العملية رقم سبعة-من ملفات المخابرات(8)

فينوس التي جاءت

. . "أيها الزملاء. . برغم الجهود التي بذلت، علينا جميعاً أن نواجه الحقيقة، ونعترف بأننا فشلنا. .ليس نتيجة خطأ تكتيكي في خططنا. .وإنما لكون هؤلاء الطيارون العرب. .أشد إخلاصاً ووطنية".

بهذه العبارة استهل مائير عاميت كلمته في اجتماعه بضباطه، وقد علت الوجوه علامات اقتضاب ووجوم، وأكمل عاميت:

"إن أمن إسرائيل لن يكتمل. .طالما امتلك العرب هذه الطائرة التي يتفوقون بها علينا. .ويتهددون أجوائنا. . وسنبقى هكذا، مهددون بالموت والتشتت. . لو لم نحصل على واحدة منها. .وعندما يتحقق لنا ذلك. . أستطيع أن أؤكد أن إسرائيل قد ولدت من جديد لتبقى. . وأن أذرعها الطويلة ستخنق رقاب العرب. . وتدفن أمنهم الى الأبد في الرمال.

أيها السادة. .على عاتقنا تقع المهام الكبرى التي تخدم وجود الدولة. .ومصالحها. .وأهدافها. .وبدون تخطيط ذكي سليم ستكون العواقب وخيمة. .وسنتلقى الفواجع واحدة تلو الأخرى. .ونحن نبكي كالنساء. .ونولول في حسرة.

وها هي . . عملية تجنيد طيار عربي تفشل للمرة الثالثة. .بعدما كنا قاب قوسين أو أدنى من النجاح. لكننا اعتدنا ألا نيأس. . أو يتسرب إحساس اليأس الى قلوبنا. .فليس مع اليأس نجاح. .أو عمل مثمر.

وأمامنا اليوم تقرير هام من بغداد. .عن طيار عراقي جديد. .يجب إخضاعه للتحليل الدقيق. .لنتمكن من خلاله من وضع خططنا. . والعمل بإصرار على إنجاح عملية تجنيده. . مقابل أي رقم يطلبه من المال".

كان عاميت يتكلم وقد غلف صوته رنين الثقة. .فالأنباء السارة التي جاءته من بغدد، زرعت بداخله مجدداً الأمل في النجاح. وزاد من تفاؤله أن رقم (4) يمثل في حياته رموزاً هامة، فقد ولد في شهر "4) وكان ترتيبه "الرابع" بين أخوته، وقاد عام 1948 المجموعة "الرابعة" في منظمة الهاجاناة الإرهابية، وكان "الرابع" على دفعته أثناء دراسته للاقتصاد في نيويورك عام "1954"، وكانت زوجته هي الأخرى من مواليد شهر "4"، وهي الفتاة رقم "4" التي أحبها، ويبدأ رقمه العسكري برقم "4"، ونجا من الموت "أربعة" مرات خلال خدمته العسكرية.

ولما سأله أحد معاونيه عن الاسم الكودي للعملية، وضرورة تغييره من "007" الى اسم جديد، رفض عاميت مردداً أن ملفات الموساد في عهده لن تتضمن اسماً لعملية فاشلة، وأنه على ثقة من أن "007" فأل حسن، ولن يغيره.

المعلومات السرية الأخيرة التي بثها عملاء الموساد في بغداد، أوضحت بأن الطيار العراقي منير روفا - الذي سبق رصده في تكساس - على علاقة بفتاة أرثوذكسية عراقية، وأنه دائم الالتقاء بها بمنزل صديقه يوسف منشو، وهو تاجر يهودي مفلس، يطالبه الدائنون بمبالغ كبيرة. وقد ارتبط هو الآخر بعلاقة قوية بالشقيقة الكبرى لصديقة روفا.

ووضعت - على أساس المعلومات المعطاة - خطة أولية لاصطياد منير روفا، بواسطة صديقه المفلس، عن طريق إغراؤه بالمال. وفي محاولة "جس النبض" أظهر يوسف منشو يهوديته التقليدية، عندما وافق على التعاون مع الموساد مقابل تسديد ديونه، ومساعدته في الهجرة الى إسرائيل.

لم يكن هناك أدنى مشكلة إذن، فالتاجر اليهودي الذي حصل على المال، كتب تقريراً وافياً عن صديقه روفا، كشف عن جوانب شخصيته، ونشأته، وظروفه، وهذه كلها معلومات قيمة، ساعدت على تحليل الطيار الشاب نفسياً، ودراسة أفضل الطرق للتسلل اليه، لاجتذابه أولاً، ثم الانقضاض عليه.

وطُلب من يوسف منشو الظهور بمظهر التاجر الثري، الذي تمكن من عقد صفقة تجارية مربحة، وأن يتولى الإنفاق بسخاء على صديقه، وإقراضه للإنفاق على صديقته ومغامراته النسائية المتعددة.

كان للمال فعل السحر عند التاجر اليهودي، لذلك فقد انصاع لأوامر الموساد بصدق وإخلاص، وعمل جاهداً على إثبات ولائه، عندما ساعد على الدفع بفتاة يهودية حسناء، في طريق الشاب الباحث عن المتعة، فسعى للفوز بها بلا فائدة. ومن أجل التغلغل الى عقلها أغدق عليها بالهدايا، وكانت هداياه الثمينة قد أرهقته مادياً، لكن يوسف - بأموال الموساد - كان لا يبخل عليه بشيء، ويمده بين حين وآخر باحتياجاته منها، فضمن بذلك ولاء الطيار المغيب الوعي، والاستحواذ عليه. وسرعان ما تحول التاجر المفلس الى صياد ماهر، أجاد اقتناص الفرصة للإيقاع بفريسته، طمعاً في المزيد من المال.

إن صناعة الخونة والجواسيس عملية معقدة جداً، تتداخل فيها عوامل كثيرة وأحداث عجيبة، يقوم عليها خبراء مدربون، عندهم الصبر والحنكة وأعلى درجات المهارة والذكاء، بحيث يجدُّون في إثر ضعاف النفوس، أولئك الذين يسعون وراء أوهام المجد والثراء، أو ممن اعتقدوا بضآلتهم في أوطانهم. وعندما يقع هؤلاء في براثن صائدو الخونة، فهم يُحَاصَرون من كل صوب، وتغلق دونهم أبواب النجاة.

ففي الوقت الذي كان فيه الطيار الشاب، غارقاً في مطاردة الفتاة اليهودية الحسناء - الطُّعم - وفي ديونه ليوسف، كان الأخير قد استعاد نشاطه التجاري بتوسع، وقام بمعاونة الموساد، بتصدير صفقة تمور الى إيران، في باطنها عملية تمويهية لإظهار الثراء، والالتقاء بأحد خبراء الموساد هناك. حيث أطلعه يوسف على تطورات أحوال روفا، ونقاط ضعفه، ولتدارس خطة محبكة وضعت خطوطها العريضة في إسرائيل، تقضي بأن يسافر روفا الى باريس، وهناك سيتولى آخرون أمره.

رجع يوسف منشو الى بغداد، وأخبر روفا - حسب الخطة - بأنه بصدد عقد صفقة تمور ضخمة مع شركة إنجليزية، سيصل مندوبها قريباً الى بغداد للتفاوض معه وتوقيع العقد، طالباً منه أن يقوم بعملية الترجمة بينهما عند وصوله.

كانت الموساد تبذل كل ما في وسعها لإنجاح العملية هذه المرة، واستعدت لها بكامل إمكانياتها البشرية والمادية، وفي سبيل تحقيق ذلك أعدت دراسة مستفيضة شملت كل جوانب حياة منير روفا، اعتقاداته، وأحلامه، ومبادئه، ونقاط ضعفه، وأحواله المادية والأسرية والمهنية، وخلصت الى نتيجة مفادها أن خير سبل الإيقاع به، يكمن في فتاة أسطورية الجمال والأنوثة، يقف عاجزاً أمام مقاومتها. فلأنه عاشق مغرم بالنساء، ومتعدد العلاقات، لن تصلح للمهمة سوى فتاة طاغية الفتنة والإثارة، لم يصادف مثلها من قبل.

وجرى البحث بين فتيات الموساد عن تلك الفتاة، الأمل، التي اشترط عاميت أن تكون ملمة باللغة العربية، على ألا تستعملها، وأن تكون ذات خبرة سابقة في عمليات مصائد العسل، وتم بالفعل اختيار احداهن، حيث جرىتلقينها خطوات العملية التي ستتم في بغداد، لاستدراج الطيار العراقي الى باريس، بتقمص دور مندوب شركة إنجليزية، تعمل في مجال التجارة الدولية، ثم ربطه بعلاقة خاصة لا يستطيع الفكاك منها.

وفي الثالث والعشرين من مارس عام 1966، وصلت "ليزا برات" الى مطار بغداد الدولي، تحمل جواز سفر بريطاني، وتفويضاً من الشركة الوهمية، بالتوقيع على عقد تصدير شحنة من التمر العراقي الى لندن.

أنهى ضباط الجوازات والجمارك إجراءات الفاتنة الإنجليزية، وهم في دهشة أمام جمالها الطاغي، وكان بانتظارها يوسف منشو، الذي كان ممسكاً بيافطة تحمل اسمها، ومن بعيد وقف منير روفا، يتأمل فينوس الساحرة التي جاءت، وقد جفت عروقه عطشاً لرواء أنوثة أشلت عقله، وسلبت إرادته منذ النظرة الأولى . . !!

الطيار التائه

في عام 1934 ولد منير حبيب روفا ببغداد، لأسرة مسيحية أرثوذوكسية فقيرة، أقامت بحي المستنصرية الشعبي الفقير، وكان ترتيبه الثاني ضمن تسعة أبناء لموظف بسيط، يعمل بأرشيف وزارة الزراعة، عانى كثيراً بسبب كثرة الأولاد وقلة الدخل، ودفعته مشاكل المعيشة الى إدمان الخمر العراقي "العَرَقْ" ومطاردة النساء، لذلك استغل عمله في الحصول على الرشوة من جمهور المترددين، وكانت نهايته الفصل من الوظيفة، والحبس لعدة أشهر.

وبعدما انتهت مدة حبسه واجهته المحن كالطوفان، فتعاظمت معاناته الى حد اليأس، وذاقت أسرته الكبيرة صنوف الجوع والفقر والحاجة، ولجأ الى الهرب من دائنيه الى أقصى الخليج العربي، حيث إمارة دبي، التي كانت واقعة آنذاك - عام 1953 - تحت السيادة البريطانية، حيث عمل بالتدريس لأبناء البدو، وكانت الى القرب منه هناك موظفة هندوسية، سرعان ما غرق في حبها، فأنسته زوجته وأبناءه التسعة، ولم يتصور للحظة مدى معاناتهم وحاجتهم اليه، والى الجنيهات الاسترلينية الغير منتظمة التي كان يحولها لهم.

إلا أن الزوجة، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام سلبية الأب الغافل، فخرجت الى سوق العمل، وكافحت في استماتة، وذاقت من الذل ما لا يتحمله بشر، كي تنجو بأبنائها من براثن التشرد، وتنأى بهم عن مصير مظلم يتربص بهم، ودفعت بابنها الثاني - منير - للالتحاق بكلية الطيران.

وبرغم حجم الكراهية التي كان منير يكنها لوالده، كانت أمه تحاول دائماً تنقية صورة الأب الملوثة المهترئة، معللة أسباب اغترابه الطويل بعيداً عنهم، مكذبة ما يأتي به العائدون من عنده من أخبار علاقته بالهندوسية وإنفاق مدخراته عليها في بذخ، ومداومته على شرب الخمور.

يقول منير روفا في مذكراته الشخصية:

"كان أبي كالمحيط في تقلباته وثوراته المدمرة، فرسائله تجيئنا صاخبة، يسمم أبداننا في الاستهلال، ويلعننا في كل سطر، ويختم متوعداً بحرماننا من المال الذي لا يكفي معيشتنا لخمسة أيام، فكُنّا نبيت جرحى مع وصول رسائله، نلعق الدموع ونجرع الأسى.

كم كنت أشعر بآلام عقلي وكبدي، وأنا أرى أمي تتألم، وتعمل في مثابرة لإطعامنا، وأحلم باليوم الذي أستطيع فيه تخفيف معاناتها، لكن مشاكلنا وحاجاتنا كانت تزداد يوماً بعد يوم، وذلك القابع بين أحضان الهندوسية، لا يرسل لنا إلا اثنتي عشر جنيهاً كل شهرين. لذلك فقد حاصرتني أحلام اليقظة، أحلام مليئة بالثراء والشبع، اتخذتها مهرباً لي من سموم أبي ومنغصاته".

وفي كفاح مرير من أجل أن يحيا آمناً، تفوق منير تفوقاً ملموساً في الكلية الجوية، وتخرج منها طياراً ليخدم في سلاح الجو العراقي. ومن الراتب الضخم الذي تمنحه الدولة لطياريها، استطاع أن يساعد أخوته، ويدخر بعضه ليتزوج من حبيبته "مريم" ابنة الأسرة الثرية، التي تعلق قلبه بها.

كانت مريم فتاة خمرية مليحة، درست الأدب الإنجليزي بجامعة بغداد، وأثناء دراستها تعرفت بشقيقة منير - رفيدة - زميلة الدراسة، ومن خلالها ارتبطت عاطفياً بمنير روفا، وعلى استحياء، اتفاق على الزواج. وبعد عودته من الدورة التدريبية الأولى في موسكو عام 1957 تزوجا في حفل عرس جميل، وأقاما بإحدى شقق حي الديوانية، وأنجبا يوسف وناجي عامي 1959، 1961 على التوالي.

بيد أن منير روفا أوفد في بعثة طويلة الى الاتحاد السوفييتي، للحصول على دورة تدريبية لقيادة الطائرة ميج 21، الانقضاضية الشرسة، واعتقد روفا أنه سينتقل أخيراً من القاعدة الجوية بالقرب من كركوك، لكنه أبقى مكاننة على مسافة ثلاثمائة وخمسة عشر كيلو متراً من بغداد، برغم الطلبات العديدة التي تقدم بها لقيادته، لنقله الى قاعدة الرشيد الجوية القريبة من العاصمة. وظل بمكانه حتى بعد عودته من الدورة الأخيرة في تكساس.

لم تكن رغبة روفا في الانتقال الى بغداد، نابعة من حبه لبيته ولأولاده، بقدر ما كان مطلباً حيوياً له، حيث يستطيع ممارسة هوايته المفضلة في العاصمة المزدحمة، ألا وهي مطاردة الحسناوات الفاتنات، اللائي يبهرهن زيه العسكري كطيار، فيداعب أحلامهن بوسامته وشبابه، وينتقي من بينهن من تروق له، متخذاً من شقة صديقه اليهودي يوسف منشو، مسرحاً ومرتعاً لنزواته، ووكراً أكثر أمناً للقاءاته النسائيه.

وعندما حلل خبراء الموساد شخصية الطيار الشاب، اكتشفوا أن هوايته في مصاحبة النساء، كانت نوعاً من الهرب من معاناته النفسية، اتخذت منذ بدايتها - وكان وقتها طالباً بكلية الطيران - طابع التعدد والتباين، ويبدو أن مسلكه هذا يعود في الأساس الى نشأته بحي المستنصرية، حيث تكثر به الكوليات الى جانب حي الديوانية أيضاً، الذي أقام به عش الزوجية.

ومن خلال تحليل شخصيته وتشريحها بدقة، فالمسمى العلمي لهوايته هو إصابته بانحراف جنسي، يطلق عليه في علم الطب العقلي والنفسي PSYCHIATRY هوس الجنس.

لذلك . . ما إن تقابل مع ليزا برات في المطار، حتى أوشك على الانهيار أمام جبروت جمالها، الذي لم يصادفه من قبل في موسكو أو تكساس. ووقف حائراً يتأمل تلك المخلوقة الرائعة المثيرة، ممنياً نفسه باغتراف فورانها البركاني المدهش.

(1) العرق: نوع من الخمور المحلية يصنع من التمر المخمّر، وهو مشهور بالعراق.

(1) الكولية: بيت تمارس فيه الدعارة بأجر.

(2) هوس الجنس عند الذكور SATYRIASTIC - أو شره الجماع SATYRIASIS فهو ما نعرفه في دون جوان وكازانوفا وغيرهما، وسيكولوجيا هو نوع من الهرب من مشاكل أو متاعب حياتية، فتغيير شريك الحب شبيه بمواعيد المراهق الغرامية الكثيرة، والمريض بهذا المرض يجد لذة ممتعة في تنوع علاقاته وتعددها، لإثبات قيمته الإغرائية SEDUCTIVE والبرهنة على ذكورته.

رحلة الجنون

لم يكن يوسف منشو يعرف جملة إنجليزية واحدة، وكان على منير روفا مهمة ملازمته بمكتبه، للاتفاق مع المندوبة الإنجليزية الحسناء وتوقيع العقد. ووجدها روفا فرصة رائعة للتقرب اليها، خاصة وقد كانت تتعامل معه بدلال أنثوي محبب، أضفى الثقة الزائدة بشبابه وبوسامته. . ومواهبه.

لقد كان من الصعب، بل من المخاطرة، أن يصطحب طيار حربي عراقي، فتاة أجنبية في نزهة خلوية ببغداد. لذلك. . فقد حرص روفا على إفهامها حقيقة وظيفته، والسبب في عدم قدرته على الخروج معها. فأبدت تفهمها للأمر، وأهدته ساعة يد ثمينة وهي تشكره على اهتمامه بها، ومساعدتها في إنجاز عملها خلال زمن قياسي. ففي اليوم التالي لوصولها كان قد تم الاتفاق، المبدئي، ووقع على العقد بعد ثلاثة أيام، وعندما أراد يوسف الاحتفال بالمناسبة بأحد الفنادق الكبرى، كانت عميلة الموساد هي الأسبق في الرد. إذ رفضت أن يتم ذلك خارج المكتب، لكي لا يتعرض روفا لأية مشاكل.

وفي المساء . . أقيم بالمكتب حفل عشاء، وتأخر روفا بمنزله قليلاً بسبب مرض صغيره ناجي، ولما طرق باب المكتب، صاحت ليزا برات من الداخل وهي تهرول:

إنه روفا . . لا شيء هنا رائع بدونه.

كان روفا يقف بالباب مبهوتاً، وكأنه يراها لأول مرة، فقد ارتدت ثوباً عارياً ذو لون أزرق، فضح أنوثتها المتوثبة، ولفحه عطرها الناعم المثير الشذي.

جذبته الى الداخل بأصابع حانية رقيقة، وأرسلت لعينيه شعاعات عينيها الناعستين، فسرت ببدنه رجفة يعرف كنهها، ودون أن يشعر سحب يده من يديها، وضمها في لهفة مجنونة مشبعة بالرغبة، وانقض كالظامئ بشفتيه يحسو عبير رضابها، ويمتص وهج حريق شفتيها نهماً، ويداه تجوبان ذراعيها وكتفيها، تحرثان اللحم الدافق بالرغبة، الموشى بالأنوثة الفتاكة المجنونة.

في دهشة مصطنعة، استسلمت ليزا لأحضانه وقبلاته الملتهبة المتسارعة، وعندما أفاق قليلاً، حاول أن يعتذر بكلمات منتقاة، لكنها بدلال آسر اقتربت منه، وأذاقته الجحيم السرمدي في قبلة لهفى، فأججت لسعة جوعه وفجرت براكينه، وندت عنها آهة متحسرة وهي ترتجف ملتاعة وتردد:

مونير .. أنت . . أنا . . لا أعرف ماذا أقول.
لكنني أعرف أيتها الفاتنة الساحرة الدفيئة..
تعرف ماذا. .؟
كل خلاياي وحواسي تحبك..
مونير..
لم تهزني قبلك امرأة بمثل هذه السرعة. . ولم تهزمني مشاعري قبلما أراك أبداً.
أنت عاطفي أكثر من اللازم. .
أنا عابد أكثر من اللازم..
أنا عابد في محرابك. . لأنني من عبدة الجمال والحب. .
أنت تفتت إرادتي. .
وأنتِ أجمل نساء الكون . .أحبك..
أخشى ألا تكون صادقاً فيما تقول. .
لم أكن صادقاً إلا معك..
أتحبني كل هذا الحب. . ؟
أحببتك منذ رأيتك بالمطار. .وتمنيت أن تجيء اللحظة التي أكاشفك فيها بحبي. .
أحبك. . (!!)

"وهي تجهش بالبكاء وتحتضنه بقوة":
لكني سأغادر بغداد ظهر الغد..
سأطير ورائك الى أقصى بلاد الأرض. .
مونير . . أنت . . تكاد تكسر ضلوعي. .
ليز حبيبتي. . إبق معي أربعة أيام حتى تنتهي أجازتي.. سأجن إن رحلت غداً. .
أنا التي سأجن لو لم تجيئني بباريس.. أتشوق لأن نخرج معاً الى الشانزليزيه تطوق يداك خصري.
فقط. .؟
وأن أنام على صدرك وتتخلل أصابعك شعري.
أوه أيتها الفاتنة..
سأظل أحلم وأحلم حتى أراك بباريس. .
سأتقدم بطلب ليسمحوا لي بأجازة. .
وهل هناك صعوبة في ذلك . . ؟
الأمر يستغرق بعض الوقت لا أكثر ..
سأنتظرك. .

كان يوسف منشو قد غادر المكتب قبل مجيء روفا، لتهيئة المناخ المناسب للصياد والفريسة، فأثمر اللقاء المنفرد بينهما خطوة هامة، ولأول مرة يهجر منير روفا بيته في أحد أيام أجازاته، ليبيت بالمكتب مع ليزا برات، بدعوى أنه في مأمورية عمل.

في تلك الليلة العاطفية الساخنة، أظهرت عميلة الموساد براعة تفوق التخيل، في إظهار عواطفها تجاه الطيار العاشق، ونستطيع أن نقول أن منير استشعر يومها، بأنه تحول الى مخلوق آخر، يفكر بعقل عشيقته، ويرى بعينيها، ويمشي حسبما تسحبه أو تقوده.

فعلها عاميت هذه المرة بذكاء، عندما اختار فتاة الموساد الرقيقة الناعمة، ذات الوجه الطفولي البريء، الذي جمع الوداعة والأنوثة معاً، فامتزجا بالدلال والإثارة والذكاء الخارق. كل هذه الصفات نادراً ما تجتمع في امرأة واحدة، لكنها اجتمعت بدقة في الحية الإسرائيلية، التي أجادت استخدامها بحرفية خارقة، لإذابة مقاومة الطيار المهووس، دون أن تمنحه سوى قطرات ضئيلة من قطف القبل، لتتركه يلهث محموماً ثائر الرغبة، على وعد بإغراقه في محيطها، وإذاقته لذائذ جسدها اللاسع، بهضابه، وسهوله، وأغواره، وهذا لن يكون أبداً، ولن يتحقق إلا خارج العراق.. بباريس.

وظهر اليوم التالي، عندما غادرت عميلة الموساد مطار بغداد، أجزمت بأن روفا لن يهنأ له بال، حتى يلحق بها. فمذاقات النشوة التي أذاقته بعض قطراتها، كفيلة بأن تغيّب عقله وتشتته، وتقذف به الى عوالم أكثر متعة، لم يألفها طوال حياته، ولا وجود لها سوى بين أحضان ابنة الموساد المدربة.

وما إن عاد منير روفا الى عمله، حتى تقدم بطلب صحي لعرضه على الأطباء، بدعوى أن الصداع النصفي يفتك برأسه، ويكاد يصرخ منه ألماً. . وفشل الفحص الطبي في علاج الصداع المزعوم أو تحديد أسبابه، مما عجل بالموافقة على التصريح لروفا، حسب رغبته، بالسفر الى باريس في أجازة لمدة أسبوعين للراحة والعلاج.

وفي 19 أبريل 1966 طار منير روفا الى باريس، في رحلة مثيرة كانت بدايلة لرحلة أخرى أكثر إثارة .. وجنوناً. . !!

العملية رقم سبعة ـ الفصل الثامن

لم يكن عاميت قد صادف شيئاً كهذا من قبل . .

فمشاعره بلا شك انصبت في اتجاهات أخرى . .

غير تلك التي حيرت رجاله . .

وبهذا فقد ضمّت الحجرة أحاسيس متباينة . .

تولدت أمام المشهد العجيب . . !!

الحنان الزائف

لم يصدق مائير عاميت ذلك الخبر الصادر عن بغداد، عن حجز منير روفا تذكرة سفر الى باريس على الخطوط الجوية العراقية. قال في دهشة:

هؤلاء الأغبياء يفركون أعصابي . . سحقاً لهم.

ولما خُبِّر بميعاد مغادرته، ورقم الرحلة، توسم خيراً ونطق وجهه بالبهجة، وعقد اجتماعاً طارئاً ضم كبار رجال الموساد، لتداول الخطة التي وضعها ثلاثة من الخبراء، لمكاشفة روفا ومحاصرته، وإغراؤه بالهرب الى إسرائيل بطائرته الميج 21.

قال مساعد عاميت ياكوف كاروز:
سيدي . . نحن بحاجة الى خبراء في الطيران والممرات الجوية للتعامل مع روفا.

أجاب عاميت:
بالفعل نحن بحاجة اليهم . .لكن ليس قبل إتمام الاتفاق مع الطيار العراقي.

كاروز:
وماذا لو أن روفا طلب مبلغاً كبيراً ليس بخطتنا. .؟

عاميت:
علينا أن نتمسك بشدة بمبلغ المليون دولار فقط، ولا مانع إذا زيد الى النصف، أو الضعف، فصديقنا هولمز سيكون الى جانبنا على أية حال.

أحد الخبراء:
كحل افتراضي .. ماذا سنفعل إزاء رفض الطيار العراقي الاتفاق معنا. . ؟

عاميت:
برغم ثقتي في نجاح العملية 007 هذه المرة. .فإن الطيران الى السحاب في صمت (1) متعة مريحة..

غادرت عميلة الموساد - ليزا برات - تل أبيب الى باريس، بانتظار العاشق الذائب، يحدوها الأمل في السيطرة عليه، وتطويعه للقيام بتنفيذ عملية الهرب الى إسرائيل، بدون إثارة أية مشكلات في فرنسا.

لم تكن ليزا وحدها في تلك الرحلة المثيرة، فقد صحبها ستة ضباط من الموساد، بينهم أحد خبراء الاستخبارات الجوية الإسرائيلية.

وعند تقاطع شارعي جيرمان وميشيل، في منتصف المسافة ما بين حديقة لوكسمبورج ونهر السين، يقع فندق ديكلوني الشهير، المواجه لجامعة السوربون، حيث أعد جناح بالطابق السابع لاستقبال الضيف العزيز، تم زرعه بكافة أجهزة التنصت والتصوير، وجُهِّزت الغرفة الملاصقة لتكون مركزاً للمراقبة والتسجيل، بإشراف فريق من ثلاثة فنيي، بينما نزل ضباط الموساد بعدة بيوت آمنة، لا تبعد كثيراً عن الفندق.

كان اللقاء بالمطار حاراً مدهشاً، إذ تناثرت صرخات ليزا الصاخبة عندما فوجئت بروفا أمامها. هو أيضاً كان يحتضنها في شوق مجنون، وكان الأكثر لهفة للقاء الذي تحايل لأجله، يغشاه حنين ممتزج بالعشق لفتاته الحسناء المثيرة، وروعة المغامرة معها في باريس، بعيداً عن أعين المخابرات العراقية، وضجيج العمل التريب في القاعدة الجوية.

أخذته ليز - كما كان يناديها - الى الفندق، ومكث معها عدة أيام يلعق فورة حمم الرغبات، ويصل معها الى آفاق اللذاذات منتشياً.

ولأنها العميلة الماهرة المختارة بعناية، استدرجته للديث عن حياته، ونشأته، وأسرته، وعمله، وقادته، وحكومته، فأفاض في سرد تفاصيل قصته منذ الصغر، والفقر الذي لازم أهله طويلاً، وكيف عاد أبوه من دبي مريضاً لا يقو على العمل، حتى إذا ما تطرق الى أمه بكى منير روفا بحرقة، وهو يصف معاناتها في تربيتهم وتعليمهم، فبكت ليزا لأجله، وأحاطته بحنان زائف خادع. وسألته عن الحكومة العراقية، وكيف لا توفر حياة كريمة للمواطنين، فانطلق الطيار المُعَنّى في سُباب لاذع لحكومته، ولعن حظه التعس لكونه عراقياً.

انتهزت عميلة الموساد الفرصة، وعرضت عليه أن يظل الى جانبها، فهي لا تطيق فراقه مرة ثانية، مع وعد بتوفير عمل مجز له، وحياة معيشية واجتماعية أفضل له ولأسرته.

أبدى منير روفا استحسانه لرأيها، وبعد تفكير عاد فسألها عن ظروف العمل الحر في فرنسا، والدخل الشهري التقريبي الذي يكفل له حياة كريمة.

دهشت الفتاة، وسألته عما إذا كان يفكر بالهرب من العراق، إذا ما أتيحت له فرصة مناسبة. . ؟

أجابها بنعم، وأردف بأنه يفكر جدياً في تحسين وضع أسرته المعيشي، لكن الظروف دائماً ضده، وفي حالة تواجه فرصة مغرية له بالخارج، فلن يتوانى لحظة في استغلالها ومغادرة العراق بأهله الى الأبد.

عند ذلك سألته:
لماذا لا تفكر إذن بالعيش في إسرائيل. . ؟

فوجئ روفا، وأجاب في دهشة:
إسرائيل. . ؟(!!)

قالت في نبرة يشوبها الهدوء:
لقد سمعت أنهم في إسرائيل يعرضون مليون دولار، على أي طيار عربي يلجأ اليهم. .

وكأنه بهت:
مليون دولار. . ؟ يالها من ثروة . . أهذا خبر أكيد. .؟

أردفت:
أكيد جداً. . فلي أصدقاء إسرائيليون هنا في باريس، تطرقوا الى الحديث أمامي منذ أيام عن هذا الأمر.

قال وكأنه لا يصدق:
وهل ستكونين معي في إسرائيل إن وافقت. .؟

ارتمت بين أحضانه تقبله بحرارة وهي تهمس:
سأكون معك في إسرائيل وفي أي مكان تحب .. هل تريد مني استدعاء أحدهم ليتكلم معك. . ؟!

ضمها بقوة وتاه في قبلة طويلة منحتها له، وكانت أحمى من قرص الشمس. .ثم نظرت بحنان الى عينيه وهي تقول:
مونير تعلم إنني يتيمة الأبوين، وأختي الوحيدة تعيش بعيداً في أستراليا، وليس لي الآن إلاك، فأنت الحبيب والأهل. . وأريد أن أكون معك. . في أي مكان. . ولو كان في إسرائيل .

ضغط فكيه في تحد وقطب حاجبيه وهو يقول:
لكن . . لماذا يدفعون في إسرائيل مليون دولار من أجل طيار عربي.. ؟

قالت متغابية:
أنا لا أعرف بالضبط. . وإن كنت أعتقد بأنهم يبحثون عن طيارين أكفاء . . هل تفكر بالأمر يا حبيبي. . ؟

(1) ريتشارد هولمز: المدير الجديد للمخابرات المركزية الأمريكية C.I.A.

(1) إشارة تعني أنه من الضرورة تصفيته في صمت. .أي قتله.

لسعة الخوف

كاد أن يصرخ فرحاً، أن يخترق الجدار الفاصل بينهما ليعانق ليز، ويسجد ضارعاً متوسلاً أمام روفا، هاتفاً:

"هلم . .هلم أيها الطيار البائس الى إسرائيل، ولك مليونان دولار لا مليون. .قل فقط . . نعم. . أوافق . . (!!)"

إنه مائير عاميت، رئيس الموساد بشحمه ولحمه، نهشه غول الخوف من الفشل فطار الى باريس، ليسمع بنفسه ما يقوله منير روفا، وما تصنعه به العميلة البارعة الذكية، ابنة الموساد المخلصة.

كان بالحجرة المجاورة معروقاً يرتجف، واضعاً السماعات على أذنيه، ويشاهد روفا وعميلته بدون ملابسهما الداخلية، يتعاطيان الحنان، بعد جرعة الجنس العنيفة التي أسكرت الصيد الثمين.

لحظتها. . طلب من فريق الفنيين تغطية الشاشة، وتثبيت زووم الكاميرات، قائلاً:

"إن فتاتنا تؤدي عملاً مقدساً واجب علينا احترامه، والنظر اليها بكل تقدير ممكن. فهي تهب الوطن - إسرائيل - الأمن، وتبذل جسدها رخيصاً في سبيله. هكذا تفعل فتياتنا بلا خجل لكي نحيا، وتبقى أرض الميعاد زاخرة بالرخاء".

لقد تحول رئيس الموساد أمام مشهد "التضحية"، الى رجل دين ينثر وصاياه ويلقي مواعظه، وطاف الغرفة يستطلع وجوه رجاله، وقد تسمروا كالأصنام أمام تحوله الفجائي الى حاخام، فقد كانت تلك هي المرة الأولى، التي يشاهد فيها عاميت مصيدة العسل، وهي تطبق أذرعها الناعمة "الفولاذية"، فتعتصر الفريسة بلا رحمة، أو شفقة، وتمتص فيها قوتها ومقاومتها، حتى تحيلها في النهاية الى قطعة عجين، يستطيع طفل وليد أن يُشكلها، ويصنع بها ما يشاء.

كان روفا بين أحضان ليز لا حول له ولا قوة، إذ أجهزت عليه تماماً وأسبغت حوله جواً صافياً من المتعة، وهيأت له بخبرتها - دون أن يدرك - فكرة الهرب من العراق. فكان تارة ينصت اليها راضياً، وسرعان ما يتراجع تارة أخرى. هكذا دواليك لخمسة أيام متعاقبة، لم يغب منها عاميت يوماً واحداً، فكان ينتشي مع رضاء روفا وموافقته، ويكبو عقله متحسراً عند تراجعه.

وأعطيت الأوامر لابنة الموساد، أن تنتهز أول فرصة لمواجهته، والضغط عليه بقوة في اللحظة المناسبة. فالطيار العراقي تعلق بها تعلق الطفل بأمه، ولم يعد بإمكانه الإفلات من قبضتها المطبقة.

وعندما كان عارياً يمارس هوسه الجنسي في شراهة الجائع سألته:
ألم تفكر بعد في مستقبلنا معاً. . ؟ ألا تريد المليون دولار. . ؟

هتف الغارق الثمل:
لن أدعك تبتعدين عني بعد اليوم. .

وهي تدفن وجهها بصدره:
أتعدني .. ؟ حتى وإن كنت بإسرائيل. . ؟

ضمها في لهفة وهو يقول:
سأهرب إليكِ وإن كنتُ بإسرائيل..

كانت ما زالت بحضنه:
أخاف أن تنسى ليز وأنت تملك المليون دولار..

في نبرة مشحونة بالصدق:
سأثبت لك أنني أحبك .. ولو كانت أموال العالم ملكي.

وهي تقصد استثارته:
إذن هل أدعوهم الآن لمقابلتك. . ؟ أم أنك ما زلت تشعر بالخوف. .؟

أجاب دون تردد:
أنا أخاف. . ؟ ممن . .؟

غمزت بعينها في رقة وهي تقول:
من مواجهتهم.

في غيظ:
من . . ؟

وهي تنظر في عينيه في جدية وقد فلفت صوتها بالحنان:
أصدقائي الإسرائيليين. . الذين سيؤكدون لك ما قلت.

اعتصرها بشدة وهو يقول:
سأحبك وإن كنت إسرائيلية. . وسأحب أصدقائك أيضاً.

هتفت:
أوه . . مونير. .إنهم يطرقون الباب . . لقد جاءوا.

كان عاميت يستمع الى الحوار الدائر بينهما، وأعطى إشارته بالدخول عليهما. فتأخرت ليز قليلاً ريثما يرتديان ملابسهما، وفتحت الباب.

بدا منير يرتجف فرقاً عندما أطل رجلان، أنس قليلاً الى ابتسامتيهما، وقام مصافحاً، فحياه كل منهما بالعربية السليمة.

[ معذرة ... يمكن للأعضاء فقط أن يشاهدوا الروابط ] أنا أبو داود . . رجل أعمال ومولود في بغداد.
[ معذرة ... يمكن للأعضاء فقط أن يشاهدوا الروابط ] وأنا أبو موسى . . صديق أبو داود. . وولدت في تل أبيب.

تلعثم روفا ولم يدر بما يتكلم، فبادرت ليز:
وهذا النقيب طيار منير روفا من بغداد.

في دهشة تكلم منير سائلاً أبو داود:
قلت أنك من بغداد. .؟

ملأت وجهه ابتسامة عريضة وأجاب:
نعم. . أنا عراقي ولدت في بيت جدي بجوار مسجد الكاظمية، عند دكانة جابو.

بدهشة صاح منير:
دكانة جابو . . !! أنا أعرفها فمازالت قائمة خلف المسجد.

وكأنهم أصدقاء قدامى يتذكرون ما فاتهم، قال أبو داود:
ألا تعرف شارع نعوم في المستنصرية.. ؟

صاح منير متعجباً؟:
أوتعرفه .. ؟ إنني من سكانه.. أهلي ما زالوا هناك. . قال الضيف وهو يبتسم بشوشاً:
كانت عمتي روزينا الحائكة تقيم به حتى ماتت.

ارتفع حاجباه دهشة وهو يقول:
يا إلهي . . العمة روزينا. .؟ لقد تربيت في حجرها وكنت أزورها لتعطيني الحلوى.. إن والدتي بكت خلف جنازتها، أما أنا فقد كنت مازلت طفلاً.

كان عاميت خلف الجدار يصفق بيديه منشرحاً، وينصت باهتمام عبر السماعات الى حديث روفا وأبو داود. لقد امتص أبو داود لسعة الخوف الأولى التي انتابت الطيار المذعور، واستطاع بهدوئه الذكي المعهود أن يكسبه الى صفه، وأن يعيد اليه توازنه النفسي المهتز، خلال لحظات قليلة من اللقاء.

كان أبو داود دبلوماسياً في الحوار، تغلف صوته نبرة محببة تأسر قلوب مستمعيه. أما أبو موسى فقد أصيب بالدهشة وسكت عن الكلام، حيث لم يترك له زميله الفرصة ليستعرض مواهبه، خاصة والحوار يدور حول ذكريات وأماكن لا يعرفها في بغداد.

وبعد مرور ساعتين تقريباً، كان طقس اللقاء المثير مريحاً حقاً، وأضفى تواجد ليزا بينهم أُلفة أحاطت روفا بالطمأنينة، وأخرجته بسهولة من دائرة الارتباك، حتى أن ضحكاته الرنانة العالية، كانت خير مؤشر لسكينته.

عندما بكى عاميت

وفي غرفة المراقبة، كان ضباط الموساد والفنيين في دهشة حقيقية أمام الموقف المؤثر، فإنها المرة الأولى، طوال عملهم في نصب مصائد العسل، التي لا يصاب فيها "الصيد" بصدمة المفاجأة، الصاعقة، بل إنها المرة الأولى أيضاً التي يطرقون فيها الباب، ويدلفون بهدوء كأصدقاء.

لم يكن عاميت قد صادف شيئاً كهذا من قبل، فمشاعره بلا شك أنصبت في اتجاهات أخرى، غير تلك التي حيرت رجاله، وبهذا فقد ضمت الحجرة أحاسيس متبانية، تولدت أمام مشهد عجيب.

تطرق أبو داود في حذر ذكي لمسألة الهرب الى إسرائيل، مقابل مليون دولار تدفع فوراً في تل أبيب، وكان حريصاً على ألا يذكر الميج 21 مطلقاً، لتهيئة روفا نفسياً أولاً، نائياً به عن إحداث صدمة ترتد بمشاعره، وتتطلب ترميماً يستغرق وقتاً لرأبه.

