فلسطينيو ال 48 والتحديات القادمة

فلسطينيو ال 48 أو الخط الأخضر سموهم كيفما شئتم ..هؤلاء من بقوا في وطنهم بعد النكبة عام 48 وكتب عليهم حمل الجنسية الإسرائيلية
يعيشون في أتون معركة حامية الوطيس ويواجهون تحديات يومية عقيمة ومعقدة جعلت منهم رقما صعبا في معادلة التصفيات الإسرائيلية .. يعيشون في ازدواجية قسرية كونهم ينتمون قوميا ووطنيا للأمة العربية والشعب الفلسطيني ويرتبطون مدنيا بالدولة العبرية .. هؤلاء هم الاسوء حظا من باقي الأخوة الفلسطينيين والعرب كونهم يعيشون في أتون المعركة وجحيمها ويواجهون حربا نفسية وسياسية عنصرية تقاد ضدهم من قبل المؤسسة الإسرائيلية دون أن يجدوا من يساند قضاياهم وينتصر لهم حتى أن الكثير لا يعرف حقيقة هذا الجزء من الشعب الفلسطيني .
يخطىء من يظن بأن فلسطيني ال 48 هم جزء من المؤسسة الإسرائيلية ويعيشون بمعزل عن قضايا شعبهم ،فهم وأنا واحد (منهم) نعتبر أنفسنا جزء من الجرح الفلسطيني والطموح العربي ،لكن الخطأ في ان العالم العربي ما زال يتعامل معنا على أننا حالة خاصة لا شأن له بنا وهذا يساهم في تعزيز المخطط الصهيوني الهادف إلى سلخنا عن شعبنا وامتنا .. وكما يقول المثل الفلسطيني "لا مع ستي بخير ولا مع سيدي بخير ".. فإسرائيل تتعامل معنا على أننا دخلاء على وطننا الأصلي وترى بنا سرطانا يجب استئصاله من جسم الدولة والعالم العربي يتعامل معنا على أننا جزء من دولة إسرائيل وقد "تصَهينا"!! وبين هذا وذاك نتيه في عباب الإحباط واليأس ونضيع في تعريفات العرب لنا ! ،
لا ننكر بأن خصوصيتنا الوجودية تفرض علينا العديد من الكوابح والضوابط .. لكن هذا لا يمنعنا عن بلورة ذاتنا السياسية والتنظيمية بشكل واضح وصريح ...خاصة واننا بتنا عرضة لمخطط تهجيري اسرائيلي خطير وقابل للتنفيذ ! قد نعي ونستوعب الخطر الداهم من طرف الصهيونية ... لكن لا يمكننا أن نستوعب عدم ادراكنا التام لما يحاك ضدنا .. لا يمكننا أن نعي ونستوعب عدم مقدرة القيادة السياسية لهذا الجزء من الشعب أن تعتمد الجرأة في بلورة ذاتها وبرمجة خطواتها وأجندتها النضالية المستقبلية بالحجم الذي تتطلبه المرحلة المقبلة خاصة وأننا مقبلون على تحديات جمّة باتت تهدد كياننا ووجودنا على أرضنا هنا .
لا حاجة للعودة والتذكير بالهجمات الشرسة التي نتعرض لها هنا ولا حاجة للتوقف عند المحطات المأساوية التي مررنا بها بدءا بيوم الأرض عام 76 حيث تم مصادرة أراضينا وانتهاء بالقوانين العنصرية المتعددة والتي تستهدفنا وتهدف إلى إقصائنا عن وطننا ... تارة تحت سقف البازارات التصفوية التي تشارك بها قيادة أوسلو (التبادل السكاني ) وتارة اخرى من خلال تعليقنا على أعواد القوانين العنصرية الصهيونية الهادفة إلى "تطفيشنا" وتهجيرنا عن وطننا .

وجودنا في خطر
القادة الصهاينة أعلنوها وفي أكثر من مناسبة (تسيبي ليفني ونتنياهو وليبرمان )بأن الوطن القومي لفلسطينيي ال 48 هو الكيان الفلسطيني الأمر الذي يعني تهجير مليون ونصف المليون فلسطيني إلى مناطق السلطة.. فنحن وبنظرهم نعتبر قنبلة "ديموغرافية" قد تقلب معادلة التوازن السكاني هنا .. لذا يجهدون لدرء الخطر الديموغرافي الزاحف وتفكيك القنبلة الديموغرافية قبل تفجرها... فكل المعطيات تشير الى أن عدد السكان الفلسطينيين سيتساوى مع عدد اليهود عام 2020 ..وهذا الأمر يعتبر خطرا جديا يهدد يهودية الدولة لذا بدؤوا بالتشديد على المطالبة للاعتراف بيهودية الدولة ..من هنا فان القادة الصهاينة يتعاملون مع ملف فلسطينيي ال 48 بنفس الأهمية التي يتعاطون فيها مع الملف الايراني أو ملف حزب الله .
لا نبالغ إذا قلنا بأن بعض القيادات المحلية هنا تعي هذه الحقيقة ،لكنها في نفس الوقت لا تمتلك الحيلة أو الوسيلة لمنع الخطر الداهم والمتمثل في ضرب وجودنا هنا بمركباته وعناصره! و حتى لو أنها امتلكت الأفكار والاجتهادات فإنها تقف عاجزة عن ترجمة أفكارها وإخراجها إلى حيز التنفيذ في ظل الوضع العربي والفلسطيني المتردي وافتقارنا إلى الدعم المعنوي والمساندة السياسية وهذا أدى إلى الميوعة في مواقف قيادتنا المحلية وأحيانا تمحورها في خانة الحياد إزاء قضايا جوهرية سياسية تطفو على المشهد الفلسطيني والعربي وانتظار ما سيحصل .
غالبية القوى هنا داخل المجتمع الفلسطيني تمتلك رؤية واضحة وجريئة وصريحة بشأن مستقبل الأقلية الفلسطينية وسلوكها النضالي وموقعها من المعادلة ...لكن رؤيتها هذه تصطدم بالقوى المعتدلة أو قوى (الحيط الواقف ).. فوضعنا ليس بأفضل من الوضع الفلسطيني العام حيث تتصادم البرامج والرؤى وتموت الطموحات في معمعان الصدامات السياسية .

