أوغاريت "بانوراما علمية وتاريخية وأثرية"

[img]http://www.jablah.com/uploads/extgallery/public-photo/medium/544_144_1bb...صدر مؤخراً عن الهيئة العامة السورية للكتاب ـ وزارة الثقافة كتاب »أوغاريت« للكاتب والباحث قصي عبد الرحمن.
يبدأ الكاتب بقصة اكتشاف أوغاريت في شهر آذار عام 1928 في قرية مينة البيضا أثناء قيام الفلاح محمود الملا الملقب بالزير بحراثة حقله فاقتلعت سكة محراثه حجراً كان يغطي قبراً كبيراً ومغطى بطبقة رقيقة من التراب ، الذي فتح الباب لاكتشاف تلك المملكة العظيمة المدفونة تحت الأرض، بعدها بدأت التنقيبات في عام 1929 وارتبطت باسم عالم الآثار الفرنسي كلود فريدريك شيفر، الذي ترأس لسنوات طويلة التنقيبات الأثرية في الموقع، وبوفاته عام 1982 فقد العالم أحد أهم أعلام التنقيب في الشرق الأدنى والأوسط. ‏
ويخصص الكاتب جزءاً كبيراً من كتابه يصف فيه تاريخ التنقيبات الأثرية في تل رأس شمرا والتي بدأت في الحملة الأولى عام 1929، وبعد خمسة أسابيع من المباشرة في أعمال التنقيب عثر الباحثون على كمية كبيرة من الآثار فاقت التصورات والتوقعات، وظهر أن تل رأس شمرا الذي يبعد 800م عن شاطئ البحر ويرتفع بمقدار 25 ـ 30 م وينتشر على مساحة 22 هكتاراً يغطي الكثير من الطبقات السكنية لمستوطنة قديمة جداً. ‏
ويشير الكاتب بأن الطبقة العليا من الطبقات الـ19 التي شكلت وكونت التل هي الطبقة الوحيدة التي تم البحث والتنقيب فيها، أما باقي الطبقات التي تروي التاريخ القديم للاستيطان في هذه المنطقة لا تزال غامضة ،وهدف التنقيبات في الوقت الحاضر هو البحث والتنقيب لكتابة التاريخ العظيم المميز للمدينة خلال الألف الثاني قبل الميلاد والذي يعد العصر الذهبي لأقدم وأعرق مدينة وميناء عالمي من هذا النوع في هذه الحقبة من التاريخ، كانت مدينة أوغاريت عاصمة لمملكة كنعانية قديمة، ومركز انصهار شعوب وحضارات المنطقة وتلاحمها، والمركز الأساسي والرئيسي للطرق التجارية البحرية، وهنا تم الربط بين الهلال الخصيب وآسيا الصغرى وسواحل بحر إيجه وسواحل شرق البحر الأبيض المتوسط وبلاد مصر، وفي مينائها رست السفن من شرق المتوسط ومن أماكن بعيدة . ‏
أظهرت معاول ورفوش المنقبين في رأس شمرا من باطن الأرض معابد وبيوت سكنية، ورشات صناعية وحرفية، أسوار دفاعية، مقابر الأغنياء من سكان المدينة ومقابر الفقراء.... وفي متحف اللوفر بباريس والمتاحف الوطنية في دمشق وحلب توجد قاعات وصالات تغص بكنوز مدينة أوغاريت: تماثيل الآلهة المذهبة، اللوحات الفنية ومجوهرات الزينة، آلات وأسلحة من البرونز وأشياء فنية من العاج، أوانٍ من الذهب والفضة والجص والفخار العادي... وأهم من ذلك كله كان العثور على الآلاف من الألواح الطينية المكتوبة في خزانة القصور والمكتبات الخاصة، والكثير من الألواح مكتوبة باللغة الأبجدية المسمارية. ‏
ولعل من أهم نتائج التنقيب في القصر قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية هو اكتشاف اللوح الطيني والذي أثار ضجة واهتمامات لا نظير لها في جميع أنحاء العالم، حيث دونت على هذا اللوح أحرف أول أبجدية عرفها تاريخ البشرية حيث عثر على هذا اللوح في الأرشيف الغربي للقصر المحروق، ذلك الأرشيف الذي كان يعد بنزلة مدرسة لتعليم الكتابة.


