ياسر عبد ربه يفتح دفاتر الثورة الفلسطينية (7)

نص الحلقة السابعة.

> ما قصة الانقلاب داخل «فتح» على ابو عمار من ابو صالح وجماعته؟

- أبو عمار كان يخاف من الأنظمة القومية. وهي كانت تكرهه لسبب بسيط هو أن البضاعة الحقيقية لهذه الأنظمة كانت القضية الفلسطينية، وجاء عرفات لينتزع منها هذا البضاعة. على خلاف بقية الأنظمة، عند البعث بشقيه السوري والعراقي، كان الموقف هكذا.
أبو صالح كان إنسانا بسيطا للغاية، لم يقرأ في حياته كتابا، لا يتقن القراءة اتقاناً كاملاً، ثقافته شفهية، مصدرها بمعظمه من زملائه اليساريين وازدادت مصادرها خلال صداقاته لقادة اليسار اللبناني. وبعد تقرب القيادة السورية منه اخذ يشعر ان له أهمية خاصة. عاد أبو صالح إلى بيروت بعد لقائه الرئيس حافظ الأسد وكأنه شخص آخر. استمرت علاقته بالسوريين إلى ما بعد خروج الفلسطينيين من بيروت. أبو صالح هو الذي قاد الانقلاب الداخلي في «فتح» مع أبو موسى. أنا كنت في سورية بين عامي 1984 - 1985 بعدما تورط أبو صالح في الحرب على طرابلس. صار يدعوني إلى لقاءات سرية في بيوت في دمشق، ويبحث معي في السبل التي يمكن أن يتم من خلالها تهريبه من دمشق إلى الخارج. كان يعاني أزمة حادة في رئتيه وكانتا شبه عاطلتين عن العمل، لكنه مع ذلك ظل يدخن بشراهة. كان يريد أن يخرج لتلقي العلاج في ألمانيا الديموقراطية. لكنه مات في دمشق، من دون أن يسمح له بالخروج. أبو صالح كان في آخر حياته نادما بشكل كامل على كل ما فعل. كنت اذهب إلى تونس وأعود ويرسل معي باستمرار رسائل محبة إلى بقية زملائه في حركة «فتح» بمن فيهم أبو عمار.
أبو عمار كان لا يحقد كثيرا. الأشخاص الذين حقد عليهم كانوا قلة. ولما مات أبو صالح كنا في زيارة الى دمشق، لأننا كنا بدأنا في إعادة العلاقات معهم إلى حد ما. فذهب أبو عمار لزيارة عائلة أبو صالح في بيتهم في دمشق وقدم لهم العزاء وأبدى استعداده لمساعدتهم بشكل كامل، وأنا أعرف أنه كان يساعدهم.

