سورية وحطام المراكب المتعثرة9)

عفلق رفض عرض ناظم القدسي للانضمام لحكومته وكان ينتظر الحدث العراقي.. انقلاب شباط 63
الوحدة العسكرية اجهضت تجربة البعث العراقي الأولي.. فرفضها عارف والضباط التكارتة وعزلوا علي السعدي
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

ما ذكرياتك عن تلك الفترة؟
كان حزب البعث في الجامعة هو الأقوي عددياً ومراساً بين جميع الأحزاب، مع أن الإخوان المسلمين والقوميين السوريين كانوا موجودين بقوة. لكن، حينما كنا نخرج في تظاهرة يسير معظم الطلاب معنا. لكن حينما يخرج القوميون السوريون بتظاهرة يسيرون وحدهم. وفي أي حال، فقد كان شهر رمضان هو شهر المشاكل دائماً، وفي كثير من المرات وقع جرحي جراء الاشتباكات، وفي بعض الحالات سقط قتلي. وكانت معظم هذه المشكلات تقع لأسباب دينية كالإفطار في رمضان. أنا مسيحي، لكن كان البعض يظن أنني درزي، لأن شاربيّ غليظان وأكثر رفاقي من الدروز، وكنت شرساً مثلهم. وكي أتجنب تفاقم المشكلات بعد أن أصبحت أميناً لشعبة الحزب في الجامعة، دعوت إلي اجتماع مع قيادة الإخوان المسلمين في الجامعة واقترحت عليهم أن نقسم الجامعة طوال رمضان إلي قسمين: الندوة للبعثيين ولمن يريد التدخين والإفطار، وبقية الجامعة يمنع فيها التدخين والإفطار. وعلي هذا الأساس فإن أي طالب يضبط وهو يدخن في حرم الجامعة لسنا مسؤولين عنه قط ويمكن منعه من ذلك. وفي المقابل لا يسمح لأي طالب من الإخوان المسلمين أن يدخل إلي الندوة لإلقاء عظة أو ليحتج علي التدخين أو الشرب. وقد قبل الإخوان المسلمون هذا الاقتراح، ومر شهر رمضان بلا مشكلات.
هل تتذكر حادثة تصدي الدكتور قسطنطين زريق للشرطة حينما اقتحمت حرم الجامعة؟
كنت موجوداً آنذاك. وأتذكر أن إبراهيم ماخوس دخـل إلي مكتب قسطنطين زريق، وكنت معه، وأمسك بصورة أديب الشيشكلي من علي الحائط وحطمها علي الأرض بعد أن قال: مَن وضع هذه الصورة؟ لا يجوز أن توضع صورة هذا الكلب هنا . فأجابه قسطنطين زريق: لا يا ابني. هذه صورة رئيس الدولة .
لقد كان دخولنا وإبراهيم ماخوس إلي مكتب رئيس الجامعة اعتـداء علي مركز الدكتور زريق، وهذا لا يجوز. لكننا كنا ثائرين علي الشيشكلي بعنف وغضب. هذا ما شاهدته بعيني. لكن قصة اقتحام الشرطة حرم الجامعة وتصدي قسطنطين زريق لها بجسده لم أشاهدها عياناً لكنني علمت بها سماعاً. كان الدكتور زريق يريد أن يحمي الطلاب، وأنا نفسي هربت بمساعدة ملازم ثانٍ اسمه عثمان كنعان وكان بعثياً أيضاً.
في 28 نيسان (أيلول) 1961 وقـع الانفصال. والسؤال هو: ما دام الشعب السوري كان كله تقريباً مع الوحدة، وما دام حكـم عبد الناصـر كان موجوداً مباشرة في سورية، فكيف تمكن الانقلابيون من أن ينجحوا في انقلابهم؟
أتذكر حادثة وقعت قبل يومين من الانفصال. فقد كان لي صديق ضابط في الجيش اسمه عبد الرحمن خليفاوي.
صار رئيس وزراء سورية في ما بعد.
