ظرفاء حارتنا

في حينا الشعبي العتيق كان ثمة مقهى أطلق عليه البعض اسم «مقهى الفشارين» أي
الكذابين، وشاءت الصدف أن يكون جل رواد ذلك المقهى من أصحاب الخيالات الخصبة،
فمنهم من يدعي أنه يعرف لندن منذ أن كانت مجموعة من العشاش، ومنهم من يجزم
بأنه كان يسبح على ظهره في ميناء جدة فلم يتنبه إلا حينما اصطدم بلوحة في عرض
البحر عليها عبارة «بور سودان ترحب بكم»، فقفل راجعا إلى حيث بدأ.. ومن رواد
ذلك المقهى شخص لقبه «العنترية» متخصص في قراءة سيرة عنترة بن شداد على رواد
المقهى ليلا، ولكثرة معاشرته لأبطال الحكاية أصيب بلوثة عقلية، فأطلق لشاربه
العنان، وصار يرتدي كل ليلة لباس المحاربين، ويحمل في يده سيفا عشش الصدأ على
جوانبه، ولم يترك حمارا سائبا إلا امتطى صهوته متجولا به في دروب المدينة،
وكأنه «دون كيشوت» زمانه!
ومن أشهر شحاذي حينا شحاذ أرستقراطي مصاب بجنون العظمة، فكان يحمل كرسيا
وطاولة صغيرة كل صباح إلى أرقى شوارع المدينة، فيجلس هناك، واضعا على الطاولة
علبة سجائره الفاخرة وولاعته الذهبية، ولا يقبل من الناس أن يتصدقوا عليه إلا
بعشرة ريالات وما فوق، وكثيرا ما يدخل في معارك جسدية عنيفة، إذا ما حاول
أحدهم أن يتصدق عليه بقروش!.. ومثله مصلح الساعات أو «ساعتشي» الحي الذي كان
يقضي يومه في جدل مع الناس حول دقة ساعة يده، فلا يقبل أن يختلف معه حول دقة
الوقت أحد، حتى لو كان الفارق دقيقة واحدة، وكثيرا ما كان يتدخل الناس لفض
الشجار بينه وبين مؤذن مسجد الحي في زمن التوقيت الغروبي..
أما أجن عشاق حينا فهو ذلك الفتى البحار الذي أطلق عليه الناس اسم قيس،
تخليدا لذكرى مجنون ليلى، ومن المصادفات العجيبة أن يكون اسم حبيبة عاشق حينا
«ليلى» أيضا، فكان قيس على مدى سنوات يملأ أزقة حينا ليلا بالموال:
«كلا معانق حبيبه في هناء وسرور..
وأنا معانق خشب وسط البحر بيعوم»
وحينما تزوجت ليلى من آخر اختفى قيس من دروب الحي، وخلا الليل من المواويل..
ويقال إن قيس هاجر إلى موانئ بعيدة، يهيم في الطرقات، ويطلق الأشعار في فراق
ليلى.
وفي موسم الهجرة إلى شمال المدينة لم يعد من حينا العتيق وظرفائه اليوم سوى
باقة من مثل هذه الحكايات.
محمد دياب