الإله كوثر

{* إنّا أعطيناك الكوثر * فصلِّ لربك و انحر * إن شانئك هو الأبتر *} من هو الإله كَوثر و من هو غريمه المهزوم الخاسر المنكسر؟ قراءة جديدة لنصوص رأس شمرا / مملكة أوغاريت الكنعانية-الفينيقية!

** د. سام مايكلز Dr. Sam Michaels

يورد الراوي القرآني آية شهيرة نقرأ فيها كلام "الله" مخاطباً رسوله قائلاً له: {* إنّا أعطيناك الكوثر * فصلِّ لربك و انحر * إن شانئك هو الأبتر *}. و قد عجز المفسرون عن فهم معنى كلمة (كوثر) الواردة في هذا النص القرآني ففسرها أكثرهم أن هذه الكلمة هي إسم لنهر في الجنة! لأن الكلمة (كوثر) لم تكن معروفة لديهم و هي ليست عربية الأصل مع أنها صارت إسماً أنثوياً معروفاً و شائعاً

من أين أتت خُرافة "نهر" الكَوثر في كتاب القُرآن؟! هي نفسها قصّة المار جرجوس و صرعه للتنين .. هو الإله حوروس و صرعه للحية أو الأفعوان أبيب / أبو فيس .. هو البعل و صرعه لإله البحر يم - نهر .. هو الإله مردوخ و صرعه لتعامة (تيامات) إلهة المياه البدئية!!!

تخبط بعض المفسرين عند محاولاتهم تفسير الكلمات الغامضة الواردة في السورة بكلمات سريانية و عبرية، دعوني أورد لكم بعض الأمثلة:

* صفحة يقظة فكر: بحسب الباحث الألماني كريستوف لوكسنبرغ (جيرد بوين) هناك قراءة خاطئة لسورة الكوثر بدايةً من كلمة الكوثر بحد ذاتها: بالنسبة لآية {* إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. سورة الكوثر *} (الكوثر1) التي احتار المفسرون في إيجاد معنى لهذه الكلمة و لحل المشكلة قالوا بأن الكوثر هو نهر في الجنة. كلمة الكوثر أصلها بالسريانية (كوثرا ܟܘܬܪܐ) و معناها المثابرة أو الصمود، أي طول الأناة. القراءة العربية مُبهمة ل إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ لكن القراءة السريانية هي: إنا أعطيناك المثابرة أي (الصمود / طول الأناة و الصبر). و بالنسبة للآية {* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ *} (سورة الكوثر 2) إنحر هو اللفظ الخاطيء للكلمة السريانية (إنجر) المشتقة من فعل (نجر ܢܓܪ) و التي تأتي بمعنى صبر أو ثابر. هذه القراءة منطقية جداً لأن القرآن في مواضع أخرى يربط بين الصلاة و الصبر: {* وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ*} (سورة طه 123) و أيضاً: {* رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا *} (سورة مريم 65) و القراءة السريانية لهذا النص هي: فصلي لربك و اصبر. أما بخصوص آية {* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ *} (سورة الكوثر 3)، فكلمة "شانئك" أصلها بالسريانية هي ܣܢܐܟ و تنطق بالسين و ليس بالشين أي "سانئك" و معناها (مُبغضك أو كارهك). و "الأبتر" هي القراءة الخاطئة للكلمة السريانية "الأتبر" المشتقة من جذر تبر ܬܒܪ أي هلك أو انكسر، و هي مذكورة في موضع آخر في القران: {* ربِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا *} (سورة نوح 28) و معناها بالسريانية هي: إن كارهك هو الهالك أي (المنكسر / المنسحق)

* محمد وجيه المسدي: وردت كلمة الكوثر و الأبتر في سورة الكوثر و كلمة الكوثر مستقاة من كلمة (كوثرا) بالسريانية و تعني (الصبر و العزيمة) و السورة هي: إنا أعطيناك (الكوثر) أي (العزيمة)، فصلِّ لربك (و أنجز) أي داوم على الصلاة و الإنجاز لكن تم تنقيطها بشكل خاطئء فكتبت (إنحر) بدلاً من (أنجز)، إن شانئك أي (مُبغضك) هو (الأبتر) أي (المهزوم / المكسور)! هذه الآية مقتبسة من كتاب منحول إسمه [إسراء بولس] حيث ورد فيه أنه توجد بحيرة تسمى ب(الكوثر) في باب الجنة