نعم. وكان قبل ذلك قائد دورتنا في سلاح المدرعات، وكان مصطفي طلاس يعمل مدرباً فيها. في تلك الفترة عزل عبد الحميد السّراج واستدعي إلي القاهرة، وسلمت سورية إلي المشير عبد الحكيم عامر. وأردت التحدث إلي خليفاوي في شأن الوضع المتفجر لأن عزل السّراج مسألة خطيرة. سهرنا طويلاً وشربنا كثيراً. وتعليقاً علي مسـألة السّراج قال لي: يا أخي غريب عقل عبد الناصر. لم يبق معه في سورية إلاّ كلب الحراسة، فكيف يبعده؟
هذه الواقعة حدثت قبل الانفصال بيومين؟
نعم. وأضاف خليفاوي: لم يبق أحد مع عبد الناصر في سورية. الشرطة العسكرية قادرة علي القيام بانقلاب وحدها. كل الناس ضده، والجيش ضده. إن فرقة هجانة (وكان يحتقر البدو كثيراً) إذا جاءت من البادية إلي الشام ستنجح في تنفيذ انقلاب.
تماماً مثلما فعل حيدر الكزبري.
خليفاوي رماها كلمة عابرة ولـم يكـن له علم بما كان يجري في الخفاء. في اليوم التالي وقع الانفصال وظن الناس أن السّراج هو بطل الانقلاب.
لأنه أبعد إلي القاهرة معزولاً.
بالفعل. فقد قام أنصـار السّراج بتظاهرات الابتهاج. لكن سرعان ما اكتشفوا أن الذين قاموا بالانقلاب هم عناصـر تنظيم الضباط الشـوام، أي بطانة عبد الحكيم عامـر وأعداء البعث. وأعيد التذكير بأن الوحـدة بين مصر وسورية لم تتحقق، وإنما الذي تحقق هو استفتاء علي حكم عبد الناصر لسورية. ورويداً رويداً تحولت جميع القوي الأساسية ضد حكم عبد الناصـر بما في ذلك الجيش والزعماء. كانت مجرد بيعة أهل الحل والعقد ثم بيعة العامة. أهل الحل والعقد سحبوا البيعة من عبد الناصر، أما العامة فبقيت علي بيعتها، لكنها كانت تكره أجهزة عبد الناصر. لذلك سارع أهل الحل والعقد إلي بيت أحمد الشراباتي للتوقيع علي تأييد الانفصال.
ألا تعتقـد أن عبد الحميد السّـراج ظُلم كـثيراً. فهو كان يمارس وظيفة حماية الوحـدة وحماية رئيسها جمال عبد الناصـر. لذلك فإن الكثير من الكلام علي القمع والتنكيل والتعذيب الذي مورس في عهد عبد الحميد السّـراج كان مبالغاً فيه. ومن المؤكـد أن الكثير من الفواجع وقعت مثل فاجعة فرج الله الحلو علي سبيل المثال. لكن أليس هناك مبالغات كثيرة في هذا الموضوع؟ ثم لماذا وقّع الحوراني والبيطار وثيقة الانفصال؟
أنا لا ألوم السّراج ولا أمدحه ولا أذمه. السّراج موظف ورئيسه يأمره فينفذ. لكن عندما عينه عبد الناصر نائبا للرئيس بدلاً من أكرم الحوراني أصابه الغرور. وعندما سـحبت منه صلاحياته صار ضد عبد الناصر ثم سجن بعد وقوع الانفصال، ثم خطف من السجن. وحتي الآن هو سر لا يعرفه أحد ولا أحد يدري من خطفه.
ثم ما هي النتيجة؟ هل حمي السراج الوحدة؟
قاد الناس نحو الإنفصال.

الديمقراطية ثم الوحدة

أما سؤالك عن أكرم الحوراني وصلاح البيطار وكيف وقّعا وثيقة الانفصال فإن صـلاح البيطار أوضح أنه نَدِم وبكي. أما رأيي فهو أن الاثنين ذهبا إلي الاجتماع ومعهم خليل كلاّس ومنصور الأطرش ولديهم القناعة بأن إعادة الوحدة مسألة مستحيلة. وكان لسان حالهم يقول: فلنُعد الديمقراطية إلي سورية ثم نتكلم علي الوحدة لاحقا. والغريب أن هذا الموقف حاز إجماعاً من أهل الحل والعقد. حتي الرموز الوطنية في سورية من سلطان الأطرش إلي فارس الخوري وشكري القوتلي أيدت خطياً الانفصال، والجميع أرسل برقيات التأييد أو أدلي بأحاديث صحافية، وظهر شكري القوتلي علي شاشة التلفزيون وفي الإذاعة ليتكلم في هذا الاتجاه.