> رداً على ذلك عاد عرفات إلى طرابلس؟

- رجع عرفات إلى طرابلس لإحباط أهداف الانقلاب. زرته هناك مع محمود درويش. قمنا بمغامرة، دخلنا لبنان وطلعنا من طريق الهرمل، ووصلنا إلى طرابلس عبر زغرتا وبشري وهذه المناطق. ذهل ابو عمار لما شاهدني أنا ومحمود درويش قادمين. كان يحفر في جبل تربل ويستعد لحرب طويلة الأمد. شعرنا بتعاطف شديد معه، لأن هذا الرجل مثل النملة، كلما تهدم البيت فوق رأسه، يعود فيبنيه من جديد. وأنا شاهدته نحو عشر مرات في حياتي وهو يعيد بناء البيت الذي تهدم بدأب شديد ويصير هو المشرف على كل صغيرة وكبيرة في العمل.
لما بدأ الانشقاق في «فتح» في مطلع عام 1983، كان عرفات يتردد على دمشق ويعقد اجتماعات للجنة التنفيذية فيها، وكان يحاول مفاوضة الانشقاقيين من دمشق. في احدى المرات، كنا مجتمعين في بيت أحد قادة «فتح» في المزة، فوجئنا بشخص جاء وطلب أبو عمار على استعجال. ذهب أبو عمار ولحق به أبو اياد، ثم عاد أبو عمار مرتبكا. سألناه عن الذي حصل، فقال أنه تم ابلاغه بضرورة الخروج من سورية بسرعة لأن أمنه مهدد.
أبو عمار لم يكن يخشى أن تقوم مصر بالسيطرة على قراره. كان دائما يقول لنا: «المصريون كبار ليسوا في حاجة للسيطرة على القضية الفلسطينية». لم يكن يخشى من دول الخليج أن تسيطر عليه، لأنه كانت تربطه علاقات معهم، وكان يرى أن ليست لهم مصالح إقليمية ولا دعوات استراتيجية. كان يخاف فقط من سورية والعراق. أسوأ لحظات أبو عمار كانت عندما حصل الميثاق القومي بين سورية والعراق، اعتقد في عام 1979، وعقد اجتماع المجلس الوطني في دمشق في ذلك العام وحصل اتفاق بين السوريين والعراقيين في المجلس الوطني على الضغط للحصول على أغلبية في قيادة منظمة التحرير لهم ولحلفائهم. وبدأوا يطرحون ضرورة تشكيل قيادة جديدة. نحن في الجبهة الديموقراطية في تلك المرحلة، دخلنا في هذا التواطؤ، معتقدين انه بهذه الوسيلة نستطيع إصلاح المنظمة والحد من تفرد ياسر عرفات، على رغم أن ذلك كان سيوقعنا في هاوية أخطر وهي الوصاية القومجية العربية علينا. كان بيننا وبين «الشعبية» و «الصاعقة» و «القيادة العامة» وبقية الفصائل نوع من الائتلاف لمحاولة فرض تغيير القيادة والسيطرة عليها من الداخل، بما فيها إدخال احمد جبريل. في تلك الفترة، خلال عقد المجلس الوطني، اغتيل أبو حسن سلامة في بيروت. أنا رأيت أبو عمار يبكي مرات قليلة أو نادرة في حياتي، لكنني هذه المرة رأيته يبكي بحرقة.

> متى كانت المرات الاخرى التي بكى فيها بحرقة؟

- لا اذكر مرة أخرى، إلا عندما ماتت أخته التي كان يعتبرها مثل أمه. وايضاً حين مات أبو جهاد.
تلك الليلة، وخلال اجتماع المجلس الوطني، عاد أبو عمار يناور من اجل إحباط تشكيل قيادة جديدة، وانتهى المجلس الوطني إلى فشل. وبقيت القيادة القديمة من دون تغيير، واحبط مشروع سورية والعراق آنذاك. كان طارق عزيز في دمشق مع عبدالحليم خدام يخططان للانقلاب على ياسر عرفات من داخل المجلس الوطني. لكن ابو عمار استطاع أن يخرج منتصرا بأن عطل المجلس الوطني وانسحب وأوعز لجماعته في «فتح» بأن يخربوا الجلسة. فصار هرج ومرج وصراخ وفشلت الجلسة. كان أبو صالح معنا في تلك المرحلة. كنا نشكل اصطفافا يساريا قوميا ضد عرفات، لكن فشلت المحاولة.