قال أبو داود:
إن إسرائيل هي أرض الكتاب المقدس، والوطن التاريخي للشعب اليهودي، الذي تعرض على مر العصور لهجوم تلو الآخر من جانب أعدائه، فتشتت شمله بهدف القضاء عليه جسدياً وروحياً، وأجبر اليهود على ترك أرض إسرائيل أكثر من مرة عبر التاريخ.

ففي عام 720 قبل الميلاد طرد الآشوريون اليهود من أرضهم، وطردهم البابليون من بعدهم عام 586، ثم طردهم الرومان عام 70 ميلادية، وتعرضوا لأعمال الاضطهاد والطرد في أماكن وعصور أخرى، كان أبرزها في انجلترا عام 1290، وفي أسبانيا 1492، وفي روسيا عام 1881، وجاء هتلر وأقام لهم المحارق التي التهمت الملايين منهم. والآن يتربص العرب بنا في وطننا التاريخي، ويحاربون عودة اليهود المشتتين الى أرض إسرائيل، ويتوعدوننا بمحارق أخرى تلتهم بقيتنا لكي لا تقوم لنا قائمة.

إننا لم نعود الى أرضنا لكي نحارب العرب، لأننا بطبعنا أناس مسالمون نسعى للعيش في أمان، ونمد أيدينا لجيراننا بالسلام لكنهم يخططون لإبادتنا، ويعملون في الخفاء على تقوية جيوشهم وتسليحها بأحدث الأسلحة السوفييتية، ولا نملك إزاء ذلك إلا التحرز لاتقاء ضرباتهم، وحماية أطفالنا الأبرياء من مستقبل مظلم نتوقعه لهم، طالما هناك نوايا سيئة تجاهنا من أبناء عمومتنا العرب.

أيها الأخ العزيز العربي الشهم، إن بلدكم الطيب - العراق - كان دائماً ومازال رمز المحبة الخالصة، ففيه عاش عشرات الألوف من اليهود العراقيين، جنباً الى جنب مع المسيحيون والمسلمون، وهاجر العديد منهم الى إسرائيل وبقلوبهم نبض الحب باق للعراق.

هؤلاء اليهود الطيبين الذين جاوروكم في أنحاء العراق، وأحبوكم، وأنت تعرف بعضهم، إنهم يطلبون منك الحماية، ويرفعون أياديهم ضارعون اليك لتساعدهم، فهم بمسيس الحاجة الى رحمتك وعطفك وشهامتك.

كان أبو داود الممثل البارع قد امتقع وجهه وارتجف بدنه، وبكى، فأبكى عاميت تأثراً في حجرة المراقبة، وأدمعت عيون رجاله المستترون معه.

ليزا أيضاً كانت تلاصق روفا، وتضغط بحنان وتأثر على كفه، ينساب على خديها خطان من الدموع الى ذقنها. وشهقاتها الملتاعة رسمت خطوطها بوجهها، فبدت عاطفية تفيض شفافية مزيفة، وهي تنهش بنظراتها الحانية الراجية عيني روفا، وتقول له في توسل:

"إفعل شيئاً لأجلي".

لقد كانت اللغة العربية هي لغة الحوار بينهم، ما عدا ليزا، التي أمرها عاميت بعدم التفوه بها، وكانت تخاطب روفا بالإنجليزية لتأكيد دورها وهويتها. لكنها تأثرت جداً بخطبة أبو داود بالعربية، وأوشك أن تنكشف إذا ما أفاق روفا، وحلّل تفاصيل اللقاء بدقة.

وأمام المشهد الابتهالي الصعب، الذي أبدعه أبو داود ببراعة، خيم الوجوم على عقل الشاب المحاصر، وتساءل في حيرة عما يملكه ليقدمه لهؤلاء. .؟

وقرأ رجل المخابرات أفكاره، فقالها بوضوح هذه المرة:
سيدي النقيب روفا. . إن رغبتك الشجاعة في العيش بإسرائيل مع هذه الفتاة الحسناء، شرف لإسرائيل ولكل الشعب اليهودي. وإنه لفخر لنا أن تقيم بيننا وأن تمنح حقوق المواطنة كاملة، فضلاً عن المزايا الأسطورية التي ستسبغ عليك . . و

قاطعه روفا مجاملاً بأدب:
إن إسرائيل لدولة رائعة.

أكمل أبو داود:
سنمنحك سيدي النقيب مليون دولار أمريكي، وسنهيئ لإقامتك فيلا ساحرة، ومنصباً عسكرياً يليق بك كطيار كفء، مقابل أن تزودنا بها.

سأل الطيار المحاصر متعجباً:
أزودكم بماذا. . ؟ أنا لا أفهم ماذا تقصد.

أجاب أبو داود بينما كانت ليزا تعتصر كف منير روفا وتقبله:
الميج 21.

صاح الطيار كأن حية لدغته:
الطائرة الميج. . ؟

ضاعفت ليزا ضغطاتها وقبلاتها بحنان ورجاء، وأردف ضابط الموساد:
نحن نريدها سليمة في إسرائيل ليتعرف طيارونا عليها عن قرب.

وأضاف وقد وشم صوته بطمأنينة زائدة:
إن العرب منذ زودهم السوفييت بها يرهبوننا، ويدعون بأنها تفوق طائراتنا الحربية قدرة ومهارة، إنها تحلق يا أخي بأمان في أجوائنا، وتخترق في دعة حاجز الصوت فوق مدننا، وكأنها تطلق لسانها ساخرة من طائراتنا وأجهزة دفاعاتنا الجوية. لذلك نريدها سيدي النقيب لنتكشف خباياها، وأعتقد حينئذ، أن إقامة تمثال لك بكل شبر في إسرائيل تكريم ضئيل سيدي النقيب، لأن شعبنا سينظر اليك كبطل أسطوري خارق. . !!