هذا أحد المظاهر العميقة لفشل الوحدة.
طبعاً. كان عند أهل الحل والعقد إجماع أكيد. الأكثرية الساحقة وقفت ضد عبد الناصر. سقطت الوحـدة لكن الناس ظلت تحب عبد الناصـر، لأن الديمقـراطية ليست مطلباً لدي الناس. ولكن هل فشلت الوحدة أم فشل حكم ناصر لسورية؟ أنا أقول لم تتحقق الوحدة حتي نقول فشلت.
في هذه الحال صارت جماعة أكرم الحوراني بكاملها خارج الحزب؟
الآن عدنا إلي عام 1962. ويومئذ حاولنا إعادة توحيـد الحزب، وكان علي صالح السعدي في هذا الاتجاه. لكنه بعد أن يئس من ميشيل عفلق تسلل إلي العراق وبدأ يعد لانقلاب عسكري هناك. بدأت عملية إعادة توحيد الحزب تأخذ أبعادها ولا سيما أن أكرم الحوراني كان موافقاً علي ذلك ومعه أكثرية الحزبيين بما في ذلك جماعة اللاذقية وجماعة دير الزور وحمص والسويداء ودرعا ودمشـق والنقابات والعسكريون المسرحون وغير المسرحين. وتلقي ميشيل عفلق نصيحة من جمال الأتاسي الذي قال له في حضوري: نحن الكبار ما عاد في يدنا شيء يا أستاذ. تـولَ أمر هؤلاء الناشـئة واصنع منهم تنظيماً فعلياً. فأجابه ميشيل عفلق: المهم أن يأتي ذاك قبل عقد المؤتمر.
من هو ذاك ؟
أنا لم أفهم من هو ذاك في البداية. ولكن علمت أن المقصود هو علي صالح السعدي. فقد كان ينتظر حدثاً ما في العراق. وعقد المؤتمر الخامس بالفعل في بيت أحد آل الاتاسي، نادر الاتاسي أو ربما جمال الاتاسي، ويقال فرحـان الاتاسي الذي تبين أنه جاسوس، وأعدم في النهاية.
جاسوس لمن؟ فقد قيل أنه جاسوس للولايات المتحدة الأمريكية؟
أعدم شنقاَ في عهد نور الدين الأتاسي. المهم، حضرت المؤتمر فروع الحزب كلها في الخارج ما عدا فروع سـورية بحجة أن الحزب في سورية كان لا يزال محلولاً. والمؤتمر هذا هو مؤتمر قومي اتخذت فيه قرارات كان الهدف منها إبعاد القيادات المعارضة داخل المؤتمر وخصوصاً إبعاد أكرم الحوراني. وقد استنكر أكرم الحوراني كثيراً هذا التصرف؛ فكيف لا يدعي إلي مؤتمر قومي منعقد في حمص بسورية؟ وعند هذا الحد أصدر عدة تصريحات ضد المؤتمر، ففصلوه من الحزب. وفي الأثر أعاد أكرم الحوراني بناء حزبه.
واتخذ اسم حركة الاشتراكيين العرب ؟ ولكن من هي القيادات التي أبعدت وكانت معارضة داخل المؤتمر؟
نعم، حركة الاشتراكيين العـرب. أما جماعة اللاذقية فقد حافظوا علي تنظيمهم السّري الذي كان موجوداً في الأساس، وأُطلق عليهم اسم القطريون مع أنهم قوميون. صلاح البيطار لم يكن يومئذ حزبياً خالصاً. ظل ممسكاً بالعصا من الوسط بين الحزب والناصرية. وجلال السيد ترك الحزب، وخاض الانتخابات وفاز، وبعد ذلك صار وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس مجلس الوزراء. هذا في سورية، أما القيادات العربية التي أبعدت من داخل المؤتمر الخامس وكانت معارضة لخطط عفلق فهي غسان شرارة وعبد الوهاب شميطلي من لبنان وفيصل حبيب الخيزران من العراق، وعبد الرحمن منيف من السعودية وغيرهم.
هذا كله حدث في فترة الانفصال؟
نعم. والكثير من البعثيين خاضوا الانتخابات وفازوا. بعضهم سار في ركاب أكرم الحوراني، وبعضهم مع جلال السيد، فعادت الأمور إلي ما كانت عليه قبل الدمج.