إن ما نخشاه حقا أن تنتقل إسرائيل من مرحلة التخطيط والتهديد إلى مرحلة التنفيذ وقد بُدء بهذا الأمر من خلال سن وتشريع قوانين عنصرية تحد من مساحة التحرك السياسي الديمقراطي للفلسطينيين وتضعهم في سجن كبير وليس هناك من يقف بوجهها .. وما نخشاه أكثر أن تفتعل وتستغل حالة حرب مع طرف عربي مثل حزب الله أو إيران لتقدم على تهجير جزء كبير من فلسطينيي الداخل إذا لم تنجح بمعالجة ملفنا في إطار حل تصفوي مع الطرف الفلسطيني .. فالتبادل السكاني ما زال مطروحا وقد يخرج إلى حيز التنفيذ واشدد على هذا الأمر فهناك اعترافات إسرائيلية شبه رسمية بتجاوب القيادة الفلسطينية مع الأمر.
المؤسف أن السلطة لم تصدر أي موقف رسمي عملي واضح بهذا الخصوص بل أن موقفها راوح بين التأتأة والصمت وأحيانا التجاهل وكأن أمرا لم يحدث!
لقد ذهب الرئيس أبو مازن الى ابعد من ذالك عندما صرح بأنّ الفلسطينيين في مناطق الـ48 هم "عرب إسرائيل"، ولا دخل لهم في حل القضية الفلسطينية، وأنّ مواقفهم المتشنجة لا تساهم في صنع السلام مع إسرائيل، على حد تعبيره وكأننا هبطتنا على هذه الأرض من كوكب آخر وليس لنا إخوة في الضفة والقطاع والشتات وبأننا مجرد رقم إسرائيلي يمكن تقليصه بعملية تهجير وتشريد !يتعاطى معنا وكأننا غرباء ولسنا جزءا من الجرح الفلسطيني النازف !

كيف نواجه التحديات
لا يمكن مواجهة هذه التحديات الصعبة بالبيانات والخطابات والمهرجانات الاستنكارية ! ولا يمكن الصمت على هذه المخططات واعتبارها مجرد هرقطات صهيونية غير قابلة للتنفيذ كما يدعي البعض ... بل يجب التعامل معها بجدية تامة والتعاطي معها بحجمها الطبيعي لئلا تتكرر النكبة فإسرائيل التي هجرت شعبا بأكمله واحتلت أراض واسعة.. لن يضيرها أو يمنعها تهجير مليون فلسطيني آخر حتى تتخلص من عقدتها وأزمتها الديموغرافية وتفرض على العالم العربي يهوديتها كأمر واقع بلا مفاوضات أو اشتراطات كالتي تطرح الآن .
إن ما نخشاه حقا هو أن نجد أنفسنا بين جموع إخوتنا المشردين فليس هناك طرف عربي قادر على منعها عن تنفيذ مخططها ! فمن هو الذي سيمنع اسرائيل ويردعها عن تنفيذ مخططها ضدنا ؟!
خطاب نتنياهو الأخير وقبل شهر كان واضحا وعبر عن توجه القادة الصهاينة وجاء ليضع النقاط على الحروف عندما عاود وطالب العرب بوجوب الاعتراف ب"يهودية الدولة" ليضع العالم أمام حقيقة نيته ونية الحركة الصهيونية بالعمل على تنقية الدولة من الغرباء كما يدعون للحفاظ على يهوديتها الصافية !فالاعتراف بيهودية الدولة يعني نزع شرعية وجودنا هنا داخل وطننا ونسف إمكانية حق العودة .
نحن لم ولن نراهن على النظام الرسمي العربي بل حتى إننا نشك بضلوع هذا النظام في المؤامرة ولن نراهن على القيادة الفلسطينية الرسمية التي بخرت الثوابت الوطنية الفلسطينية وميعت القضية من خلال تنازلاتها المستمرة وما نخشاه حقا هو أن ندفع وجودنا ثمنا لحل تصفوي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية .
إسرائيل لن تتورع عن تنفيذ مخططها وبسهولة ما دمنا حتى الآن لا نملك الآلية لإفشال هذا المخطط وقيادتنا المحلية لا تضع على أجندتها أية خيارات لمواجهة التحديات حتى أنها تتعامل بلامبالاة مع تصريحات نتنياهو !وكأنها "مزحة"!
قيادات الأقلية الفلسطينية هنا مطالبة اليوم بترك لهجة الاستنكار والارتقاء الى مستوى الحدث والتعامل معه بحجمه الطبيعي دون استهتار وعبث وهي مطالبة أيضا بصياغة برنامج إعلامي سياسي لتدويل المشكلة وعدم الاكتفاء ببيانات الاستنكار والتنديد .. فعندما ستقتحم القوات الإسرائيلية مدننا وقرانا بالبارود والنار لن تحمينا بيانات الاستنكار والتنديد ولن تمنع إسرائيل عن ارتكاب فعلتها !