الشيوعي الناشط بين فلاحي (جبال الساحل السوري)


-----------------------------------------------------------
نشأ بدر مرجان وترعرع في عائلة علوية في مدينة طرابلس الشام ذات العلاقات الاقتصادية والثقافية والعائلية مع محافظتي اللاذقية وحمص. بعد أن انتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني تطوع للعمل في أرياف اللاذقية ونشر الفكر الشيوعي والدفاع عن الفلاحين. وهو المؤسس الحقيقي لمنظمات الحزب الشيوعي في (الجبل العلوي). وهو الذي هيّأ الأرض لدانيال نعمة ورفاقه للعمل بين الفلاحين. ويبدو ذلك واضحاً مما ذكره دانيال نعمة في مذكراته، وما سمعناه من قدامى الشيوعيين.
عندما كنت أقوم بجولة ميدانية واسعة في الساحل السوري عام 1984 لفت انتباهي تردد اسم بدر مرجان على ألسنة عدد من الفلاحين المسنين في منطقتي صافيتا وطرطوس بأنه الشيوعي المتفاني في سبيل مبدئه والساعي لنشره بين الفلاحين.
كان بدر مرجان يسير على قدميه من قرية إلى أخرى لنشر الشيوعية مستخدماً التجارة بالبيض وسيلة للتنقل بين القرى والاتصال بالناس وتغطية أهدافه أمام دوريات الدرك والقوى المعادية. وبعد الدراسة والاستفسار تبين أن بدر مرجان هو الجندي الشيوعي المخلص لمبدئه والساعي لنشره بكل ما أوتي من قوة. فجميع الشيوعيين القدامى في محافظة اللاذقية يعرفون بدر مرجان أو سمعوا عنه.
ساعدت (مهنة) تجارة الدجاج والبيض بدر مرجان على التنقل والتعرف على الناس والحديث معهم في أمر أهم من التجارة وهو توعية الناس إلى واقعهم الطبقي الاستغلالي وتحريضهم على العمل لتغييره. وهكذا تمكن بدر مرجان في السنوات الأولى من أربعينيات القرن العشرين من بناء عدد من المنظمات الشيوعية في (الجبل العلوي) وخاصة في أرياف صافيتا وطرطوس.
ويذكر ديب قطيرة أنه شهد في عام 1942 تأسيس أول منظمة شيوعية في الكفرون. وقد عُقد الاجتماع في بيت حنا إلياس خوري الموظف في آي بي سي بحضور بدر مرجان وسليمان عبود المسؤول عن كراج طرابلس - الكفرون، وهو الذي جاء ببدر مرجان إلى الكفرون. ويذكر قطيرة أن مرجان تحدث بإسهاب في الاجتماع، الذي حضره مكارية وحدادون وعمال زراعيون. وتكرر حضور بدر مرجان إلى الكفرون للاجتماع بالشيوعيين فيها.
في لقاء مع الأستاذ فايز بشور, الذي صار شيوعياً في مدرسة اللاييك في طرطوس، ألقى ضوءاً على نشاط بدر مرجان في صافيتا، التي كان يتردد عليها جالباً الصابون من طرابلس لبيعه في صافيتا وشراء البيض منها ومن ضواحيها لبيعه في طرابلس. وفي الوقت نفسه كان ينظم اللقاءات الحزبية في صافيتا وبعض قراها. ويقول فايز بشور إن بدراً كان يزور القرى ويتحدث مع الفلاحين حول العدالة الاجتماعية فيتحمس الفلاحون لكلامه، وهكذا كان يزرع بذور الاشتراكية في الريف. واستطاع، بمساعدة ابن صافيتا قيصر ضومط من تنظيم قرابة ستين شخصاً في الحزب في بلدة صافيتا وحدها. مما أثار حفيظة أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهم أكثر عدداً من الشيوعيين في بلدة صافيتا، فقاموا بالاعتداء على قيصر ضومط فخفّ فايز بشور لمساعدته. كما حاول القوميون السوريون الاعتداء على بدر مرجان في سوق صافيتا، لأنه دفع أحد قبضايات الحزب الشيوعي في طرابلس لضرب أحد القوميين السوريين.