انقلاب البعث في العراق

هل أسهم انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 في العراق في دفع حزب البعث إلي الاستيلاء علي السلطة في سورية؟
طبعاً، طبعاً. أسهم جداً، ومع الأسف أعطي لعفلق وتنظيمه الهزيل قيمة ليست له حيال أهم زعماء وكوادر البعث في سورية وأوسع قواعده. وهذه هي الورقة التي كان عفلق يراهن عليها ولم يكن يعرفها أحد.
ما دور اللجنة العسكرية في حركة 8 آذار (مارس) 1963 في سورية؟
اللجنة العسكرية كانت مع فرع اللاذقية مثل الأواني المستطرقة. ليس فقط مع فرع اللاذقية بل مع فروع دير الزور وحمص ودرعا أيضاً. كان ثمة تعاون وعمل تنظيمي مشترك، وثمة ضباط من اللجنة العسكرية شاركوا في العصيان في حلب الذي أفشل انقلاب النحلاوي في 28 آذار (مارس) 1962.
والقوميون العرب؟
القوميون العرب كان ينظر إليهم علي أنهم من جماعة عبد الحميد السّراج، وحضورهم ضعيف. وفي أي حال صُدم الناس ليس بمأمون الكزبري فقط، بل بالانتخابات التي أوصلت الكثير من الرجعيين إلي المجلس النيابي. وقد مُني التقدميون بالهزيمة ما عدا أكرم الحوراني وبعض الأشخاص من إدلب أمثال الوليد طالب وفهمي العاشوري ونايف جربوع من السويداء ومحمد الحسن من ريف اللاذقية.
والمجلس النيابي الجديد أراد إعادة الشركات المؤممة إلي أصحابها والتراجع عن قانون الإصلاح الزراعي وقانون العمل الزراعي. أي أنهم كانوا يريدون إعادة سورية إلي ما كانت عليه قبل عبد الناصر، فاشتبك الصراع الاجتماعي بالصراع القومي، وانقسمت سـورية إلي معسكرين، ووقع الحرج علي أكرم الحوراني لأن عواطفه مع الناس لكنه مضطر إلي التعامل مع الرجعية في المجلس النيابي، فسار في خط المعارضة. لكن عبد الناصر كان ضده، والناس مع عبد الناصر. لذلك كانت معارضته باهتة وبلا سند شعبي.
كان المجلس النيابي منقسماً إلي تيارين: الأكثرية تريد إعادة الأموال المؤممة للأغنياء، والأقلية، وعلي رأسها أكرم الحوراني وجلال السيد، تريد الليبرالية الحقيقية لا سخافات مأمون الكزبري وعبد الكريم النحلاوي. وهذا الاتجاه كان يدعمه داخل المجلس النيابي خالد العظم وكتلته، ومن خارج المجلس النيابي الشيوعيون الذين كان لهم ثقل جماهيري، لكن لم يكن لهم أي وجود في الجيش. أراد أكرم الحوراني أن يحقق الديمقـراطية البرلمانية وهي خلاصة تجربته الحياتية والسياسية التي بدأها منذ أن كان طالباً ومشاركاً في تظاهرات سنة 1936، مروراً بثورة رشـيد عالـي الكيلاني ثم بأربعة عهود في المجلس النيابي حتي الوحدة ثم الانفصال. هذه التجربة أنضجت في رأسه فكرة أن لا طريق لسـورية إلاّ الديمقراطية. هنا، اجتمع المجلس النيابي في بيت خالد العظم، وألف حكومة جديدة فرضوها علي ناظم القدسي. لو قبل ميشيل عفلق الاشتراك في هذه الحكومة، وكان الفريق عبد الكريم زهر الدين مُستعداً لإعادة الضباط البعثيين المسـرّحين إلي الجيش، لكانت التجـربة الديمقراطية بدأت حقاً، وكانت سورية عادت كما كانت في سنة 1957. لكن ميشيل عفلق رفض المشاركة في الحكم. وهذا كان مستغرباً. وفي أحد الاجتماعات في منزل أخيه وصفي حضرته بنفسي مع أكرم الحوراني وصلاح البيطار وجمال الأتاسي ومنصور الأطرش وعبد الغني قنوت واثنين أو ثلاثة آخرين لم أعد أذكر أسماءهم، جاء كل من البيطار والحوراني بعرضٍ علي لسان ناظم القدسي، الذي عاد من السجن إلي الرئاسة، وعبد الكـريم زهر الدين قائد الجيش الذي صار موقفه أقوي بعد نفي النحلاوي وجماعته، عرضٍ مفاده اشتراك البعث في الحكم الجديد مع إمكانية الحصول علي ست وزارات أساسية، والأهم هو عودة الضباط المسرحين إلي الجيش. البيطار كان يرغب في رئاسة الحكومة، لكن الحوراني قال: يجب أن نتفاوض عليها، لأنها ليست مضمونة. أما عفلق فكان ضد الاشتراك أصلاً وأوحي أن موقفه هذا مبدئي لا سياسي. أذكر أني نهضت وجلست إلي جانب عفلق وهمست في أذنه: يا أستاذ لماذا ترفض؟ وعلامَ تعتمد؟ إذا قبلنا نستفيد من إعادة تكوين الحزب الموحدّ علي الأقل . فتطلع إليّ وقال: يا نبيل من اليأس لا يخرج شيء .