الصمود والتصدي

في الفترة نفسها دعانا العقيد معمر القذافي إلى اجتماع لجميع الفصائل ومعنا الرئيس حافظ الأسد في بنغازي. وكانت المناسبة اجتماع جبهة الصمود والتصدي التي شكلت بعد زيارة السادات إلى القدس واتفاقية كامب ديفيد. وكانت التهمة الموجهة إلى عرفات أن موقفه لم يكن حاسماً تجاه السادات والزيارة، وأنه يرفض اتخاذ موقف قاطع بالدعوة لمقاطعة مصر وعزلها. في الحد الأقصى، لم يكن عند عرفات مانع من إدانة زيارة السادات للقدس، من دون أن تتبعها مقاطعة وحصار. لكن الحلف السوري - العراقي - الليبي - الجزائري كان يريد القطيعة والمحاصرة الكاملتين لمصر، ورفع الغطاء عن السادات. أبو عمار كان لا يزال يريد أن يبقي على خط مع مصر، لأنها بالنسبة إليه تعد القاعدة وعنصر التوازن. في تلك الليلة وخلال اجتماعنا في بنغازي أخبرونا بأن العقيد يريد مقابلتنا. نزلنا إلى ما يشبه السرداب تحت الأرض، لربما كاراج أو ما يشبهه، ووجدنا ممثلي كل الفصائل هناك: «الشعبية»، جورج حبش، «الصاعقة»، «القيادة العامة»، ومن الديموقراطية أنا ونايف، وخالد الفاهوم رئيس المجلس الوطني آنذاك مجتمعين. حافظ الأسد والقذافي كانا موجودين أيضا. نظرنا حولنا فلم نجد «فتح» ولا أبو عمار أو جماعته أو أبو إياد. بدأ القذافي بالكلام، وقال إنه دعانا إلى هذا الاجتماع السري في حضور الرئيس الأسد. كانت الساعة الثانية عشرة ليلا.

> في أية سنة كان ذلك؟

- قبل توقيع اتفاقية كمب ديفيد، لكن بعد زيارة السادات للقدس، يعني عام 1978. أكمل القذافي كلامه عن ياسر عرفات قائلاً: ياسر عرفات موقفه مستسلم ويريد أن يصالح السادات، والرئيس الأسد موافق معي. الرئيس الأسد كان يجلس صامتا، ويكتفي بتعابير جسدية تدل على أنه موافق على هذا الكلام، من دون أن يقول أي كلمة. وأضاف القذافي: المطلوب منكم أن تقفوا في مواجهة ياسر عرفات، وأن تتكتلوا ضده وتكونوا قوة واحدة حتى نفرض عليه القرار الذي نريد. فتبارى الجميع في الحديث عن انه إذا أردت يا سيادة العقيد أن نفرض القرار، فهذا يتطلب مستلزمات. أنت لم تعطنا ما يكفي من دعم ومساندة مادية وعسكرية، بينما تتدفق المساعدات على ياسر عرفات. صارت مناسبة للتشبيح، والكل يتبارى في الهجوم على عرفات وسياسته. أما نحن فبقينا صامتين. وعندما انهوا كلامهم، قلنا انه لا يمكن أن يحصل هذا النوع من التكتلات، لأنها تضعف الحركة الفلسطينية، وإذا كانت هناك ملاحظات، فياسر عرفات قائد وطني، ويمكن من خلال الحوار وليس الاستعداء أن نتمكن من تصحيح هذا الوضع. طبعا لم يكن كلامنا مرضيا بالنسبة إلى العقيد والآخرين. وفي صباح اليوم التالي، التقيت أبو عمار في الفندق، وإذا به يقول لي: «برافو عليك وعلى موقفك. موقفك كان مشرفا». سألته: «أي موقف؟»، فقال: «نعم يا اخوي، مفكرني نايم. موقفك في الاجتماع السري الذي عقدتموه في الليل مبارح». كان مطّلعاً على تفاصيل الاجتماع. لم أعرف من هم جواسيسه، لكن وصلته كل التفاصيل. وظل مصراً على موقفه بعدم القطيعة مع مصر. لذلك بعد طرابلس ذهب إلى مصر ليقيم التوازن المطلوب.

