تراجان

ماركوس أولبيوس ترايانوس M.Ulpius Trajanus (ويعرف أيضاً باسم ترايان/تراجان) أحد أشهر الأباطرة الرومان وأول امبراطور من خارج إيطالية، وصلت الامبراطورية في عهده إلى ذروة اتساعها وقوتها. ولد في مستعمرة إيتاليكا Italica (قرب قرطبة) في إسبانية من أب روماني وأم إسبانية في أسرة حديثة العهد بالإدارة الامبراطورية. كان والده من القادة البارزين في عهد الامبراطور فسباسيان، وعين والياً على سورية عام 75-76م، حيث عمل ابنه تحت إمرته وشارك في الحرب على الفرثيين. تمرس ترايانوس على القتال على جبهات الفرات والراين والدانوب، وشغل مناصب رفيعة توجها بالقنصلية عام 91م.

عينه الامبراطور نيرفا (96-98م) قائداً للجيوش الرومانية في جرمانية العليا ووالياً عليها، ثم تبناه عام 97م ليكون خلفاً له. وعندما توفي نيرفا (27/1/98م) آل إليه عرش الامبراطورية، ولكنه لم يتجه إلى رومة إلا في العام التالي بعد أن أنهى مشروعاته العسكرية وصد خطر البرابرة. ورحب به بلينيوس الأصغر[ر] باسم مجلس الشيوخ بخطبة شهيرة تضمنت واجبات الحاكم حسب الفلسفة الرواقية. وبالفعل، لم يخيب ترايانوس الآمال المعقودة عليه، فقد مارس سلطاته باعتدال وعامل مجلس الشيوخ باحترام وتقدير.

اكتسب ترايانوس شهرة الامبراطور العسكري بحروبه الظافرة في الغرب والشرق، وأولاها حربه في داكية (رومانية) التي أخضعها في حملتين عسكريتين كبيرتين عامي 102 و105م، ونجح في القضاء على هذه المملكة القوية الغنية بمواردها المعدنية والزراعية، وحولها إلى ولاية رومانية. وعاد إلى رومة بغنائم هائلة من الذهب والفضة مكنته من توزيع الهبات على المواطنين الرومان وتشييد المباني الفخمة في العاصمة وإيطالية، والتي لم يعرف لها نظير منذ أيام أغسطس[ر]، وأقام مرفأً كبيراً في أوستيا عند مصب نهر التيبر، وشق الطرق وأنشأ الأقنية والجسور والمباني الجديدة في جميع أنحاء الامبراطورية.

وحين كان ترايانوس يحتل داكية، قام واليه في سورية المدعو كورنيليوس بالما Cornelius Palma بمهاجمة الأنباط والقضاء على مملكتهم عام 106م وتحويلها إلى ولاية رومانية، عرفت باسم الولاية العربية Provincia Arabia التي صارت مدينة بصرى الشام عاصمة لها، وذلك أن الرومان أرادوا السيطرة على الطريق التجارية القادمة من جنوب الجزيرة العربية، وكذلك على الملاحة في خليج العقبة والبحر الأحمر لتزايد أهمية التجارة مع الهند والشرق الأقصى. وأعقب ذلك إنشاء طريق رومانية من دمشق إلى أيلة مارة ببصرى الشام، ورافقه إقامة خط دفاعي لحماية الولاية الجديدة.

وبعد هذه الانتصارات على الداكيين والأنباط، سار ترايانوس عام 113م على رأس جيش كبير بهدف القضاء على الفرثيين، أخطر أعداء الرومان، فاستولى على أرمينية ثم توغل في بلاد الرافدين ودخل العاصمة الفرثية «طيسفون»، ووصل إلى شاطئ الخليج العربي فكان أول امبراطور روماني يصل إليه، ويروى أنه وقف متحسراً لأنه لم يكن بشباب الاسكندر المقدوني حتى يتابع زحفه شرقاً نحو الهند. ولكن سرعان ما قامت الثورات والاضطرابات في أماكن مختلفة من الامبراطورية مما اضطره للعودة لقمعها. واشتد عليه المرض فقرر العودة إلى رومة، ولكنه توفي في كيليكية في 8 آب وهو في طريقه إليها، فأحرق جثمانه ونقل رماده إلى رومة حيث أودع في قاعدة عموده الشهير. وكان قبل وفاته قد تبنى قريبه «هادريان» الذي خلفه على عرش الامبراطورية.

كان ترايانوس إداريا ًقديراً اهتم بأحوال المدن والولايات وتفقد أمورها ومشاكلها، وتعد الرسائل التي تبادلها مع واليه على «بيثينية» في آسيا الصغرى بلينيوس الأصغر وثائق تاريخية قيّمة، تبين موقفه من أتباع الديانة المسيحية وحرصه على سير الأمور الإدارية على أفضل وجه، كما تابع مشروع الرعاية الاجتماعية (المعروف باسم أليمنتا Alimenta) لأولاد الأسر الريفية الفقيرة، والذي يتمثل في منح صغار المزارعين الإيطاليين قروضاً ميسرة يعود ريعها على الأطفال الأيتام. ويعد هذا المشروع أقصى ما وصلت إليه الرعاية الاجتماعية في العصور القديمة.

استعان ترايانوس بالمهندس العبقري أبولودور الدمشقي[ر] في تنفيذ مشاريعه العمرانية الضخمة، وعلى رأسها الساحة العامة وسوقه العظيم الذي فاق قي اتساعه الأسواق الامبراطورية السابقة مجتمعة وأحاطه بالمباني الفخمة، وتوسطه مبنى البازيليكا ليكون مركزاً للأعمال التجارية والمالية. وأقيمت على طرفي السوق مكتبتان للمؤلفات اللاتينية والإغريقية، وقد انتصب في وسط الساحة عمود ترايانوس الشهير الذي يصور وقائع الحرب الداكية والذي كان يتوجه تمثال للامبراطور، وهو يحمل الكرة الأرضية، رمز السيادة على العالم. كان هذا السوق وملحقاته من عجائب العمارة في العصور القديمة.

كما قام بمد حدود الولاية الرومانية في نوميدية (الجزائر)، وأقام معسكرين للجيش الروماني في لامبازيس وتموغادي [ر. تمجاد] تحولا بعد وقت قصير إلى مدينتين مزدهرتين، وتعد أطلالهما القائمة حتى اليوم من أروع الآثار في الجزائر.

تميز عهد ترايانوس كذلك بازدهار الأدب باللغتين اللاتينية والإغريقية، وظهر أعظم المؤرخين الرومان وهو تاكيتوس[ر]، وكذلك الأديب والخطيب بلينيوس الأصغر والشاعر جوفينال والمؤرخ والكاتب الكبير بلوتارخوس وغيرهم.

لقد كان ترايانوس، بلاشك، أقدر وأكفأ الأباطرة الرومان منذ أغسطس، أوصل الامبراطورية الرومانية إلى ذروة أمجادها الحربية، لذلك أغدق عليه مجلس الشيوخ الروماني الألقاب من قبيل «الأفضل والأسمى optimos et maximus» والخاصة بكبير الآلهة جوبيتر, و«قاهر الجرمان والداكيين والفرثيين».