قصة الثورة المالوكسية-1-

في ظهر أحد أيام كانون منذ ربع قرن تماما ,كان الجو وكعادته في الكوانين باردا وينذر بالمزيد من الأمطار, ومع ذلك تجمع العشرات من الشبّان الذين لم يكن قد اكتمل نمو لحاهم على كورنيش البحر في جبلة يمشون بتؤدة لا يلوون على شيء,يضحكون ويتسامرون , ويحاولون بذلك إخفاء القلق الكامن خلف أعينهم . إلا أنهم بدوا -وربما زاد المدى البحري المفتوح من إحساسهم بالثقة وبالحرية- أكثر تصميما على المضي بخطوتهم التي أنجزوها للتو.

فقد أضربوا عن حضور الدروس في الثانوية..وذلك احتجاجا على مجموعة متصاعدة من المظالم والإهمال الذي عانوا منه ,وفجر هذة المظالم إقدام أحد المدرسين على صفع زميل لهم.

 في خلفية هذا,كانت الأحداث التي يرتكبها الإخوان المسلمون وأخبار التفجيرات والاغتيالات التي طالت نخبة من ألمع العقول والرجال حتى وصل الأمر إلى حد اغتيال الطلاب المتفوقين ,فقد تم اغتيال الطالب الأول على دفعته بجامعة حلب -كلية الطب ,علي جديد.

  تهز وجداننا بعنف , دافعة بالأمور إلى حوافها ,تاركة آثلاما من الصعب محوها. ووعينا باكرا محرك هذة الأحداث والأصابع الخفية التي كانت تنفخ النار ..فقد فتحت دول الجوار خصوصا العراق والأردن أراضيها لاستقبال هؤلاء القتلة ودرّبتهم وسلّحتهم ومن ثم أرسلتهم ليبدأوا في زرع الخوف والرعب وترويع الناس , صحيح أنهم وجدوا في بعض المدن المحلية عونا وتعاطفا إلا أن المجتمع السوري لم يشهد أحداثا على خلفيات طائفية بمثل ما ارتكب هؤلاء ,بل كان هذا الوطن القلب المتبقي من الوطن الكبير هو الملاذ الآمن تاريخيا لكل الفئات المضطهدة والتي شهدت بلدانها حروبا واقتتالا داخليا من الأرمن والأكراد وصولا إلى الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين حديثا, ومن الأمثلة التي تضرب عن تنوع وغنى المجتمع وعدم انقسامه طائفياهو وجود ثلاثة أخوة هم مروان حديد زعيم تنظيم شباب محمد التي تطور إلى الطليعة المقاتلة البد التي نفذت جرائم القتل والتفجيرات, وكنعان حديد البعثي والذي تسلم مناصب دبلوماسية وعدنان الشيوعي ..وكذلك نجاح العطار التي وصلت لمنصب نائب الرئيس وشقيقها عصام مرشد الإخوان. وكان أن تم إعداد تهيئة نفسية للأمر بنفض الغبار عن فتوى لابن تيمية يكفر بها العلويين ,وشكلت تلك الفتوى الصفراء أرضية عقائدية لبذر الشقاق وإعداد الجو للبدء بهذة الفتنة .

 

 

في طفولتنا لم نكن نحس حقا بأي جو طائفي وكنا نعيش مع أصدقاء في نفس الحارة من آل البلّة والقسام والجزائري , طبعا كنا نحس بوجود اختلاف في بعض العادات ,خاصة فيما يتعلق بقضية المرأة ,فلم تكن تلك القصة تشغل ولو أدنى حيز من تفكيرنا ,وبالمقابل كنا نحس أن هذة القضية معقدة بعض الشيء لدى هؤلاء الأصدقاء وأهلهم. وربما تعرضنا عدة مرات لاعتراض بعض الفتوات أثناء ذهابنا للسباحة وكانوا يطلبون منا أن نلفظ عبارة تحوي حرف القاف , و بكل براءة كنا نلفظه عربيا صحيحا ,فكانت تنهال عندئذ على ظهورنا قضبان الرمان .ولاحقا واحتيالا على هذا المطب كنا نطلب من وليد البلّة أو محمد الجزائري أن يتقدم لاختبار القاف هذا وكنا أحيانا ننجو. كان يحصل نفس الشيء عندما كان هؤلاء يخرجون أيام الجمع للسيبانة في الفوار والنقعة من قبل فتوات الجهة المقابلة . ولكن هذا الأمر كان يحصل أيضا بين الفتوات من نفس الطائفة. وربما كان للأمر علاقة بالصراع القديم بين الريف والمدينة أكثر مما له علاقة بالفكر الطائفي.

تفاقمت الأحداث في بداية الثمانينيات, ووصلت لمراحل بات السلم الأهلي فيها مهددا ووصل القتلة إلى شيوخ وأئمة المساجد ممن استنكروا وأدانوا أعمال القتل تلك الشيخ الشامي في حلب والشيخ الصارم في اللاذقية , صحيح أن الجو قد تلبد والقليل من الطلاب من هنا وهناك قد جنحوا بمشاعرهم نحو التطرف ,لكن على الرغم من ذلك لم تهتز أواصر الصداقة التي نسجت في فناء ثانوية الشهيد محمد سعيد يونس وكان من بين الأصدقاء الكثر الذين أذكرهم بود : زياد جسري وحسان يونس وهو ابن الشهيد محمد سعيد يونس,ومحمد حاج نجيب,وزهير نجار,وعمار الزوزو,أكثم خياط,أحمد قناديل....والعشرات ممن لا يتسع المجال لذكرهم ولكن يتسع القلب.. كان من مظاهر التطرف الجديدة اختراع تعابير جديدة للتصنيف الطائفي فمثلا كان يقال للسني سندباد ,وللعلوي علي بابا .. وازداد ت المشاعر حدة عندما بدأ يظهر في المدرسة المظليون اللذين تخرجوا من دورات كانت الشبيبة قد أعدتها في الصيف وكان هؤلاء مزهوين متشاوفين على زملائهم