ويتناول الكتاب في أحد أجزائه تاريخ أوغاريت منذ حوالي ستة آلاف سنة على رأس شمرا، حيث بدأ الدور التاريخي لأوغاريت بالظهور في النصف الثاني من الألف الثالث ق.م ،و كانت أوغاريت الميناء والطريق الأساسي لاستيراد النحاس من المناجم القبرصية، وفي الفترة ما بين 2000 1400 ـ ق.م تزدهر العلاقات بين مملكة أوغاريت ومصر، وتمر في عام 1400 1200 ـ ق.م بفترة ذهبية ، وثم في عام 1200 تعود هذه المملكة العظيمة للانهيار والدمار والذي لم يكن نتيجة كارثة طبيعية، بل نتيجة هجوم شعوب البحر، وكانت هناك محاولات عديدة في عام 1000 ق.م لإعادة بناء أوغاريت من جديد لكنها باءت بالفشل جميعها. ‏
كما يعرض الكاتب وثائق وأدب أوغاريت، فالكم الهائل من الألواح الطينية التي تم جمعها خلال نصف قرن من التنقيبات الأثرية في رأس شمرا تروي فصلاً أو مقطعاً من حياة هذه المدينة العظيمة وتتألف نصوص هذه الوثائق من الأقسام التالية: ‏
في المجال السياسي: معاهدات ومراسلات سياسية وتقارير، وفي المجال الاقتصادي اتفاقيات تجارية، حسابات وقوائم بأسماء البضائع، مراسلات اقتصادية. وفي المجال الاجتماعي: معاهدات التبني، وثائق الهدايا وقوائم بأسماء الحرف والصناعات والجمعيات التعاونية، المدفن والمستوطنات والقرى وقوائم توزيع الحصص وسندات الملكية. وفي المجال التعليمي والمدرسي: نصوص مدرسية، قوائم بالأحرف الأبجدية، قواميس ومعاجم بلغات مختلفة، أدب عالمي، وفي المجال الديني: أساطير وملاحم وقوائم بأسماء الآلهة وقوائم بالقربانات. ‏
وتثبت الكثير من النصوص التاريخية أن أوغاريت كانت خلال القرون الأخيرة من حياتها التي ازدهرت فيها قوة وسلطة بحرية فريدة من نوعها، وكانت أساطيل أوغاريت مؤلفة من مئات السفن ذات الوظائف والمهمات المتعددة كالسفن التجارية وسفن نقل الركاب والسفن العسكرية، وكانت أوغاريت أهم ميناء على ساحل المتوسط الشرقي للتجارة البحرية حوالي القرن الرابع عشر ق.م حيث عثر في حي الميناء على الكثير من البيوت والمنازل الكبيرة والفخمة والكثير من المتاجر والمخازن الكبيرة وورشات الصناعة ومعامل الحرفيين ومتاجرهم ومصانع لإنتاج اللون الأرجواني المشهور والذي بسببه أطلقت تسمية الفينيقيين، كما ورد في الوثائق والألواح الاقتصادية الأوغاريتية أسماء أكثر من 350 صنفاً من البضائع التي كانت متداولة تجارياً براً وبحراً ومنها النحاس، القصدير، الخشب، الحبوب، الصوف، زيت الزيتون، الأقمشة، الأدوات البرونزية، أدوات وأشياء التجميل، المراهم والمساحيق المختلفة والأعشاب الطبية وغيرها الكثير من المواد الأخرى. ‏
كما يعرض الكتاب في نهايته النصوص الأساسية لأهم الملاحم الأوغاريتية الثلاث «بعل وعناة، كرت، دانييل وابنه أقهات» إضافة لبعض النصوص الأوغاريتية الأخرى. ‏
وذكر الباحث جمال حيدر مدير الآثار في اللاذقية عن كتاب «أوغاريت» أنه يشكل إضافة صفحة جديدة لمئات الصفحات التي كتبت عن موقع أوغاريت، و الذي يعتبر بمنزلة بانوراما علمية وأثرية وتاريخية حاول المؤلف أن يسلّط الضوء على جوانب كثيرة من حياة أوغاريت. ‏