في تلك الأيام لم يكن أحد يدري ماذا يعد ميشيل عفلق في العراق. البعض، وأنا منهم، ظنّ أنه بالفعل موقف مبدئي. والبعض ظنّ أن عفلق لا يمارس سياسـة وإنما مثاليات هوائية.الوحيد الذي يخفي البطاقة الرابحة في جيبه كان ميشيل عفلق! ولكن أي ربح ؟ ربح شخصي له، وسراب لنا، و هات ياكوارث علي الناس ..!
والورقة الرابحة كانت علي صالح السعدي.
هو الوحيد الذي كان يعرف ماذا يجري في العراق علي صعيد الحزب علي الأقل. كان يعد انقلاباً عسكرياً. وحـركة 8 شباط (فبراير) 1963 كان من الممكن أن تحدث في سنة 1962. كان يعتقد أنه إذا وقع الانقلاب البعثي في العراق، فسورية ستتبع العراق فوراً. فلماذا يفاوض ناظم القدسي الآن، وغداً سيكون العراق في يده؟ وفي النتيجة رفض ميشيل عفلق المشاركة في الحكومة، فذهب أكرم حوراني إلي ناظـــــم القدسـي وسمّي وزيره عبد الحليم قدّور، وصلاح البيطار سمّي وزيره عبد الله عبد الدائم. وبالفعل لو وافق عفلق علي الاشتراك في الحكومة وجرت إعادة تنظيم الحزب الموحّد لنال البعثيون ست حقائب وزارية. والأهم من ذلك كله عودة الضباط المسرحين إلي الجيش. فتخيل لو عاد عبد الغني قنوت ومصطفي حمدون ومصطفي طلاس ومحمد عمران ومعهم العشرات من خيرة الضباط المسرحين إلي الجيش، لأمسكوا به بالكامل. لهذا استغربت لماذا لم يرض عفلق بعرض ناظم القدسي. واكتشفت، في ما بعد، أنه كان ينتظر الحدث العراقي.
قلت إن ميشـــــيل عفلق عقد في أوائل أيار (مايو) 1962 مؤتمراً قومياً للحزب في حمـــــص لم يكن فيه سوري واحد غيره، وعزل القيادة القومية وأتي بقيادة جـــــديدة، وتألفت لجنة تنظيمية برئاسـة علي صالح السعدي ولم يكن فيها ســــوري واحد أيضاً، لأن الحزب في سورية ما زال منـــــحلاً ولا تمثيل للبعثيين في سورية في المؤتمر القومي العام. وعندما وقعت حركة 8 آذار (مارس) 1963 لم يكن عدد البعثيين في سورية يتجـــاوز المئة عضو.

حضور ضعيف

مئة عضو في جميع أنحاء سورية؟
نعم.
مئة عضو فقط؟ هذا غريب!
لم يتجاوزوا المئة، صدقني. الحزب الحقيقي كان في الجيش، أي التنظيم السّري العسكري.
اللجنة العسكرية.
نعم. أما الحزب المدني فكانوا يسمّونهم القطريون الذين لم يحلوا فروعهم الحزبية وظلوا يعملون سراً.
مثل فرع اللاذقية.
فرع اللاذقية وفروع دير الـزور وحمص ودرعا والسـويداء والفلسطينيون. وبسبب غياب القيادة الحزبية في سورية قامت اللجنة العسكرية بملء الفراغ. وحاولت تطوير عصيان حلب الذي وقع في 28/3/1962 إلي انقلاب كامل لكنها فشلت.