 

 كما تحشر الجوزة في ملقط كسر الجوز ..حشرنا بين الأثنين نحن الذين لم نكن يوما نحمل أية أفكارا طائفية ..بل وكنانرفضها بعنف,و نخجل من لفظ كلمة علوي وسني ..ونتعرض للتقريع من قبل الأهل وكأننا نأتي بأمر إد. وانطلق رفضنا من حقيقة أن تقسيم الناس إلى أديان وأقوام وطوائف وألوان ورجال ونساء..لا يعطي أيا منها تميزا على الآخر,لسبب بسيط أن هذة الأشياء ليست باختيارك ,فأنت لم تكن فيها بل كانت فيك,ولكن ما يعطيك التميز حقا هو ما تصنعه أنت وما تحصله خلال مسيرتك ,فهناك من يبقى في هذة الأطر لا يتعداها بل وتصبح هي المقياس الذي يحكم به على الناس. كنا بمعظمنا نحمل أفكارا أكبر وأوسع من الأفكار الطائفية الضيقة والبغيضة ..وكان من بيننا من بدأ بنظم الشعر وكتابة القصة مبكرا ,وكنا المتفوقين على المدرسة. منا من حمل الأفكار العروبية الرومانسية ,ومنا من كان قد بدأ يتلمس طريقه نحو الفكر الماركسي , وآخرون جنحوا نحو الفوضى والعبثية, والقلة ممن حملت من كل ذلك ولم تعتنق أيا منها. الذي جمع بيننا حقا هو رفض الواقع بكل تفاصيله والرغبة الجامحة بالتغيير نحو أفق جديد أكثر إنسانية وحرية. لقد قرأ وحفظ معظمنا أجزاء كبيرة من القرآن الكريم,واطلع على التاريخ الإسلامي , نشأنا على قصص بطولات ومآثر الإمام علي في الإسلام والافتئات على حقه بالولاية , وهزتنا مأساة آل البيت خصوصا مقتل الحسين وعجبنا لأمة تقتل أحفاد رسولها ,وعلى الرغم من أننا تحدرنا من أسر تجل الدين , بل إن بعضنا تحدر من أسر دينية معروفة مثل آل الخير و الخطيب ,وجداي كانا شيخين وشقيق جدي ظل مفتيا لصافيتا لعقود من الزمن, إلا أننا لم نكن متدينين, ولم ننظر للدين على أنه قميص نرثه عن آبائنا وهوية وشعار لتكفير وإلغاء الآخرين, وكنا ننتقد بشدة ممارسات المشائخ من كل الطوائف. كانت نظرتنا إلى تلك الأحداث في ذلك الفجر المبكر على أنها حلقة مبكرة من صراع أزلي بين قوتين:الغنى والفقر..المبدأ والسياسة, الشعب المضطهد والفئات المستغلة . كان انحيازنا المبكر نحو تلك الفئات المقهورة والمضطهدة والتي لم تسر بعودة أولئك الذين حاربهم الإسلام والرسول طويلا واستلامهم زمام الأمور والحكم وجعلهم الأمر وراثة. وكنا نقرأ القصص عن صمود وكفاح هؤلاء بدءا بآل ياسر ..وصولا إلى صرخة أبي ذر الغفاري بالناس لكي يثوروا وقت لا يجدون القوت في بيوتهم.

 

 

 بدأ الاختبار العملي لهذة الأفكار آنذاك في دروس مادة الديانة ,والفتوة.وكذلك مع إدارة المدرسة . أخذنا نناقش بحمية ونطرح التساؤلات الكثيرة, وعلى مقلب الإدارة بدأنا نحتج ونعتصم وصولا على الإضراب الذي ورد ذكره أعلاه. كثيرا ما كنا نقترب من المحرمات, وكانت الأسئلة تدور حول القضايا الذهنية المجردة وتتوالى إلى القضايا التطبيقية من قضية المرأة, إلى الأحكام الأخرى. وفي أحد الدروس سأل الصديق مالك حسن مثلا استاذ الديانة :إذا كان الإله كلي القدرة ,فهل باستطاعته أن يخلق إلها أقدر منه ؟. .ا وكان استاذ مادة الديانة عمر برازي شاباومثقفا مما شجعنا أكثر على خوض النقاش كلما أفسح لنا المجال . ومرة تورط أحد هم,وهو يقدم لنا حجته على تفوق الرجل على المرأة وأن الرجال قوامون على النساء بأن قال في النهاية : حتى أن دماغ الرجل أكبر وأوزن من دماغ المرأة ! وهنا انتفض عمرو الخير ليقول له:إذا كانت المقاييس هكذا, أفإذا كان دماغ الفدان أكبر وأوزن من دماغ الرجل ,يعني أن الثيران قوامون على الرجال ؟! في هذة الأجواء والتغيرات والخلفيات بدأت الأفكار تحتك بالواقع ,مثلما يشحذ النصل , لتأخذ منه إما صلابة وعزما أشد أو تراخيا وهزيمة لبعض الجوانب .. وبدأت الإدارة كذلك في مسلسل الترويض والتدجين الذي لن ينتهي... ولم نكن ندرك حينها أنه لم يتبق للنمور سوى أياما قلائل قبل أن يأتي اليوم العاشر.

يتبع....