بمبادرة من بدر مرجان أصدر الشيوعيون في صافيتا مجلة (صوت القرية)، التي كانت تكتب عن أخبار الفلاحين وتطبع في طرابلس وتوزع في عدد من القرى. وكانت المجلة تصدر بصورة غير دورية حتى لا تطالب السلطات برخصة لها. ويذكر فايز بشور أن بغل أحد الفلاحين لبط (رفس) حصان أحد الدرك فانتقم الدركي من الفلاح صاحب البغل. وتعقيباً على هذه الحادثة كتب دانيال نعمة في مجلة (صوت القرية) مقالة تحت عنوان: (بغال الفلاحين لا تحترم أحصنة الدرك).
يلقي ظهير عبد الصمد أحد قادة الحزب الشيوعي السوري البارزين الضوء على نشاط بدر مرجان في الفقرات التالية:
(تعرفت على بدر مرجان في المؤتمر الأول للحزب (1943 - 1944). وقد انتخب وقتئذٍ عضواً مرشحاً إلى اللجنة المركزية على ما أذكر. وبعد ذلك كنت أشاهده في الاجتماعات القيادية الموسعة التي كنت أدعى إليها. وعندما انتدبت للعمل في طرابلس عام 1949 كان مسؤول المنظمة الرفيق بدر مرجان، وكانت اللجنة المنطقية فيها مؤلفة من الرفاق: مصطفى بدوي، إبراهيم خليل، أحمد المير، جوزيف شاغوري. وقد عشت في بيته (أي بيت بدر مرجان - المؤلف) وبيوت أخواته وأقربائه في حي التبانة كواحد من العائلة.
قبل أن يكون الرفيق بدر مرجان مسؤولاً لمنظمة طرابلس، كان يعمل في دكان صغير في حي باب التبانة يبيع فيها البيض مع أخيه الأكبر. وقد انتسب إلى الحزب بين عامي 1936 و 1937 على ما أظن.. ولما أصبح مسؤولاً لمنظمة طرابلس كلّف بقيادة منظمات الحزب في عكار وطرطوس والمشتى وصافيتا والدريكيش وكرتو وغيرها.
جند الرفيق بدر مرجان عائلته كلها للعمل الحزبي، أخواته وأولاد أخته وأقرباءه. ومن عائلته برز عدد من الرفيقات النشيطات... وخلال وجودي في طرابلس استدعي إلى بيروت، ونقل للعمل في منظمة دمشق...). (انتهى النقل عن ظهير عبد الصمد)
وتذكر ليلى خليل أن خالها بدر مرجان (اعتقل في دمشق وعذّب كثيراً. حتى إنهم عملوا تمثيلية عليه أنه سيعدم إذا لم يعترف بما يعرف عن التنطيم الشيوعي الذي كان يقوده. أوقفوه ووقفت ثلة من الدرك أمامه مع بنادقهم. ثمّ عصبوا عينيه كما يجري أثناء الإعدام. فما كان منه إلا أن انتزع العصبة عن عينيه وفتح صدره قائلاً لقائد الدورية: هيا أطلق النار). وتقول ليلى: (لا أعرف بالضبط متى كان ذلك، ولكن كان يومها هاشم الأتاسي رئيساً للوزراء)،
(أي عام 1952). وذهبت أخت بدر مع عدد من النساء من طرابلس إلى دمشق للمطالبة بإطلاق سراحه فوعد هاشم الأتاسي بدرس قضيته.
وتذكر ليلى أنه عندما خرج خالها من السجن أصيب بسبب التعذيب بنوع من الانهيار العصبي. بعض الملاحظات التي كان يغض الطرف عنها سابقاً صار يقولها علناً وبلهجة فيها شيء من العنف. كان يبدي انتقادات على أسلوب عمل خالد بكداش و(تسلطه)، مما كان يحول دون تطور الكادر... مع انتقادات على الصعيد الشخصي... أنا (والكلام لليلى خليل) صُدِمتُ بهذا الموقف من خالي. وكان قادة الحزب بالنسبة لنا وقتها نوعاً من الآلهة. ونقلت ما أسمعه منه إلى قيادة الحزب. وأنا وإخوتي وقفنا إلى جانب الحزب ضد خالي...).
يقول الشيوعي اللبناني عزيز صليبا: (الرفيق بدر مرجان من الكادرات الحزبية البارزة في طرابلس والشمال، في الأربعينيات والخمسينيات (من القرن العشرين) وكل من عرفه يذكره بتقدير واحترام. وخفت اسمه مذ ذاك).
ذكر لي الأستاذ إسكندر نعمة، المتميز بذاكرته المتوقدة وقدرته على إعادة الحديث، التقويمين التاليين عن بدر مرجان: التقويم الأول سمعه من العامل الشيوعي إلياس البطل قوله: (إن الرفيق بدر مرجان يشكل النموذج الأفضل للشيوعيين، وهو أفضل شيوعي تعرفت عليه). والتقويم الثاني قرأه الأستاذ إسكندر في مقالة لخالد بكداش في أوائل خمسينيات القرن العشرين جاء فيه: (إن الرفيق بدر مرجان يمثل النموذج الذي يجب أن يحتذى في النضال. فقد قضى عمره متنقلاً في قرى الجبل العلوي بلا زاد ولا ماء حاملاً أفكار الحزب الشيوعي).
(كان مربوع القامة عيونه خضر وشواربه سمر من كثرة التدخين). هذا الوصف ذكره الروائي حنا مينه، الذي عمل تحت قيادة بدر مرجان عندما استوطن في اللاذقية بعد رحيله من إسكندرون. سألنا الدكتور مصطفى أمين القيادي المعروف في الحزب الشيوعي ماذا يعرف عن بدر مرجان فأجاب: (نفسية طيبة، يحب النكتة، يشرب أركيلة على طول، وسمعت أنه مناضل بين الفلاحين).
وأهم من ذلك أن بدر مرجان كان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري وألقى (أمام المجلس المنطقي لممثلي منظمات الحزب الشيوعي في محافظة اللاذقية المنعقد في تشرين الثاني سنة 1945) تقريراً نشر في كراسة تحت عنوان: (مطالب الشعب في الجبل العلوي) من منشورات الحزب الشيوعي السوري نقتطف منه بعض الفقرات الموضوعة ضمن قوسين ونلخص فقرات أخرى مع الحرص الشديد على المحافظة على المعنى واستخدام الكلمات والتعابير الواردة في التقرير:
ضمّ المجلس المنطقي ممثلي اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس وصافيتا وتلكلخ والحصن وعشرات القرى الأخرى.. بحث التقرير في (الحالة السياسية العامة للبلاد، ومطالب شعبنا الراغب في حياة حرة مستقلة يتمتع فيها العامل والفلاح بمستوى عيش لائق، كما أنه سيبحث في حالة الجبل العلوي ويفصح بدقة عن حاجاته الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية). حضر المجلس خالد بكداش، فقد جاء في التقرير على لسان بدر مرجان: لأول مرة في تاريخ هذه المنظمات نجتمع إلى قائدنا ومعلمنا ورئيس حزبنا الوطني الكبير، الرجل الذي زرع في نفوسنا حب وطننا وشعبنا وجعلنا نستهين بالموت في سبيلهما، والمعلم الذي له الفضل في تسديد خطانا وإرشادنا رفيقنا خالد بكداش). (ولا يتسع المجال هنا للتعليق على هذه الفقرة المعبرة عن الأجواء السائدة آنذاك - المؤلف).
استعرض التقرير أولاً (الوضع الدولي ومطالب سورية الوطنية العامة كما ورد في بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصادر في 19 تشرين الأول 1945.
العناوين الرئيسية في الكراس هي التالية:
- (الشيوعيون هم في الصفوف الأولى من النضال الوطني في الجبل العلوي).
- (نناضل لأجل الاستقلال، ولأجل الحرية والخبز أيضاً).
- (الجبل العلوي يطلب مكافحة الغلاء، ويطلب العمران والثقافة ووضع حد للاستبداد بالفلاحين).
- (إن أول رصاصة وطنية ضد الاستعمار انطلقت من الجبل العلوي عام 1921..).
جاء في النص: (... ويعلم الوطنيون في سورية أن الرصاصة الأولى التي انطلقت ضد طغيان الاستعمار الفرنسي أطلقت من هذا الجبل في ثورة الفلاحين التي يسمونها بثورة الشيخ صالح علي... وفي سنة 1936 كان أكثر سكان هذه المنطقة في جانب الحركة الوطنية.. وقد ساعد المستشارون الفرنسيون كبار الإقطاعيين على نهب أراضي الفلاحين. وباتفاق المستشارين والإقطاعيين، كان الفلاحون ونساؤهم يسّخرون في شق الطرق...). (حالة الزراعة في المنطقة: يجب مساعدة الفلاح على مكافحة الأوبئة والأمراض الزراعية). (مشاريع الري ضرورة حيوية لمنطقتنا التي تذهب مياهها الغزيرة هدراً دون أن يستفيد منها الفلاح كل الفائدة). (المدارس) يقدم التقرير إحصاءات عن قلة المدارس ووضعها البائس. (الحالة الصحية: الأمراض تفتك بالفلاحين نساء ورجالاً وفي بعض المناطق يموت 75 % من الأطفال. لا يوجد إلا مستشفيان في اللاذقية وطرطوس لمنطقة يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة. (الطرق والمواصلات...). (استبداد الإقطاعيين: ضرب وتسخير وفرائض ثقيلة). وجاء في خاتمة هذا العنوان: (فمن واجب الحكومة حل مشكلة الأرض وطرق تملكها وجعل علاقة الفلاح بالأرض التي يعمل فيها على أساس ديموقراطي عادل، يضمن له حياة تليق بإنسان لا أن يبقى تحت رحمة الإقطاعية والأمراض والفقر والجهل...). (الدرك والمحسوبية في الدوائر). ويأتي بعد الإقطاعيين بعض رجال الدرك الذين لا يتورعون عن ضرب الفلاحين واستغلال جهلهم للقانون... ويرى الفلاحون أن رجال الدرك وجدوا خصيصاً لإرهاقهم لا لحمايتهم... ويأتي بعد الدرك بعض الدوائر التي لا تعمل إلا بوحي من الزعماء والمتنفذين... فنحن نطلب من الحكومة محاربة المحسوبية والرشوة والتسلط في الدوائر ومنع رجال الدرك من اضطهاد الفلاحين.. (الضرائب) وهي ترهق الفلاحين مثل ضريبة الإنتاج الزراعي وبدل الطريق... (الإعاشة) وأسعار الحبوب في المدن أدنى من أسعارها في القرى، ولهذا يهاجر الفلاحون إلى المدن للحصول على الإعاشة. (العمال...)...
وفي الختام أكد التقرير أن (كل هذه المطالب الشعبية مطالب عادلة ممكنة التحقيق لا تطرف ولا مغالاة فيها). وعند الحديث عن نضالات الشيوعيين أشار التقرير: (إن أقدم شيوعي في جبل العلويين هو الرفيق زكريا حسن أحد قواد منظمة عين دابش فقد تحمل ألوان الإرهاب وأفظع ألوان الاضطهاد وهو للآن أنشط الشيوعيين في قريته). وختم تقرير بدر مرجان بالشعار التالي: (عاشت سورية العربية حرة مستقلة سعيدة موحدة ديموقراطية).
هذا غيض من فيض من النضال الفلاحي للجندي المجهول بدر مرجان، الذي أفنى زهرة شبابه في العمل لتحسين ظروف حياة الطبقات المقهورة، وناضل وهو الشيوعي المتحدر من الساحل السوري في سبيل وحدة سورية العربية المستقلة السعيدة والديموقراطية.
عبد الله حنا