ألم يكن ميشيل عفلق علي علم بهذا؟
لا. لأن ميشيل عفلق لم يكن له أنصار في الجيش.
وعبد الغني قنوت ومصطفي حمدون؟
كانوا خارج الجيش، أي في الحياة المدنية. أما الضباط البعثيون الصغار الذين ظلوا في الجيش فهؤلاء كانوا تحت لواء اللجنة العسكرية.
هل كان عفلق أو الحوراني مطلعين علي أمر اللجنة العسكرية؟
لا شك في أن أكرم الحوراني كان يعلم. أما ميشيل عفلق فأنا أشك في أنه كان يعرف، لأنه كان منهمكاً في رصد ما يجري في العـراق. وأتذكـر، في تلك الفترة، نكتة عن الحزب رواها لي أحد الشـوام الظرفاء فقال: يا أخي، هؤلاء الأساتذة لديكم أمثال ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني عملوا مثل بائعي الخضار في سوق الهال . فقلت له: كيف ؟ أجابني: ألا تعرف ماذا يفعل تجار الخضار في سوق الهال ولا سيما تجار الجملة؟ إنهم يجعلون النوع الجيد في مقدمة الصحارة، أي أحسن نوعية في الأعلي وما تحتها النوع الرديء. وأنتم تماماً مثل بائعي سـوق الهال؛ عندما وصلتم إلي الحكم انقلبت (الصحارة) وبان ما كان خافياً فيها . وعندما رويت هذه النكتة لأكـرم الحوراني في مقهي الهـورس شو في بيروت ضحك وقال لي: كنت أعرف ما في قعر (الصحارة) ولذلك لم أقبل المشاركة في انقلاب 8 آذار (مارس) 1963. عبد الغني قنوت ومصطفي حمدون لا يقبلان المشاركة في انقـلاب يقوده صلاح جديد وعبد الكريم الجندي ومحمد عمران. أكرم الحوراني يقبل التعاون مع العسكريين الذين يتلقون الأوامر من السياسي لا مع الذين لا يعملون إلاّ من أجل الانقـلاب والسلطة فقط . خلاصة الكلام أن انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 وقع في العراق وكان بعثيو العـراق أسسوا حرساً قومياً علي طريقة الشيوعيين، أي أن الحزب كان مسلحاً وأفراده مدربين علي استخدام السلاح، وهم اقتحموا الثكنات بأسلحتهم واعتقلوا الضباط المؤيدين لعبد الكريم قاسم.
تحالف البعثيون والقوميون العرب حينذاك.
صحيح. لكن الحزب هو الذي قاد العملية الانقلابية لأن أحمد حسن البكر كان الأعلي في الرتب العسكرية، بينما عبد السلام عارف كان في السجن. وقام البعثيون بإخراجه من السجن وجعلوا منه رئيساً للجمهورية. علي صالح السعدي كان في السجن أيضاً، وهو قال لي: لو كنت خارج السجن لما قبلت أن يكون عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية . أما في سورية فإن ضباط اللجنة العسكرية قاموا بانقلاب 8 آذار (مارس) 1963 من غير التنسيق مع الحزب في الأساس. وكانوا يعتقدون أن ميشيل عفلق سيسير معهم ويؤيدهم، وهم يحتاجون إلي العناصر المدنية لتثبيت السلطة الجديدة.
لكن أكرم الحوراني كان من الصعب التعامل معه، فهو زعيم حقيقي، بينما عفلق والبيطار يمكن وضعهما في المنزل حين الحاجة. غير أن قيام انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 في العراق أعطي عفلق قوة كبيرة، بينما صار أكرم الحوراني ضعيفاً. في هذا السياق صار الضباط المســـــرحون واللجنـــــة العسكرية في حاجة إلي رضا ميشيل عفلق والتنـــــــظيم القومي واضطروا إلي إخفاء رصيدهم في التنظيم القطري حتي إذا اختلفوا مع ميشيل عفلق وصلاح البيطار أنهوا دوريهما في 23 شباط (فبراير) 1966.
لكن حكم البعث في العراق لم يصمد، بل سقط في 18 تشرين الأول (اكتوبر) 1963.