ابو عمار والقذافي

> كيف كانت العلاقة الشخصية بين ابو عمار والقذافي؟

- علاقة أبو عمار مع القذافي كان لها وجهان. الوجه الأول كان فيه أبو عمار يساير القذافي، بمعنى انه يستمع إلى محاضراته وآرائه بصبر. الوجه الثاني كان فيه يتصرف بشكل منفتح للغاية مع القذافي وكأنهما صديقان، لا حواجز بينهما، ويلح عليه في بعض الأمور من أجل دعم أو مساعدة لمنظمة التحرير من دون حرج، لكنه كان دائما يعامل القذافي بود وليس بشكل عدائي. ولم يكن يعتبر أن القذافي يمكن أن يلحق بنا الأذى.
في المرحلة اللبنانية، كان عبدالسلام جلود (المسؤول الليبي السابق) مندوبا دائما في دمشق، ويقوم بمساعٍ. وفي الثمانينات في حرب المخيمات أيضا كان جلود مندوبا دائما. عمليا، تم استيعاب جلّود من قبل السوريين وتجنيده للتضييق علينا ومحاصرة ياسر عرفات و «فتح» أو ما تبقى من «فتح» في مخيمات لبنان، بخاصة في الجنوب حيث كان متاحاً للسوريين أن يصلوا الى منطقة صيدا وما حولها. أبو عمار كان يشكو للقذافي باستمرار من تصرفات جلّود، وكان يرسل إليه في أوقات متفرقة مبعوثين ومندوبين لمحاولة كسبه، لأنه كان يظن أن كسب موقف القذافي ليس عملية صعبة، وأن الأمر يحتاج إلى فقط اتصال وعلاقات. مرت فترات قليلة كانت فيها حالات من التوتر.

> على رغم أن القذافي كان يموّل منظمات أخرى واحمد جبريل؟

- نعم، لكن أبو عمار لم يكن يعتبره خطرا سياسيا كبيرا عليه.

> وكيف كانت علاقة عرفات مع الملك حسين؟

- عندما بدأنا نعيد العلاقات بعد أيلول الاسود بسنوات طويلة، كان أبو عمار حذراً من ذكاء الملك حسين، وفي الوقت نفسه يعرف أن له علاقات متشعبة إقليمية ودولية، ويعرف أيضا أن للملك حسين تأثيراً كبيراً على الشخصيات الوطنية الفلسطينية داخل الأرض المحتلة. أبو عمار كان يحاول أن يصل إلى قواسم مشتركة مع الملك حسين دائما، لكن بصورة موقتة، مثل اتفاق عمان عام 1985. تعرض الاتفاق لانتقادات وهجمات، لكنه لم يسقط بسببها لا من الجانب الأردني ولا الفلسطيني، بل سقط بسبب رفض الإسرائيليين إكمال العملية التي بدأها الملك حسين معهم وعبر الأميركيين بأن أمّن موقف الجانب الفلسطيني. الملك حسين كان ذكيا للغاية في محاولة استيعاب ياسر عرفات. كان يصارحه ببعض الأمور، ويقول له إن لم يكن صراحة بل تلميحاً، بأن هذا العرض ثمة قبول إسرائيلي أو أميركي له. الأمر الذي كان يغري أبو عمار. لكن أبو عمار كان دائما يعتبر الملك حسين المنافس الرئيسي، إلى حين فك الارتباط الأردني مع الضفة الغربية عام 1988 بعد الانتفاضة الأولى. ذروة الاحتكاك كانت قبل الانتفاضة مطلع عام 1987 عندما عقدت القمة العربية في عمان، واعتبر أبو عمار أن عدم استقباله في مطار عمان استقبالا لائقا هو مشكلة كبيرة، وعمل منها أزمة وحاولنا تهدئته، لكن يبدو انه كان لدى أبو عمار حساب سياسي. كان يحاول أن يرسل رسالة سياسية بأن هناك أزمة ويريد أن يستبق أي محاولة يمكن أن يقوم بها سواء العراق الذي كان على علاقة جيدة مع الطرفين أو أي طرف عربي آخر لمحاولة التوفيق بيننا وبين الأردن على حساب تمثيلنا للأراضي الفلسطينية.
ما حصل يومها أن العلاقة بقيت متوترة، حتى بعد الانتفاضة. مع الملك حسين، كان أبو عمار بسبب حذره الشديد منه لا يكاشفه بكل شيء. أذكر انه لما توصلنا الى اتفاق أوسلو جاء أبو عمار وقمنا بجولة عربية لنعرض فيها على عدد من الرؤساء العرب ما تم في أوسلو قبل الإعلان عنه. أرسلنا للأردنيين عبر سفيرنا في عمان أن أبو عمار سيأتي وعنده موضوع خطير، يتعلق باتفاق بيننا وبين الإسرائيليين. لما جاء أبو عمار جلس، وكان الملك حسين متوقعا أن يشرح له القصة، فحكى أبو عمار بطريقة لم افهم منها شيئا. كلها أنصاف جمل، فيها مبتدأ وليس فيها خبر، لا تفهم منها شيئا إطلاقا. الملك حسين خرج من الاجتماع مذهولا، وقال سفيرنا: «هذا الاجتماع زادني جهلا بما حصل ولم يزدني علما بشيء». للأسف بقي هذا التجاذب والحذر عند أبو عمار تجاه الملك حسين قائما حتى النهاية، وهو تجاذب وتخوف كانت تتخلله لقاءات مصالح في بعض اللحظات ثم افتراق مصالح.

