نظارات مكسورة

هل أخبركم عن الرجل الذي فقد وطنه ؟

رجل عادي ،هكذا وبلا أسباب ضاع منه وطن!

وطن لا يستطيع صاحبنا العودة إلى بيته دونه لأن المفتاح الوحيد له ، مفتاح نادر لا نسخة أخرى له, وان سألتموه أين وكيف؟ لن يجيبكم لأنه فقده مرة واحدة والى الأبد.

ليس بالشكل أو الطريقة التي تفقد بها الأشياء، عادة!كأن تخبئ نقودك القليلة في أماكن تغير سمتها كل يوم , تارة في طية الأغطية المصفوفة عموديا فوق بعضها البعض،أو في قلب حذاء قديم ومهمل ،أو تحت أصيص الورد ،أو في ملبن الباب

تختلط عليك الأماكن وتعجز عن التذكر .

أو أن تتفقد حذائك لتنتعله وبعد أن تتلف أعصابك في البحث عنه وترمي بأسماك غضبك على كل الأشياء التي أمامك وخلفك وفي أي مكان، تشي لك ألام المسكينة أن أحد الاخوة قد انتعله غفلة عنك خشية آلا تسمح له بذلك إن هو طلب منك .

تكز على أسنانك تشتم ، تتوعد،تهجم على المنفضة مطفئا حريق سيجارتك الحمراء الطويلة (نوع دخان محلي يهدي إليك بائعه ولاعة وفرشاة ملابس لأسباب عديدة لسنا في صدد الحديث عنها الآن) تطفئها في بطنها ,و لأنك تعرف أن الأخ بأقدامه الحميمة ،الطيبة،خاض في برك من المياه الباردة بحذاء مشقق ونعل مهترئ ليلة أمس ،يحن قلبك، ترتخي ملامح حنقك،يعود إلى صدرك سرب السكينة ،تجلس منتظرا عودته وأنت تلعب بأصابع قدمك،تدخن وتشم ما تبقى من موعدك الضائع .

أو أن تفقد حبيبتك في الشوارع المزدحمة برجل آخر هكذا ببساطة لأن،حزمة أزهاره …………..

المقصوصة بإتقان (حتى تكاد تشك بطبيعيتها) وباختلاف ما تحويه من أنواع لم ترى أو تسمع بها من قبل وبعد، حزمة غبية أذبلت و أحرقت قلب وردتك الصغيرة التي سرقتها وأنت تصفر سعيدا من شرفة القمر (هل كان يعلم الياسمين أنه سيسجن في زجاجات صغيرة ما عاد أحدا مهتما بهروبه عن الأسوار مهاجما المارة ، الياسمين رائحة دمشق ، أحد أهم أسباب وجود الله ) أو أن تفقد عمرا ضاع تحت خائنة عيونك الواسعة و أكفك الضئيلة و أنت تطارد أسباب وجودك اليومية .
(الفتاة التي كانت بالفحم المتدفق من رأسها طردتك عن مشارف فمها لأنها كلما مرت في الصالحية يصفر الباعة وملوك الأرصفة مخترقين بقضبان النظر المؤخرة التي أرحتها على ركبتيك كثيرا ،كلما ازداد الصفير، حط رخ من تكبر على رأسها )

أو أن تفقد أمك أو أبوك أو أحد أحبائك في العنابر القاتمة للمشافي العامة0 بالموت يدوس ممراتها مترقبا ،متأكدا من أنه لن يعود خالي الوفاض 0
الرجل الذي فقد وطنه لم يفقده كما تفقد الأشياء عادة ، إنما بنفس الطريقة ، الطريقة ذاتها التي فقد فيها أسنانه وبعض من سمعه وفؤاده لما كان عنها مسؤولا .

الرجل الذي استيقظ صباحا بكتف مأكول وريق ناشف ، لم يفاجئه خلو البيت من القهوة، كما لم يفاجئه أن يرى الوطن بكامل أناقته وأعلامه وسدنة غيبه يركبون سيارة الأجرة متجهين إلى المطار أما الحقائب فقد سبقتهم منذ زمن طويل .

الوطن المستهلك الأكبر للمشروبات الدمعية

تمام علي بركات. الفصول السبعة 1/1/1