الانقـلاب الذي أطاح البعث في تشـرين الأول (اكتوبر) 1963 كان نتيجة لقرار الوحدة العسكرية. عندما اجتمع المؤتمر القومي السادس في دمشق اتخذ قراراً بالوحدة بين سورية والعراق علي أن تكون دمشـق هي العاصمة ويكون الرئيس عراقياً. وكان الرأي استقر علي السير بخطوات متدرجة نحو الوحدة، علي أن يتم الشروع بالوحدة العسكرية أي وحدة الجيشين. وتألف فيلق بقيادة فهد الشـاعر للذهاب إلي العراق ومساندة الجيش العراقي في حربه ضد الأكراد. وكان الجيش السوري خلا من الناصريين وصـار البعث هو القوة الأساسية فيـه أو الوحيدة تقريباً. هنا تخوف عبد السلام عارف من هذه التجربة، وحدث انقسام داخل القيادة العراقية بين طالب شبيب من جهة ومعه حازم جواد، وبين علي صالح السعدي وأكثرية القيادة القطرية. وقرر ضباط الجيش البعثيون التكارتة وعبد السـلام عارف معهم أن يعزلوا القيادة التي علي رأسها علي صالح السعدي، فاقتحموا، بالسـلاح، مقر المؤتمر القطري الذي كان منعقـداً آنـذاك وأنزلوا أعضاء القيادة عن المنبر، ورددوا الشعار الحزبي للبرهان علي أنهم حزبيون منضبطون، ثم وضعوا هؤلاء في طائرة إلي مدريد مباشرة. لكن أنصار المبعدين من عناصر الحرس القومي نزلوا إلي الشوارع وقاموا بهجوم معاكس.
البعث ضد البعث

انقلب البعث علي البعث.
عند هذا الحد ذهب وفد من القيادة القومية برئاسة ميشيل عفلق وكان معه صلاح جديد وأمين الحافظ وجبران مجدلاني وحمود الشوفي إلي بغداد لتسوية الأمر. وفي هذه الأثناء كان عبد السلام عارف هيّأ ضربته العسكرية بعد أن خُلع علي صالح السعدي وضعفت قوة الحزب في الجيش ولم يبق إلاّ أعضـاء التنظيم المدني، وهؤلاء مجرد شبان مناضلين يحملون السلاح ويرابطون في الخنادق والأوكار، لكن الثكنات ليست في قبضتهم. وفي 18 تشرين الأول (اكتوبر) 1963 نفذ الجيش انقلاباً كاملاً، وصار البعثيون القـادة إما في السجون أو في المنافي. وهنا برز دور صدام حسين الذي كان عضواً في قيادة فرع بغداد. فقد خلت الساحة أمامه لإعادة تنظيم الحزب بالاتفاق مع ميشيل عفلق والقيادة القومية. بينما تعرض طالب شبيب وحازم جواد وعلي صالح السعدي لضربة كبيرة، وصارت قوتهم صفراً. وهنا برز دور التكارتة وصدام حسين.
في أي حال، لم يكن انقلاب تشرين الأول (اكتوبر) 1963 بعيداً عن عبد الناصر.
جمال عبد الناصـر كان محرضاً علي الانقلاب لأنه أراد التخلص من البعث بجناحيه. وقد نقل محسن العيني عن عبد الناصر قوله: أتعاون مع بن غوريون ولا أتعاون مع البعث . عبد الناصر لم يكن شديد الولع بالوحدة. كان مهموماً في أن يحكم سورية ليحكم المنطقة من خلالها. والغريب أن الكثيرين ما زالوا يعتقدون أن عبد الناصـر كان لديه مشروع وحدوي. يا أخي ما هذا المشروع الذي يموت بموت صاحبه. وسابلك إيه يا صبية عبد الناصر لما مات... .
المسألة معقدة أكثر من هذا التبسيط.
هذا الكلام لم أقله أنا أو البعثيون ولا حتي الانفصاليون ولا أكرم الحوراني، بل ردده المصريون بأنفسهم مع شاعرهم المشهور. ويقول هيغل: الحكماء يفرضون آراءهم ببطء لتبقي، والطغاة يفرضون نفوذهم بسرعة البرق ليزول .
لكن أنور السادات سوري الأصل.
هذه نكتة.
ليست نكتة. كتبها أنيس منصور في مجلة المجلة .