حلقة اوسلو

> من كان على اطلاع على اتفاق أوسلو قبل هذه الجولة؟

- كان يعرف بأوسلو أربعة: أبو مازن، أبو علاء، أبو عمار، وحسن عصفور لاحقا. وكانت هناك رغبة عند بعضهم أن لا اعرف أنا. أبو عمار على طريقته فاجأهم في المكتب، وكنا جالسين، وقال: «انتم كلمتم ياسر عن الموضوع». ارتبكوا. هو كان يقصد أن يدخلني في الموضوع كأمر واقع، ويظهر بريئا. فقال لي: «بدأ الإخوان، وهناك محاولة للاتصال مع الإسرائيليين». فصرت على صلة بالموضوع منذ البداية، منذ بعد أول اتصال بين أبو علاء وبين شخصيات إسرائيلية. حاولنا أن ندفع المصريين للدخول أيضا على الخط، وأن يتولوا بأنفسهم الاتصال مع الأميركيين لمعرفة ما إذا كانوا على اطلاع على هذا المسار أم لا. المصريون حاولوا الاتصال مع الأميركيين إلا أن الأميركيين لم يأخذوا الموضوع بشكل جدي. لذلك أعطونا انطباعا وكأن الأميركيين لا يعتبرون هذا المسار مسارا ذا قيمة. من هنا كان أبو عمار لا يأخذ موضوع أوسلو على محمل الجد، إلى أن جاءت أسئلة من الإسرائيليين وطلبوا أجوبة عليها، وقالوا إن هذه الأسئلة من رابين ويتوقف على نوع الإجابة عنها مستقبل الاتصالات. نحن كنا نناقش داخل حلقة الخمسة بعد كل جولة حوار مسار المفاوضات في أوسلو. في البداية أبو عمار لم يكن يأخذها على محمل الجد ولم يكن يعطها اهتمامه الكبير. كان يعتبرها مثل المحاولات السابقة. ولما بدأ يهتم بها بدأ يلتقي معنا ويبحث بشكل معمق وجدي كل التفاصيل والنتائج. أنا بصراحة كنت ألحّ دائما على نقطة هي موضوع الاستيطان. وللأسف لم يكن هذا الموضوع يؤخذ بجدية كاملة، لأنه كان هناك تصور أنه بمجرد قيام سلطة فلسطينية على الأرض، فإن الاستيطان سيضمحل من تلقاء نفسه، وهذا كان موقف معظم من كانوا معنا. أنا اكتشفت في ما بعد أن أبو عمار نفسه لم يكن عنده تصور حقيقي لمعنى الاستيطان. مثلا: في العادة كان أبو عمار يأتي من رام الله إلى عمان بطائرة هيليكوبتر، هذا بعد قيام السلطة عام 1997، وفي إحدى المرات كان هناك ضباب شديد، فاضطررنا إلى أن ننزل بالسيارة بحراسة أمنية إسرائيلية. على الطريق كانت هناك مستوطنات، فسألني أبو عمار: «ما هذه؟». لم يكن يعرف الجغرافيا على حقيقتها. فأجبته: هذه مستوطنات معالي ادوميم. فأصيب بذهول. رأى أشباه مدن وتقريبا مدناً مكتملة البناء وبنية تحتية متطورة مزروعة في قلب المناطق الفلسطينية وفيها شبكة طرق، لم يكن عنده تصور فعلي وحقيقي لخطر الوجود الاستيطاني.
