أسطورة فينوس ربة الحب والجمال

-------------------

تعالوا يا أعزائي المحبين نسمع أغنية الجمال والحب، من ربة الجمال والحب، بارزة من الثبج، فوق الموجة الكبيرة، وسط اليم. لقد كانت السماء زرقاء صافية، ولكنها لطفت ورقت وتضاعف صفاؤها، عندما ذاع في ملكوتها النبأ العظيم، وبشّرت بمولد فينوس! ابتسمي ايتها الشفاه الحزينة، وانبسطي أيتها الأسارير المقطبة، وأثلجي يل صدور المكلومين!

وأنت أيها القلب الملتاع قف خفقاتك، وأنت أيها الطرف الساهم كفكف عبرتك، ويا نفوس العاشقين اطربي، فقد ولدت فينوس!برزت عرائس البحار يصلين في بكرة الصباح لأبوللو، فما راعهن إلاّ الطفلة المعبودة تخرج من الزبد الأبيض كما تخرج من الصدفة لؤلؤة غالية، وتتهادى على رؤوس الموج كطيف نوراني فيسجد الماء تحت قدميها الصغيرتين، متمتماً بصلاة الحب لربة الحب، مرتلاً أنشودة الجمال لربة الجمال!وافترّ فم الدنيا عن ابتسامة سعيدة حلوة، يحيي الفم السعيد الحلو، الذي سيملأ قلوب العالمين رضى وسعادة!

وأشرقت ذكاء تحمل أبوللو، فلمح السوسنة الوردية تخطر على لازورد الماء، فترك عويده المطهمة بالذهب تعرج وحدها في القبة الزرقاء، وأنثنى هو يزّف البشرى الى آلهة الارض.وهرعت عرائس الماء إلى فينوس الطفلة فرقصن وزغردن وتغنين، وحملنها الى قصورهن المرجانية في الأعماق، حيث أرضعنها لبان الهوى، ولقنها كلمات المحبة، ونشأنها على أساليب الصبابة والغرام، حتى أينعت وترعرعت، فأزمعن المسير بها الى الأولمب حيث يتلقاها الآلهة، فتأخذ مكاناً بينهم.وكم كان جميلاً رائعاً أن يصطف التريتون والاوسيانيد والنيريد (*) من حولها، وكم كان جميلاً رائعاً رقص التريتون على صفحة الماء الجياش بالزبد،

وتغريد الاوسياند كأنها بلابل الروض الأخضر ترسل في هدير المحيط شدوها فيحور غناء كله!وكما كان جميلاً رائعاً من النيريد أن يتضاحكن مترنمات في الحلقة الاولى حول فينوس فتستجيب السماء لهن، ويميد البحر من طرب بهن! كم كان جميلاً رائعاً أن يخب موكب الحب فوق الماء، حتى يكون على فراسخ من قبل معدودات، فينثني الجميع، إلا فينوس التي يهدهدها زفيروس الطيب، رب النسيم الجنوبي، حتى يصل بها الشاطئ، حيث يكون في انتظارها بنات ثيميز (**) ربة العدالة، وبنات يورينوم ربات الفضيلة والخلق الحسن، فيتقدمن الى ربة الحب، فيصلين لها، ويجففن شعرها الذهبي المتهدل فوق كتفيها العاجيتين، ثم تدلف بينهن، لفاء هيفاء، غراء غيداء، مهتزة الجيد، وضاحة الجبين، كلما خطت خطوة قبلت الأرض قدميها المعروقتين، وكلما مرت ببلقع اهتز وربا، واعشوشب وأزهر،حتى يلقاها آلهة الأربعة، رب الشهوة هيميروس، ورب الغزل سواديلا، ورب الالفة بوثوس،

وهيمين رب الزواج، فينخرطون في الجماعة ويهطعون الى الأولمب!وتكون الأنباء قد تواترت عن قدوم الربة الجديدة، فيصنع لها عرش عتيد ما تكاد آخر ياقوتة تركب فيه، حتى تصل فينوس فجأة فتستوي عليه، وتتصارع أبصار الآلهة العطشى حول جسمها الخصب، المترع بالمفاتن، وتتلمظ الشفاه الجائعة تود لو تفترس هذا الفم الأحوى الجميل، وتسري كهرباء الاشتهاء في الأذرع القوية، والصدور الهرقلية، تحلم بضم الجيد الناهد، ومخاصرة الوسط المياس، و.. كأنها العنقاء ترسل اللمحة من طرفها الساجي فتصرع هؤلاء وهؤلاء!!وتقدم الآلهة كل بدوره يطلب يد فينوس، وكان كل إله يفاخر بما لديه من نعم وآلاء. وكان مضحكاً أن يسفه الآلهة بعضهم بين يدي ربة الجمال والحب حتى ازدرتهم جميعاً، وخبرت من حماقتهم ما لا يتفق وهذا الورد المتفتح في خديها، والسحر النائم في مقلتيها، والفتنة الثاوية في كل جارحة من جارحاتها، فرفضتهم أجمعين، وإن تكن برفضها قد أغضبت أباها كبير الآلهة وسيد أرباب الأولمب.ولم يغض الآلهة عن تحقير فينوس لهم، بل انقلب إعجابهم ثورة، وارتد افتتانهم نقمة،

وود كل منهم لو خلي بينه وبينها فيبطش بها بطشاً شديداً.واجمعوا أمرهم ضحى، وذهبوا إلى زيوس يطالبونه بالثأر لكرامتهم كأرباب مرهوبي الجانب مخوفي السلطان، من ابنته ربة الحب الطائشة!!وخاف زيوس من ثورة الآلهة، وأفزعه تجمهرهم في ردهة الأولمب يتصايحون ويصخبون، فخرج إليهم هاشاً باشاً، ودق بصولجانه على الأرض المرمرية وقال: إخواني.. أبنائي: " لستم أنتم وحدكم تنقمون من فينوس الجميلة ما بدر منها في حضرتكم من زهو وخيلاء، بل أنا معكم ناقم على هذه الإبنة العاقة التي صعرت في حضرتي بجدها، وشمخت بأنفها، وحسبت أنها خير من الآلهة درجة وأعلى مقاماً..لتطب نفوسكم يا إخواني ويا أبنائي.. لقد أصدرت الساعة إرادة أولمبية تقضي بأن تتزوج فينوس المتكبرة المتغطرسة، المختالة، من فلكان الحداد، صانع فروعكم ولجم خيولكم !"وما سمعه الآلهة حتى صاحوا لساناً واحداً: " ليحيى زيوس العادل! تقدست يا زيوس! طوبى لك يا أولمب!"وكان فلكان بين الجماعة وهي تهتف، ولكنه كان مشغولا عنها بتلك السعادة التي هبطت عليه من السماء، وكان يحمل أرزبته الهائلة، فلما سمع النطق الأولمبي، ضرب بها الأرض ضربة راجفة، أحس بها بلوتو في أعماق الجحيم ...

* * *

- " يحسب الآلهة أننا معشر الربات ملك إيمانهم دائماً، يتصرفون بنا كما يحلو لهم !! ما عليهم إلا أن يأمروا، وما علينا إلا أن نطيع! لقد كنت أوثر أن ألبث في القصور المرجانية في أعماق الأعماق، على أن تشرق علي شعاعة من أشعة الشمس الدافئة التي يرتفع فيها أولئك الآلهة العتاة الظالمون!"

- " هوني عليك، يا مولاتي فقد يصفح غداً سيد الأولمب!

- " يصفح أو لا يصفح ...

- " يا للهول!...

- " أي هول يا فتاة...

- " ينبغي ألا تعرضي نفسك لغضب رب الأرباب...

- " رب الأرباب! أنت تضحكينني يا أجمل العرائس الاوسيانيد!

- " مولاتي...!

- " إن رب الرباب يحكم دنيا من الخزعبلات.. أما القلوب.. أما قلوب العذارى.. فالحب وحده يتولاهن. ويهيمن عليهن..

- " إلهتي فينوس...

- " لا تنزعجي هكذا يا عروس الماء.. لقد ولدت لأكون ربة الجمال والحب.. فأولى لي ثم أولى ، أن أسعد بالحب، وأن أختار من ذوي الحسن متعتي الغالية ونعيمي الوفى.. فلكان !! أنا أقسم أن هذا الحداد لا يفرق بين القبلة والجذوة، ولا بين نشوة الحب وزفير الكير! وأخشى أن يغازلني يوماً فيقذفني بارزبته. يحسبها ريحانة أو زنبقة! يا للحداد القذر!" - ولكن زواجكما تسجل في السماء يا ربتي!

- " إن كان سجل السماء مدنساً بكل هذه المقابح الاستبدادية، فأنا...فينوس ربة الجمال والحب والزواج.. آنف أن يدرج في صفحاته اسمي!والآن اسمعي يا أوسيانة(*)، اذهبي الى حبيبي مارس(**) فبلغيه أنني منتظرته الليلة، بعد مغيب الشفق، تحت السنديانة الكبرى في أول منعرجات الغاية.."

* * *

وهكذا أقبلت ربة الحب على كؤوس الحب تنهل منها ما تشاء، وتستعرض الآلهة(*)، تقبل منهم على من تشاء وتعرض عمن تشاء... وما أكثر القطيع وما أشد نهم الذئب!لقد علقت مارس القوي إله الحرب، ورب الدمار، ولم تبالِ بزوجها الفظ القذر النتن، الذي لا يميز جرس الموسيقى من طرق الحديد، ولا نسيم الجنة من زفرات الجحيم!وعلقها مارس وافتتن بها، حتى لكان يعد دقات قلبه دقة فدقة، حتى يلقاها فتهدأ أعصابه، ويطمئن قلبه، ويثوب إليه رشده.لقد كانت فينوس فتنة حقاً!لقد كانت تتلألأ كتمثال من النور، في إهاب من البلور! وكان لها شعر كأشعة الشمس، يغدودن فوق كتفيها العاجيتين، فيظل النسيم العاشق يقبله..

بل يعبده فإذا تعب، تركه لينتثر فوق الخصر أو الصدر، ثم يعود إليه بقلوب الآلهة وأرواحها، فينثرها تحت القدمين الدقيقتين، لتسحقها فينوس الجبارة.والسعيد السعيد من فاز بابتسامة من هذا الفم الأحوى المفتر، أو غمزة من ذاك الطرف المفتر، أو إشارة من ذلك البنان المخضوب بدم العاشقين!وكان مارس لا يخشى من أعين الرقباء مثل ما يخشى من عيني أبوللو، ولذا كان إذا وافى فينوس في هذا المنعزل الغرامي السحيق، في أعمق أحشاء الغابة، ترك خادمه أليكتريون عند أول الشعب المؤدي الى الطريق العام، يلحظ المارين وينبه الى خطر الأعداء والناقمين، حتى يكون الاليفان بنجوة من الفضيحة، وفي حرز من ألسن الكاشحين.. فإذا تبين الخيط الأبيض من الخيط ألسود من الفجر، ذهب اليكتريون فأيقظ العاشقين الآثمين، فينهضان من غفوة الهوى الى يقين الفراق، قبل أن تشرق الشمس.ولكن! لقد ذهب العاشقان يتراشفان كؤوس الهوى دهاقاً، حتى إذا نال منهما الجهد وترنحت أعينهما تحت عبء السهاد الطويل، انبطحا على الحشيش الأخضر. هو إلى جانبها وهي إلى جانبه، غريقين في سبات هنيء! ولمح أليكتريون ظبياً نافراً، يتفزع في ظلام الغابة، فتبعه، وطفق يعدو وراءه حتى لحق به بعد عناء شديد، فاحتمله، وعاد به الى مركزه من مكان الحراسة... ولكنه ما يكاد يصل ثمة، حتى يسّقط متهدماً من التعب، ويغلبه نعاس عميق. .

* * *

وأشرقت الشمس! وبرزت المركبة الذهبية حاملة أبوللو، رب هذا الكوكب المشرق المتأجج، وبدأت رحلتها السماوية، وأخذت ترتفع في العلاء رويداً، حتى إذا كانت بمنزلة الضحى، أطل أبوللو فرأى مارس الأثيم، وفينوس الغاوية، متعانقين على الحشيش الأخضر، وكانت بين أمه لاتونا، وامها ديون، ما يكون عادة بين(الضرائر) من بغضاء وشحناء، وكانت ديون تفخر على زوجات زيوس جميعاً بأنها أم فينوس وحسب! وكانت لا تعدل بابنتها واحدة من جميلات الأولمب بما فيهن ديانا أخت أبوللو، وابنة لاتونا.انطلق أبوللو والشماتة في قلبه الناقم على فينوس، يحمل الخبر الفاجع الى فلكان، فألفاه مستغرقاً في صنع شبكة حديدية هائلة، والنار تتلظى في أتونها الكبير، والدخان ينعقد في جو المصنع كأنه ينقذف من بركان، والملاقط والمبارد والمخارط متناثرة على الأديم المعفر القذر كأنها أعجاز نخل.. - " فلكان!..." -

" هلا... أبوللو.. ماذا جاء بك في هذه الضحوة.. وأنىّ غادرت عربتك؟"

" آثرت أن أطأ ثرى هذه الأرض بقدمي على أن تحملني بوح(*)، وقد تدنس شرف الأولمب بالفضيحة المزرية!..." - " فلكان! أين زوجتك؟.. هل أويت إليها الليلة؟"-

" ماذا؟..."-

" أو لم تفقه بعد؟.. ولكن قل لي: ماذا تصنع بكل هذه الأسلاك الغليظة؟"-

" أصنع شبكة كبيرة..."-

" ولمه؟"-

" لقد لاحظت النجس مارس يحوم حول حماي... وأنا لا بد صائده"-

"هلم ، هلم..."-

" وإلى أين؟..."-

" تصيده.. ألم تنته من صنعها بعد؟"-

" بل انتهيت.. وأين هو هذا الوغد؟"-

"على الحشيش الأخضر، في أول شعاب الغابة، مما يلي الطريق العام"-

" ومع من؟..."-

" مع.... إنه قطعة واحدة مع ..فينـ"-

" معها؟ .. يا للهول؟.. يا للعرض الأحمر؟.."

* * *

واحتمل شبكته العظيمة، وانطلق الإلهان إلى حيث.. النائمان الحالمان الآثمان!

لقد كانا ملتصقين التصاقاً تاماً.. حتى ما يكاد ينفذ الماء بينهما!

ونسي كل إلْف شفتيه في شفتي الفه، فهما جلنارتان تبثان نجوى الهوى إلى جلنارتين.يا الله!ليس هذا فسقاً أيها الآلهة، بل هو التمازح الذي سميتموه الزواج(*)!وانقض فلكان كالمذنّب المدمر، فألقى شبكته على الخائنين!وانتفض مارس وهو يكاد يصعق من الذعر، وانتفضت فينوس وهي تكاد تذوب من الخجل! ولكن! أي ذعر وأي خجل، وهذه الشبكة قد أمسكت بهما كسمكتين!!لقد مضى فلكان، بعد إذ ربط الشبكة بما كسبت في أصل دوحة كبيرة، وعاد بكل الأسرة الأولمبية (لضبط الحادثة!)

* * *

وكانت ساعة رهيبة، انصبت فيها لمزات الآلهة الناقمين على رأس فينوس، وراح كل منهم ينتقم لكرامته المهدورة من كبريائها وصلفها، وهي ما تكاد تبين!!

وأطلق فلكان سراحهما، أما فينوس فذهبت تنشد عشاقاً آخرين!

وأما مارس، فمضى إلى حيث خادمه الأحمق اليكتريون، فألفاه لا يزال يغط في نومه غطيطاً مزعجاً، فركله ركلة أطارت صوابه، وأخذ بتلابيبه فخضضه تخضيضاً!

ثم أنه أقسم لينتقمن منه انتقاماً يكون أحدوثة الأباد وضحكة العباد، فنفث في أذنيه نفثتين، ارتد بهما الخادم المسكين ديكاً عجيب الصورة، أرجواني التاج طويل الجناحينن عظيم الذيل!وركله مارس ركلة ثانية، وقال له:" اذهب فلن تذوق عيناك غفوة الفجر أبد الأبدين، ودهر الداهرين، وستصحو قبل كل الخليقة لتصيح في النائمين:

ويحكم أيها الغفاة، هبوا فقد كاد أبوللو يقطر مركبة الشمس!!...

* * *

ولا يزال اليكتريون، ديكنا المحبوب، يوقظنا قبيل الشروق الى اليوم