* سرمد رشاد: لا أوافق هذا التفسير. المشكلة التي وقع بها المفسرون العرب هي إصرارهم على عربية القرآن!!! و معهد (إنارة) قام شاكراً بكشف سريانية القران، لكنه وقع بنفس المشكلة التي وقع بها العرب فأخذ يفسر كل شيء على أنه سرياني!! محبي الأساطير البابلية القديمة ربطوا كل تفاسيرهم بأساطيرهم الرافدينية و محبي الأساطير السورية ربطوا كل تفاسيرهم بأساطيرهم الكنعانية الفينيقية!! .. بعد اكتشاف مخطوطات قمران و التنوع في مصادر خطوطها و لغاتها من السريانية و العبرية و اليونانية تيقنت بأن القرآن جمع أو ترجم عن إحدى تلك الكتابات، لأنه يحتوي على كلمات سريانية و عبرية و يونانية و حبشية و فارسية. فكلمة (الكوثر) برأيي هي (كوشر) بالعبرية و تعني إنا أعطيناك الحلال، لأن النحر يجب أن يكون حلال (كوشر) و بذكر إسم الرب (فصلي لربك و انحر) و هي طقوس الذبح على الطريقة اليهودية، فالإله يهوه بارك بالكوشر (الأكل الحلال. و الرزق الحلال و كل شيء قال عنه حلال). أما كلمة (شائِنَك) فتعني (كارهك) فيصبح المعنى العام هو من يكره الحلال سينقطع رزقه أو حلاله!! كاتب هذه السورة هو حاخام يهودي نصراني، فاليهود أخذوا الكثير من الأساطير القديمة، لكنهم أضافوا الكثير من التشريعات بما يتلائم مع وضعهم و حياتهم اليومية لذلك لا نستطيع أن نربط كل شيء بالأساطير القديمة!!

** د. سام مايكلز Dr. Sam Michaels: أصل هذه السورة نجدها في نصوص رأس شمرا / مملكة أوغاريت الكنعانية الفينيقية!:

في عام 1,929 م، تم اكتشاف نصوص مهمة في رأس شمرا (مملكة أوغاريت) في سوريا التي روت قصص الآلهة الكنعانية، و قد ساعدتنا هذه النصوص الأوغاريتية إلى جانب المصادر القديمة الأخرى على إعادة بناء مُعتقدات الكنعانيين القدماء و توسيع فهمنا للكتاب المقدس و القرآن. فهذه الكتب ما هي إلا عبارة عن نسخ مصورة و نسخ ممتدة من قصة "ملحمة بعل إله الرعد" و غيرها من "أساطير الأولين"!!!

ما هو في الحقيقة أصل كلمة "كوثَر" و مفهوم "نهر الكوثر" في الجنة؟!

نجد الأصل في الأساطير الكنعانية الفينيقية! فعندما تم اكتشاف مدونات مملكة أوغاريت الكنعانية السورية التي تعود لعام 1,440 ق. م. تم العثور على نصوصها المدونة بالأبجدية المسمارية، التي كان من ضمنها قصيدة سورية قديمة هي (ملحمة البعل و زوجته عناة) ورد فيها أصل كلمة (كوثر) في الأصل الكنعاني السوري بشكل (ك - ث - ر)

في نصوص أوغاريت عادةً ما يتم اعتبار الإله بعل Baal (هدد / حدد Hadad) كإبن للإله (داغان / داجون / دجن Dagan / Dagon / إله عيد البربارة)، على الرغم من أن الإله داغان / داغون Dagon / Dagan التوراتي لا يظهر كلاعب في النصوص الأسطورية. و حمل البعل أيضاً عدة ألقاب منها "راكب السحاب أو الغيوم" و "العظيم القادر أو العظيم القدرة" و "رب أو سيد الأرض"، فهو إله الرعد و العواصف الرعدية، الإله الأكثر قوة و عدوانية من بين الآلهة المقابل للإله أنليل إله الهواء و العواصف المنتقم الجبار في الأساطير الرافدينية، الذي يعتمد عليه المزارعون بشكل مُباشر. يقيم الإله بعل على قمة جبل صافون Mt. Zaphon، إلى الشمال من أوغاريت، و عادة ما يصور و هو يحمل بيده سهم الرعد الذي هو رمز الصاعقة. البعل هو بطل الرواية لمجموعة من الأساطير في أوغاريت التي تحكي عن تحدي يأتي من الإله يم إله البحر "Yamm of the Sea" و الذي يستجيب له الإله بعل. مسلح بالأسلحة السحرية التي صنعها له إله الحرف و المهرة / الفنون أو الصناعات الماهرة، الإله (كوثَر / كوثار Kothar) ، يتمكّن الإله بعل من التّغلب على الإله يم (إله البحر) و يصرعه. لكن هناك مشكلة رئيسية أخرى تتمثل بعدم وجود منزل للإله بعل. بمساعدة الإلهة عشيرة Asherah و الإلهة عناة Anath، يتمكن بعل من الحصول على موافقة أبيه الإله ئل / إل / إيل El (هذا الإله في المجتمع الكنعاني الفينيقي سيصبح أبو الإله العبري أو العبراني يهوه و الإله الأب أو الآب رب مملكة السماء في قانون الإيمان المسيحي و أخيراً الإله الأوحد الله الإسلامي الحالي) لبناء منزل. ينجز الإله كوثَر / كوثار بناء قصر لبعل فيحتفل بعل بدعوة باقي الآلهة إلى وليمة كبيرة. و هناك مسألة أخرى تتعلق بها القصة الرئيسية هي علاقة الإله بعل مع إله الموت (موت Mot)، الذي يتحداه بعل في البداية لكنه يستسلم له في النهاية. تفشل محاولة العثور على إله بديل قادر على القيام بأعمال و وظائف أو أدوار بعل، فتتخلص الإلهة أناة من الإله موت، لكن الإله إيل يرى في حلمه أن بعل يعود مرة أخرى إلى قيد الحياة. و هنا يظهر الإله موت في القصة مرةً أخرى، و هو و الإله بعل يتقاتلا إلى أن تقوم إلهة الشمس بتحذير الإله موت من العواقب فيرسم تعريف نهائي لمناطق نفوذ كلٍ منهما!

بعد أن يقوم الإله موت بابتلاع الإله بعل، شقيقته الإلهة أناة / أناث (إناث في العربية جمع فتيات) التي تسمى "البكر / العذراء"، تتوق إليه كأم، فتجد الإله القتيل بعل و تقوم بدفنه (مريم العذراء و ابنها يسوع في المعتقدات المسيحية). ثم تقوم بهزيمة الإله موت و تطحن جسده كما لو كان حبة قمح و تنثره في الأرض و البحر (صورة تصويرية مماثلة للأسطورة المصرية حيث يقوم الإله سيت بتقطيع جسد الإله أوزوريس و نثره في أرجاء الأرض). في مكان آخر من النص الأوغاريتي تتم الإشارة إلى انتصارات الإلهة أناة على مختلف أعدائها الوحوش في معركة واحدة، و يتم تصويرها في مشاهد مذابح دموية!

تلعب الإلهة أناة / عناة دور "الشريرة" في قصة (أقهات Aqhat) و هي قصة ملحمية أيضاً من أوغاريت. في هذه القصة، تمنح الآلهة (دانِل / دانيل / من هنا أتى إسم النبي دانيال) العقيم / العديم الأولاد، إبناً هو أقاهات فيقوم دانِل / دانيل / دانيال بمنحه قوساً صنعه له إله الحرف المهرة و الفنون اليدوية الإله كوثار / كوثَر. تقدم أناة / عناة لأقهات عدة إغراءات تضمنت تقديم ثروات و قص عليه أكاذيب / وعود كاذبة بمنحه الحياة الأبدية (الخلود) في مقابل حصولها على القوس، لكن أقهات يرفض عروضها. بعد فشل محاولاتها مع الإله إيل ليساعدها بالحصول على القوس من أقهات، تضع عناة خطة لقتل أقهات بمساعدة عشيقها يوتبان Yutpan. ينفذ دانِل / دانيل / دانيال طقوس مختلفة لمحاولة إزالة الآثام الملمة بالأرض إلى أن يتم إبلاغه بقتل إبنه أقهات. فيبحث عن رفاته و يدفنه، و يلعن البلدات الأقرب إلى مكان الجريمة، و ينعي إبنه لمدة سبع 7 سنوات (الرقم سبعة المقدس في الأديان)، و بعد ذلك يعطي مباركته لابنته و يكلفها بالإنتقام لمقتل أخيها أقهات فتنطلق و تصل إلى معسكر يوتبان، حيث يبدأ الإثنان الشرب" ... هنا ينتهي النص المحفوظ من القصة (تكسير و ضياع في الرقم). ملاحظة: غالباً ما ترتبط أناة / عنات بعشتار أو عشتروت Athtart، التي ترد فيما بعد بالعبرية أستير / أشتوريث Hebrew Ashtoreth رمز أو شعار قهوة ستار / إستار بوكس / إستير، و باليونانية أستارتي Greek Astarte، و تشتهر كلاهما بجمالهما الأخّاذ و ترتبطان إرتباطاً وثيقاً بالإله بعل!

و أيضاً تلعب مجموعة أخرى من الآلهة أدواراً ثانوية مهمة في هذه الأساطير، فإلهة الشمس شَبَش أو شباش Shapash ، "نور الآلهة" تساعد أناة / عناة في استرجاعها للبعل القتيل إلى الحياة و تتدخل في الصراع النهائي ما بين بعل و موت. يصنع إله الحرف و المهارات اليدوية، المعروف بإسم كوثَر Kothar و يعرف أيضاً بإسم الإله حسيس Hasis (الذكي) الأسلحة التي يستخدمها بعل في صراعه مع يم (إله البحر) و يبني منزلاً / قصراً لبعل. و هو صانع قوس أقهات، الذي كانت أناة / عناة تطمح للحصول عليه. و أيضاً يرد ذكر الإلهة كثيرات Kathirat و هي مجموعة آلهة أو آلهات الزواج و الحمل و التكاثر {* ألهكم التكاثر / إلهكم التكاثر / آلهتكم كثيرات * حتى زرتم المقابر *} (نص قرآني آخر مستمد من نصوص أوغاريت)، اللاتي يظهرن قبل حدوث الحمل بأقهات و أيضاً في أسطورة مختصرة عن زواج (ياريخ Yarikh القمر) و قرينته نيكال Nikkal. و أيضاً تظهر شحار Shahar و شاليم Shalim و هما آلهة الفجر و الغسق قبل الغروب ("العزى و الشحار تطليك" العبارة المعروفة في قرى الساحل السوري التي لا نزال نقولها إلى اليوم للتعوذ هي أدعية لآلهة العزى / إلهة القدر و الشحار إلهة الفجر!)، الذين يتم سرد مفهوم ولادتهم في أسطورة طقوس دينية!!

في حين أن مجموعة السرديات التي تدور حول الإله بعل في نصوص أوغاريت هي بشكل واضح عمل أدبي أكثر منه أسطورة، فهي بلا شك تتألف من مادة أسطورية ذات أهمية دينية، تصور النظام المنتصر الناتج عن صراع الآلهة التي تمثل الصراع على السلطة و التي تحدد فيها سلطات الإله يم و الإله موت على حدودهما الحالية و يسود فيها البعل و عناة (المرتبطين بالخصوبة و البراعة العسكرية، على الترتيب). بعد أن ينزل إلى العالم السفلي و ينجو من الموت، يجسد الإله بعل تأكيد خلود النفس البشرية و استمرارية الحياة. قصص الأساطير أو الأدبيات الأسطورية هذه كانت تمثل الوثائق الرسمية للممارسات و الطقوس الدينية التي كانت قائمة في ذلك الوقت: قوائم الآلهة و قوائم القرابين و طقوس المعبد و كذلك الآثار المنقوشة التي تكشف بشكل مباشر أكثر أسماء و أنواع الآلهة التي كانت تفضلها السلطات أو النخب الحاكمة في ذلك الوقت. في حين أن جميع أسماء آلهة هذه الأساطير الرئيسية تقريباً هي أسماء "سامية" عامةً فإن أسماء آلهة العبادات المحلية كانت أكثر تنوعاً بكثير!!

ثم تتابع القصة أن الإله عظيم القدرة بعل إبن الإله داغون / داجون / دجن، أراد أن يصبح ملك الآلهة، فتجادل مع الأمير يم - نهر إله البحر و النهر (إله البحار و الأنهار)، إبن كبير الإلهة إيل. لكن رب الأرباب الإله الطيب / اللطيف / المتسامح إيل قرر القضية لصالح إبنه فأعطى الملكية للأمير يم، لقد أعطى السلطة للقاضي نهر. جاء الإله يم المخيف ليحكم الآلهة بقبضة حديدية، فجعلهم يتعبون و يكدحون تحت حكمه. فصرخوا ينادون أمهم الإلهة عشيرة سيدة البحر و أقنعوها بضرورة مواجهة يم و بالتدخل للدفاع عنهم. فذهبت الإلهة عشيرة و مثلت في حضرة الأمير يم و مثلت أمام القاضي نهر، و توسلت أن يُرخي قبضته عن أبنائها الآلهة. لكن الإله العظيم إله البحر يم رفض طلبها. عرضت عشيرة على الطاغية أن تصنع له معروفاً، لكن نهر القوي لم يرق لها قلبه (نرى هنا تبادل بين إسم الإله / القاضي بين يم / بحر و نهر، و هو في الحالتين يقابل إلهة المياه البدئية تيامات أو تعامة في الأساطير الرافدينية التي تصرع على يد الإله مردوخ المقابل للإله البعل في الأساطير الكنعانية الفينيقية). أخيراً عشيرة التي تحب أطفالها ترجّته بلطف بتقديم نفسها إلى إله البحر، لقد عرضت جسدها لرب الأنهار!!

وافق يم - نهر على هذا العرض و عادت عشيرة إلى مصدر منبع النهرين (دجلة و الفرات؟). ذهبت إلى ديارها و مثلت أمام محكمة / بانثيون الآلهة الذي يترأسه رب الأرباب الإله إيل. جاءت عشيرة و مثلت أمام المجلس الإلهي، و تحدّثت عن خطتها و ما فعلته من أجل إنقاذ أطفالها الآلهة. غضب البعل بشدة من خطابها، و كان غاضباً أكثر من الآلهة الذين كانوا سيسمحون بهذه المؤامرة. و قال أنه لن يوافق على التنازل أو عن إستسلام و تسليم عشيرة العظيمة إلى الطاغية يم - نهر. و أقسم للآلهة أنه سيدمر الأمير يم و يدفن للأبد طغيان القاضي نهر و قد تم إخبار يم - نهر بكلمات بعل فأرسل هذا الأخير رسله إلى بلاط أو محكمة إيل إلخ ...

منذ آلاف السنين كان هناك صراع كبير أثر على حياة كل شخص يعيش اليوم. و قد دار هذا الصراع بين عبدة الإله بعل أو بعليم و عبدة الإله (يهوه) في أرض كنعان. في هذه المنطقة انتصر عبدة رب الجنود الإله يهوه في نهاية المطاف الذين قاموا بتدبير مذبحة عظيمة لكهنة البعل / البعليم، و يلمح إلى هذا الصراع في عدة أماكن في الكتاب المقدس. اليوم، و بسبب الإكتشافات الأثرية (الأركيولوجية) الجديدة، نحن قادرون على إعادة بناء العديد من مُعتقدات الكنعانيين الوثنيين، و معرفة هذه القصص ساعدتنا إلى حدٍ كبير على فهم قصة الكتاب المقدس و كثير من سور و آيات القرآن بشكل كامل و بطريقة مكنتنا من قراءة هذه الكتب المقدسة مثلما كان يقرأها و يفهمها القدماء!! هناك قدر كبير من الإلتباس فيما يتعلق بفهم و أيضاً بالمعلومات الكاذبة عن الآلهة الكنعانية المذكورة في أماكن عديدة من الكتاب المقدس. لكن بسبب هذه الإكتشافات الأثرية، نحن نعرف الآن أن داغون / داجون / دجن كان إله الحبوب (إله القمح / إله الحصاد / إله عيد البربارة الذي لا يزال السوريون يهابونه و يقدسونه عندما يقع رغيف الخبز على الأرض فيقومون برفعها من على الأرض فوراً و تقبيلها و وضعها على جبينهم ثم وضعها فوق الطاولة أو في الخزانة أو في البراد) و ليس إله السمك، فقد ارتكب حاخامات اليهود هذا الخطأ عند تدوينهم لنصوص العهد القديم لأن الكلمة العبرية و في المصرية القديمة Dag داغ / دَغ / دَچ = דג تعني (سمكة)، أما كلمة دَچَن= דגן فتعني حبوب (بذور)، و إسم دَچون דגון هو إسم مركب من قسمين: دَچَن (حبوب) + أدوّن (إله) فتعطي كلمة (دَجون) و تعني (إله الحبوب و طعام الدواجن)، فهناك فارق كبير بين كلمتي (داغ / دَغ / دَچ) التي تعني (سمكة) في العبرية و في المصرية القديمة أيضاً و بين كلمة (دَچَن) و التي تعني (حبوب)! و قد تم الخلط و الإلتباس في آية وردت في العهد القديم، إذ نقرأ في سفر صَمُوئِيلَ الأَوَّلُ - الأصحَاحُ الْخَامِسُ: "1 فَأَخَذَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ تَابُوتَ اللهِ وَ أتَوْا بِهِ مِنْ حَجَرِ الْمَعُونَةِ إِلَى أَشْدُودَ 2 وَ أَخَذَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ تَابُوتَ اللهِ وَ أَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ دَاجُونَ، وَ أَقَامُوهُ بِقُرْبِ دَاجُونَ 3 وَ بَكَّرَ الأَشْدُودِيُّونَ فِي الْغَدِ وَ إِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ، فَأَخَذُوا دَاجُونَ وَ أَقَامُوهُ فِي مَكَانِهِ 4 وَ بَكَّرُوا صَبَاحًا فِي الْغَدِ وَ إِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ، وَ رَأْسُ دَاجُونَ وَ يَدَاهُ مَقْطُوعَةٌ عَلَى الْعَتَبَةِ. بَقِيَ بَدَنُ السَّمَكَةِ فَقَطْ (هنا ارتكب الخطأ بالترجمة فترجمة الكلمة داغ / دج بمعنى سمكة أو إله السمك بدلاً من دجن / داجون إله الحبوب) 5 لِذلِكَ لاَ يَدُوسُ كَهَنَةُ دَاجُونَ وَ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ إِلَى بَيْتِ دَاجُونَ عَلَى عَتَبَةِ دَاجُونَ فِي أَشْدُودَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ"!!

الخضر هو أحد ألقاب "بعل / ب عَل / بن عَل" إله الخصب و الري و الخضرة و الشمس في الثقافة الكنعانية الفينيقية و أيضاً نجده في الثقافة البابلية و الآرامية يرد بإسم الإله أدد / هدد / حدد. و الإسم بعل هو إسم مركب من مقطعين: بن عَل و تعني: إبن العلي العالي / إبن إيل العالي / إبن إيل إله القمر / إبن الإله القمر الأكبر / إبن الله الأكبر (و منها أتى تهليل: الله أكبر و هي عبارة تعني: القمر أكبر من الشمس). نحن نقول: "هذه الأرض سقاية بعل" أو "هذه الأرض بعلية" أو "هذه البندورة بعلية" أو "هذا البطيخ بعل" أي لم يسقيهم أو يرويهم إنسان، بل الذي سقى و روى هذه الأرض الخضراء أو هذه المزروعات فاخضرت بسببه هو الإله بَعل (ب - عَل) إبن الإله الذي في العالي (القمر / رب الأرباب / كبير الآلهة). و كلمة بعل أصلها ب + عَل / بن عَل و هو الإله الخضر / خضر الياس أو المار جرجس / جورجيوس / جورجوس / يورچوس / جورج / عليا / علي / إليا / إيليا / إيلياء / إلياس / إليوس / إياس إلخ ... تعددت الأسماء و الشخصية واحدة، "خضر" و "علي" و مشتقاتهم، و الإختلاف فقط بتحول حرف العين إلى حرف ألف و هذا بسبب إختلاط اللغة السومرية الخالية من الأحرف الحلقية مع اللغة الأكدية / الأكادية، أما كلمة جورج / جورجوس / جيورجوس و مشتقاته في قادمة من من الترجمة اليونانية للخضر و تعني "الفلاح الذي يحرس الزرع"، و أحياناً حرف "ج" يتبدل لفظه بحرف "ي" و أيضاً اللاحقة اليونانية "يوس" تضاف لنهاية الإسم للدلالة على صيغة الغائب، فمثلاً "جورج أو يورج" هو إسم بصيغة الحاضر أما "جورجيوس أو يورجوس" فهو إسم بصيغة الغائب إلخ ... و سبب استمرار عبادة هذا الإله في الأديان الإبراهيمية هو حب الناس له و اعتباره شفيعهم الأول عند أبيه كبير مجمع أو بانثيون الآلهة إيل / الله، فكان من الصعب إلغاؤه من ذاكرتهم و وعيهم الشعبي. الإله البعل موجود قبل المسيحية بزمنٍ طويل و أيضاً الصورة التي يركب فيها المخلص على حصان أو يأتي راكباً على السحاب و يقوم بقتل التنين / لويثان المقصود بها إبعاد الشرور و الأذى عن البشر. و قد تم دمج شخصية هذا الإله بصورة قدّيس أطلق عليه إسم مار جرجيوس أو المار جرجوس أو سانت جورج و تعني القديس جورج / جورجيوس كما فصلناها لكم في إحدى حلقاتنا السابقة من سلسلة قصة الأديان الإبراهيمية. هذه الشخصية التي أحبها و عشقها سكان غرب آسيا (بلاد الرافدين و سوريا) فلم يستطع محوها من قلوب و عواطف الناس أي دين صحراوي جديد مختلف عن ديانات الخصب الزراعية الأصلية، فالبعل هو نفس الشخصية الإلهية التي كانت موجودة في عقول و قلوب الناس ابتداءً من الإله السومري الطيب (أنُّ / آن - كي) مروراً بأكد / أكاد و آشور و بابل وصولاً حتى كنعان و مصر (حوروس / الإله الحارس / العين الحارسة عند قدماء المصريين) رغم اختلاف أسمائه عند شعوب هذه المنطقة ...

خاتمة: كان (بعل) إذاً إله الرعد و الأمطار و و الخصوبة و الأرض البعلية الخضراء / الخضر و كانت (عشيرة) الإلهة الأم إلهة الخصوبة و كان "عمود الإلهة عشيرة" على الأرجح عبارة عن شجرة مقدسة أو رمزاً لشجرة مقدسة و ليس رمزاً للقضيب الذكري! أما الإله تموز Tammuz فكان إله الرعي (من هنا يتم تصوير الأنبياء موسى و المسيح و محمد كرعيان غنم و ماعز)! إن سوء فهمنا لأساطير الديانة الكنعانية غالباً ما يتسبب في إرباك الناس في قراءتهم للكتاب المقدس و القرآن و معرفة الأساطير الكنعانية يمكن أن توضح إلى حدٍ كبير بعض قصص الأولين الواردة في هذه الكتب المقدسة!!! إن مفتاح حل لغز هذه الآية التي تخبّط الكثيرون من الباحثين المسلمين و غير المسلمين في تفسيرها (كما عرضنا لكم بعض الأمثلة في الأعلى) يكمن في عبارة (نهر الكوثر) و التي تربط الكوثر بالنهر / بالماء و ليس بالكوشر / طريقة الذبح الحلال اليهودية! لماذا خطر على بال المفسرين الإسلاميين ربط كلمة الكوثر بكلمة نهر؟! لأن الإرتباط موجود في الوعي الجمعي لشعوب المنطقة المتناقل و المتوارث من هذه الاسطورة هذا أولاً ثم أننا نجد المفتاح الثاني في الآية الثالثة عندما يقول الراوي القرآني: {* إن شائنك هو الأبتر *} ففجأة يتحول المحدث إلى صيغة المخاطبة و لا يستمر بصيغة الغائب: "إن شانئه / كارهه أو تاركه (للكوشر / طريقة الذبح الحلال) هو الخاسر" بل يقول بصيغة المخاطبة المباشرة: "إن غريمك هو الخاسر / المهزوم / المنسحق" فهذه الآية الأخيرة هي دليل آخر على الأصل الأسطوري للسورة و هي لا ترتبط أبداً بالآيتين سابقتيها!!! و الآن و على ضوء ما سبق، هل يمكن أن تكون سورة الكوثر قد كتبت قبل تنقيط القرآن على الشكل التالي؟: {* إنا أعطيناك الكوثَر (إله الحرف و المهارات اليدوية) * فصلّي لربك (رب الأرباب إيل) و انحر (أنجر / أنجز / إصنع أسلحةً للإله بعل) * إن شانئك (غريمك / عدوك الإله يم - نهر إله البحر و النهر) هو الأبتر (هو الخاسر / المنكسر / المهزون / المنسحق) *} .. ألا تبدو هذه السورة الغامضة و التي تخبط جميع المفسرين على مر الأزمان في تفسيرها مُحمّلة بالرموز و الإشارات الأسطورية إلى ملحمة صراع البعل مع إله البحر يم - نهر؟! .. ألا يبدو غريباً جداً ربط إسم الإله (نهر) مع إسم الإله (كَوثر) لتنتج لنا خرافة (نهر الكَوثر) الواردة في سورة الكوثر في القرآن؟!! هذه السورة و بشكل واضح لا لبس فيه أصلها أسطورة البعل / الخضر / خضر الياس / المارجورجُس و صرعه للتنين / الأفعوان لويثان التي يقابلها صرع الإله حوروس للأفعوان أبو فيس / أبيب في الأسطورة المصرية و كذلك صرع الإله مردوخ لإلهة المياه البدئية تيامة / تيامات في الإينوما إيليش السومرية - البابلية!!!

* علاء طبرة: سفر التكوين بين التوراة الكنعانية و سرقات الحاخامات!!

التكوين الكنعاني نفس فكرة التكوين السومري و البابلي. لكن هنا يلعب إله الخصب بعل في هذه الأسطورة نفس الدور الذي يلعبه الإله مردوخ في الإينوما إيليش في قهر المياه الأولى و إحلال نظام الكون و فصل السماء عن الأرض، و المياه البدئية هنا يمثلها الإله يم - نهر إبن الإله إيل. و بالمناسبة، ما زالت كلمة يم تعني البحر و نهر هي نفسها نهر في اللغة العربية، و اللغة التي كتبت بها هذه الملحمة هي الأوغاريتية ناهيك عن مئات الكلمات التي لا تزال مُستخدمة إلى يومنا هذا!!

يقوم الإلهان كَوثر و حَسيس الحِرفيان بصناعة أمضى الأسلحة للإله بعل كي يقضي على الإله يم .. يقولان له:

ألم نقل لك يا بعل أيها الأمير
ألم نعلن لك يا راكب الغيوم
هؤلاء أعداؤك يا بعل
هؤلاء أعداؤك الذين سوف تقتل
هؤلاء أعداؤك الذين ستقضي عليهم
و لسوف تقبض على الملك إلى الأبد
و تبسط على الجميع سيادتك

ثم يتقدم الإله كَوثر بالسلاح و يعطي له إسمه:
لتكن و ليكن إسمك العاصف
إعصف ب"يم"
إدفع به عن عرشه
إدفع "نهر" عن كرسي سيادته
و لسوف تنطلق من يد بعل
و كالصقر تندفع من بين أصابعه
فتصيب منكبي الأمير يم
فانطلق السلاح من يد بعل
و كالصقر اندفع من بين أصابعه
و ضرب منكبي الأمير يم
في المنتصف، بين ذراعي السيد نهر
و لكن يم كان قوياً
فلم يهن و لم يقهر
و لم تتخاذل مفاصله
لا و لم تهوي قامته

و هنا يندفع الإله حَسيس و يضع بين يدي بعل السلاح الثاني و يعطيه إسمه:

لتكن و ليكن إسمك الصاعق
إصعق يم على عرشه
إدفع بنهر عن كرسي سيادته
و لسوف تنطلق من يد بعل
و كالصقر تندفع من بين أصابعه
إضرب رأس الأمير يم
و لتكن إصابتك في المنتصف بين العينين
يتهاوى يم
و يخر صريعاً
فانطلق السلاح من يد بعل
و كالصقر اندفع من بين أصابعه
و ضرب رأس الأمير يم
في المنتصف بين عيني السيد نهر
فخرّ يم و تضعضع
و تهاوى ساقطاً
تخاذلت مفاصله
و هوت قامته

هنا تضطرب باقي الآلهة لهذا الحدث و ينقسمون بين راضي و ساخط، فتتوجه الإلهة عشتارت بالقول إلى بعل:

مزّقه يا بعل العلي
بعثره يا راكب الغيوم
لقد مات يم و قضى نحبه
فليسُد بعل و يحكُم ...

ثم يستمر اللوح في الحديث عن صنع الإله كَوثر بيت / منزل / قصر للإله بعل كما أسلف د. سام مايكلز في الأعلى ...

المصادر:

1. المنشأ العرقي، لغة و أدب الفينيقيين، ملحمة بعل و عناة Ethnic Origin, Language and Literature of the Phoenicians:

phoenicia.org/ethnlang.html

2. الكلمة الغامضة في سورة الكوثر، مقال لفايز مقدسي على الرابط:

m.facebook.com/story.php?story_fbid=817386921945036&id=263584180658649

3. كتاب [أوغاريت و العهد القديم] لمؤلفه بيتر كريج و ترجمة الباحث الرائد فراس السواح