في أوسلو بقينا نحاول بكل الوسائل أن نحصل على أقصى قدر ممكن. أبو عمار تدخل في موضوعين بقوة، الأول: كان الاتفاق بصيغته الأولى ينص على الانسحاب من غزة فقط، لكن أبو عمار كان يريد موطئ قدم في الضفة، لذلك أصر على أن يشمل الاتفاق في المرحلة الأولى غزة وأريحا. كان هذا هو الإضافة الهامة والنوعية التي قام بها أبو عمار على العملية السياسية. النقطة الثانية، أبو عمار كان يريد أن يتم الاتفاق مع منظمة التحرير ومعه شخصيا، وليس مع الوفد الفلسطيني الذي شكل بعد مؤتمر مدريد وكان يرأسه فيصل الحسيني.
أنا كنت اعرف حاييم رامون الذي كان مقربا من رابين، وبعدما انهينا الاتفاق عبر النروجيين وختموه في أوسلو، كنت أتحدث على الهاتف مع النروجيين بحضور كل الوفد وأبو عمار وصودف وجود احد اصدقاء الثورة والقيادة، فكاشفناه بالموضوع لأننا كنا في الليلة الأخيرة. المهم أننا حاولنا في تلك الليلة أن نحسّن الشروط. أنا كنت أتولى الموضوع وأبو عمار كان سعيدا بهذا الدور، إذ كان يصر على أن أؤدي أنا هذا الدور. دور المناكف، الذي يحاول أن يصر على بعض النقاط لتحسين الشروط. كان أهم شيء وقتها أن نأخذ تعهدات بالنسبة إلى القدس. عدم المساس بمؤسسات القدس واحترام المقدسات الإسلامية والمسيحية واحترام دور منظمة التحرير في ما يتعلق بالقدس. يعني إذا لم يكن للسلطة نفوذ على القدس، فمن حق المنظمة أن تكون متواجدة داخل القدس، اصرينا على هذه النقاط في تلك الليلة خلال المكالمة مع شمعون بيريز. هذا جعل بعض إخواننا يشعرون بالضيق لأنهم خافوا من أن تفشل العملية.

> من تحدث مع شمعون بيريز؟

- لم يكن هناك كلام مباشر مع بيريز. كان وزير خارجية النروج هو الوسيط بيننا. كان يقول إن الضيف الذي عندي يقول كذا، فما رأيكم؟ كان بيريز وقتها في النروج، لكن لم يكن هناك حديث مباشر معه، لأنه كان يرفض أن يسجل عليه أنه تحدث معنا بطريقة مباشرة. آنذاك لم يكن ثمة شيء اسمه اعتراف بالمنظمة. خلال الأيام التي تلت هذا رتبنا، وأنا حكيت حاييم رامون، أن يصير التوقيع في واشنطن على الوثيقة وليس مع الوفد المفاوض في مدريد وواشنطن، بل مع ابو عمار ومع قيادة منظمة التحرير.