أطلقها أكرم الحوراني في المجلــــس النيـــابي السوري. وربما كان أكرم الحوراني أول من قالها عندما جاء أنور السادات إلي دمشق في سنة 1957 وكان رئيساً لمجلس الأمة. حينما زار السادات مجلس النواب الســــوري قبل الوحدة قام أكرم الحوراني وأجلسه في مكانه تكريماً له لأنه كان ممثلاً لعبد الناصر، وكي يعطي موضوع الوحدة صيغة عملية. وتحدث الحوراني إلي السادات قائلاً إن في دمشق حي اسمه حي السادات وشارع اسمه شارع السادات ومستشفي اسمه مستشفي السادات، وهناك عائلة كبيرة هي آل السادات، فيجب أن تلتقي عائلتك!!
في سنة 1958، نشبت الحرب في لبنان، واندلع الصراع بين القوميين العرب أو أنصار الرئيس عبد الناصر وكميل شمعون والسلطة اللبنانية. ماذا تتحدث عن تلك الفترة؟
كنت في ذلك الوقـت ضابطاً أخدم في لواء المدرعات الخامس. وحينما نزل المارينز علي الشاطئ اللبناني، أي الأسطول السادس الأمريكي، حدثت تعبئة عامة واستنفار شامل في الجمهورية العربية المتحدة، وتألفت قوة من خيرة أسلحة المدرعات ومن أفضل الضباط وكنت من بينهم، وانطلقنا إلي الجبهة مع إسـرائيل تحسباً لتطور الأحداث. لكنني تابعتُ ما يجري في لبنان بالوسائل المتاحة. وفهمت، حينذاك، أن كميل شمعون استعمل الحزب السوري القومي الاجتماعي والنفوذ العراقي والإنكليزي لتشديد قبضته علي لبنـان. بينما ذهب لبنانيون آخرون إلي عبد الناصـر وإلي سورية وجروهما إلي التدخل. وكان عبد الحميد السرّاج هو الذي تولي الشأن اللبناني بأوامر من جمال عبد الناصر.
هذه هي العادة اللبنانية: الاستقواء بالخارج علي الداخل.
تماماً. العنصر الضعيف يستقوي بالخارج أيضاً. فالجميع غير مقتنع بفكرة الوطن المشترك. والجميع يتكاذبون تحت سـتار الوطنية والوطن. شعرت في تلك الفترة أن لبنان يشهد حركة طائفية مكشوفة: المسلمون مع عبد الناصر والمسيحيون مع كميل شمعون. وأتذكر أنني ذهبت إلي ميشيل عفلق في أول إجـازة لي بعد اندلاع الأحـداث في لبنان. وفي منزله كان حاضراً خالد العلي، صديقي منذ أيام الجامعة والذي أصبح محامياً وعضواً في قيادة الحزب في لبنان وهو من عكار، وكان آتياً من شمال لبنان لاستلام أسلحة لقتال كميل شمعون. وقلت لميشيل عفلق: إنني اشتم رائحة مسلم ـ مسيحي، ويجب أن نطلب من رفاقنا في لبنان أن يتنبهوا لهذه المسألة، وأن يحددوا مواقعهم بدقـة حتي لا ينجروا إلي مواقع طائفية. وفي الخلاصة، أنا أعتقد أن أحداث سنة 1958 كانت مقرفة ومضحكة، لعب فيها ما شاؤوا من اللعب كل من عبد الناصر والسراج وكميل شمعون ثم كمال جنبلاط....الخ. أما حزب البعث في لبنان فلم تكن له قيمة جدية في تلك الفترة، ولا أدري إذا امتلك في أي يوم قيمة مهمة. وأقصد بذلك حـزب البعث من دون غازي كنعان، لأنه مع غازي كنعان والمخابرات السورية يصبح شيئاً آخر.
كأنك تنسي الدور الأمريكي والانكليزي في تلك الأحداث، وتتناسي أهـــمية الوحدة السورية ـ المصرية، والسعي الغربي لفرطها.
يا أخي، لم تمضِ ستة أشهر علي قيام الوحدة حتي وقع انقلاب 14 تموز (يوليو) 1958 في العراق. سقط حلف بغداد وسقطت الملكية وتحول العراق، نتيجة للسياسة الناصرية، إلي بلد معزول ومعادٍ للوحدة بزعامة عبد الكريم قاسم، ونزلت قوات المارينز علي شواطئ بيروت وفرضت فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية.