"الجراح"الجاسوس الإسرائيلي في لبنان

ظلّ الملف الأمني مشرع الأبواب، في الاتجاهين، الأول المتعلق باستمرار التحقيق مع شبكة "فتح الإسلام" من قبل مخابرات الجيش وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، والثاني، المتعلق بشبكة علي الجراح (علي ديبو) وشقيقه يوسف الجراح، وهي الشبكة الإسرائيلية التي استحق وصفها من قبل مرجع أمني كبير بأنها ربما تكون بين الشبكات الأخطر في تاريخ العمل الاستخباراتي الإسرائيلي في الداخل اللبناني منذ أكثر من ستين عاما. وأوضح المرجع نفسه لصحيفة "السفير" اللبنانية اليوم الخميس أن التصنيف الكلاسيكي الإسرائيلي، وفقا للتجارب والمعلومات، يشير إلى ثلاثة أنواع من الشبكات.
أولى تتولى تحديد وانتقاء الأهداف، وعادة تكون عبارة عن شخص واحد، وثانية تتولى استطلاع ومسح الهدف الذي تم اختياره أو مسرح التنفيذ، وثالثة، تتولى التنفيذ. أضاف المرجع أن هذه الشبكات تكون مقفلة إقفالا تاما على بعضها البعض، وندر أن تم فتح مجموعة على ثانية في تاريخ العمل الاستخباراتي الإسرائيلي في لبنان وغيره من دول المنطقة والعالم.

وقال المرجع نفسه، إن علي الجراح ينتمي إلى الفئة الثانية، ولذلك اقتضى عمله نوعا من التمويه من أجل تسهيل حركته ولذلك اختار مظلة سياسية تسهل له حرية الحركة بين لبنان وسوريا حيث بلغ به الأمر حد الحصول على سيارة تصنف عسكرية (وليس إذن دخول على الخط العسكري) وكان يتنقل من دون أي تفتيش بين البلدين ويزور المقرات الفلسطينية في دمشق من دون أن يثير الاشتباه على مدى ثلاثة عقود تقريبا.

وأشار المرجع إلى أن الجراح وشقيقه تم تجنيدهما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام ١٩٨٢ وهما اعترفا بكيفية حصول ذلك وبالاتصالات الأولى التي تمت في لبنان وخارجه وكيف تطورت العلاقة وصولا إلى تزويدهما برواتب ومكافآت تعتبر خيالية (عشرات آلاف الدولارات) وليس على طريقة بعض العملاء الذين كانوا يحصلون على خمسين أو مئة دولار لقاء عمل معين، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على حجم وضخامة الخدمات التي قدماها طيلة هذه الفترة.

وأوضح المرجع أن الجراح وشقيقه كانا يكيّفان حياتهما وعلاقاتهما وحتى طريقة امتلاكهما للأشياء (سيارة أو منزل) بما يتناسب مع "وظيفتهما" الأمنية، بحيث كانا يلحظان ضرورة وجود بعض التمديدات السرية في منزلهما، تماما كما حصل مع سيارة "الباجيرو" التي توليا الإشراف على عملية زرع الكاميرا بداخلها مثلما كانا يرفضان أن يقلا أحدا غير موثوق منهما فيها.

وتضيف المعلومات أن علي الجراح اعترف في الساعات الأخيرة أمام الجهات التي تتولى التحقيق معه للمرة الأولى بأنه كان مكلفا هذه السنة باستطلاع منطقة كفرسوسة في العاصمة السورية، كما طُلب منه في مرحلة لاحقة استطلاع نقاط معينة في مدينة طرطوس على الساحل السوري الشمالي، بالإضافة إلى تمحور عمله في منطقة المصنع الحدودية.

وتشير المعلومات إلى أن الجراح نفى أن يكون قد تبلغ بحقيقة الهدف المراد النيل منه في كفرسوسة أو في طرطوس، لكنه قدم كل ما يملك من معطيات حول المكان والانتشار الأمني فيه وطريقة تركيب الكاميرات وبعض النقاط الحساسة، غير أن هذه الاعترافات عززت الانطباع الموجود لدى المحققين بأنه كان فعليا جزءا من المنظومة الأمنية والاستخباراتية الاسرائيلية التي تولت عملية اغتيال الشهيد عماد مغنية (الحاج رضوان)، وربما تكون وضعت نصب عينيها أهدافا أخرى، لبنانية وسورية وفلسطينية، تبعا لطبيعة المنطقة المستهدفة والمراكز والشخصيات التي تتواجد فيها منذ فترة طويلة.

ووفق الاستنتاجات التي خلص إليها المحققون، فإن الجراح، كان يشكل ركيزة، لنجاح تنفيذ هذه العملية أو غيرها، باعتبار أن دور الفئتين الأولى(انتقاء الهدف) والثالثة (التنفيذ) هو دور يصنف في المرتبة الثانية بعد الدور المحوري الذي تتولاه مجموعة الاستطلاع، خاصة أن أي خلل في المعطيات التي يمكن أن يقدمها قد يؤدي لافتضاح أمر المجموعة التي تتولى التنفيذ.

ووفقا للاعترافات التي أدلى بها الجراح، فإنه ربما يكون قد قام بمهام أخرى، أبعد من لبنان وسوريا، خاصة أنه كان يزور بعض العواصم في المنطقة بشكل دوري تحت عناوين إنسانية أو سياحية!

ويجري التدقيق في احتمال أن يكون الجراح قد امتلك شققا أخرى في بيروت أو ضواحيها وكذلك في احتمال أن يكون قد احتفظ بسيارة ثانية في مكان آخر، فيما يجري التكتم على منظومة الاتصالات التي كان من خلالها يؤمن التواصل مع الإسرائيليين وثمة حديث في هذا المجال عن تقنيات متطورة ومركبة، كانت تتطلب منه في بعض الأحيان أن يحصل على ما يريده في أية منطقة لبنانية، تبعا للأوامر التي يتلقاها.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقيق مع علي الجراح وشقيقه يوسف قد تستغرق شهورا، خاصة أن هناك حاجة للعودة إلى كل أرشيف الاغتيالات والعمليات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في منطقة البقاع منذ الثمانينيات حتى الآن، بما في ذلك بعض المجموعات اللبنانية والفلسطينية التي كانت تقع في كمائن الجيش الإسرائيلي، قبل أن تنطلق أو بعد انطلاقها، خاصة أنه كان في مرحلة من المراحل يقدم نفسه بوصفه أحد رموز العمل الفدائي المقاوم في البقاع!