> اختلفت العملية؟

- هنا اختلفت العملية، حتى انه لما ذهبنا إلى واشنطن، كانت الوثائق التي أعدها الأميركيون للتوقيع عليها تقول: اتفقت حكومة إسرائيل مع الجانب الفلسطيني في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، وليس مع منظمة التحرير، فصححت بقلم الحبر أن الاتفاق مع منظمة التحرير، وكان هذا الإسهام الثاني.

> هل كنت في واشنطن خلال التوقيع؟

- أنا كنت في واشنطن وقتها، وبعد التوقيع أقاموا لنا غداء في وزارة الخارجية. جاء إليه كل وزراء الخارجية السابقين، كانت جلستي مع هنري كيسينجر وكان على الجهة الثانية يجلس يوسي بيلين. صار هنري كيسينجر يسألنا عن تفاصيل الاتفاق لأنه لم يكن منشورا. فشرحناه له. فضرب على الطاولة وقال ليوسي بيلين: لو كانت غولدا مائير حية لعلقتكم جميعا على المشانق على ما فعلتم. جرى اعتراف بالفلسطينيين ككيان مستقل.

> هل كان صعبا على ياسر عرفات أن يصافح رابين؟

- كلا، كان عرفات يعتبر تلك اللحظة لحظة تاريخية بالنسبة إليه. القائد الفلسطيني الذي اجبر الإسرائيليين على الاعتراف به وبشعبه، وبالعكس هو الذي بادر الى مصافحة رابين كما تظهر الصورة. الأمر المؤسف وقتها أننا تعرضنا لما يشبه الخدعة. الأميركيون وبخاصة دينيس روس الذي كان يتوسط قال إن عندنا عشر دقائق لإلقاء كلمة، ومع الترجمة لا يجب أن تزيد الكلمة عن خمس دقائق. فكتبنا كلمة، ساهمت فيها أنا وآخرون. وأنا كتبت القسم الرئيسي منها، لكنني لم اندم على كلمة في حياتي مثل تلك الكلمة، لأنها كانت باهتة وضعيفة جدا، وذلك لأننا عملنا على تقطيعها وتقصيرها كي نضع فيها المواقف والقضايا كلها في أقصر مدى زمني ممكن. طلعت كلمة مبتورة لا تليق بتلك المناسبة.
تعرضت للوم كثيرا على تلك الكلمة، خصوصا من قبل صديقي الأعز محمود درويش. والسبب الوحيد أننا كتبناها ليلة وصولنا إلى واشنطن على أساس أن نتلوها في اليوم التالي. تدخل الأميركيون وطالبوا باختصارها إلى الحد الأقصى، واختصرناها بطريقة مزعجة للغاية.

> هل كان محمود على علم بأوسلو؟

- أجل، محمود كان يعرف بأوسلو من دون أن يكون جزءا من الحلقة التي تناقشها. أنا كنت أضعه في الصورة، وابو مازن كان يطلعه على ما يتم. وكان يشارك في إبداء آراء وملاحظات. الكلمة الفلسطينية كانت سيئة، في المقابل استمعنا إلى الكلمة الإسرائيلية التي استغرقت ربع ساعة أو اكثر. ولم تكن كلمة المحتل الذي يسلّم للشعب الواقع تحت الاحتلال، بل كلمة المنتصر الذي يتباهى بانتصاره، لكنه كريم إلى حد ما بأن يعطي لضحيته بعض التنازلات.

> الأميركيون حددوا الوقت بخمس دقائق؟

- نعم، خمس دقائق. والإسرائيليون أخذوا 15 دقيقة أو اكثر، فكانت كلمة ياسر عرفات ضعيفة في تلك المناسبة. ياسر عرفات كان مبهورا بالجو فقط، لم يكن يهمه ما يقال عن الكلمة أو فيها. كان مصابا بحال من النشوة الشديدة لأنه أصبح الآن معترفا به من العالم ولاعبا أساسيا في المنطقة.