانو في صيغتها المطروحة يومئذ أنها اتفاقية مذلة ولذلك عمل على إحباط تحركات فرع الكتلة الدمشقي بقيادة جميل مردم الذي كان الثعلب السياسي للحركة في الجنوب للقبول بهذه الاتفاقية لكنه مقابل ذلك اضطر للتخلي عن الفيتو على مشاركة الكتلة في الحكومة بوزيرين هما جميل مردم بك ومظهر باشا رسلان. هذا التنازل الذي أبداه هنانو مضطراً ولم يمكنه من الوصول على رئاسة الكتلة بل إلى مجرد زعامتها ، تخلى عنه بعد اللعبة الفرنسبة بإسقاط مرشحي الكتلة في حلب وإنجاحهم في دمشق. . يحكي السياف هنا بعض مقاطع الضغط الذي قام به هنانو ضد جميل مردم مباشرةً، وأرغمه على الاستقالة وتقديمها إلى المتظاهرين. فهنانو كان هنا راديكالياً بقدر ماكان مردم بك براغماتياً.(العربية-حيان نيوف)