مقابلة مع بدوي الجبل تعود لعام 1956

3 فبراير(شباط) 1956

عرفه الناس شاعرا .... وجهلوه وزيرا هذه قصة شاعر كبير ، أمن بالثورة والعروبة ، وهو فى السادسة عشرة ، فعصر قلبه شعرا وطنيا الهب ظهر الاستعمار الفرنسى طيلة عشرين عاما قضاها بين السجن والمنفى والتشرد ، حتى اذا انتهى الاستعمار الفرنسى فى سوريا ولبنان ، عاد الشاعر الى دمشق ليدخل الوزراة ثلاث مرات ، وهو اليوم على الرغم من اعباء الوزارة ، ينظم قصيدة لام كلثوم!

دمشق - من سليم اللوزى :
أسمه الحقيقى : محمد سليمان الاحمد ولكن الذين يعرفونه بهذا الاسم قليلون جدا ، فالناس فى العراق وسوريا ولبنان وشرق الاردن ، يعرفونه بلقبة " بدوى الجبل " ! ولعلها المرة الاولى فى التاريخ الذى يقلب فيه لقب " الشاعر " على اسم الوزير!

نظم الشعر فى التاسعة
ولنبدا القصة من الاول ..... على الشاطىء السورى ، شمال الحدود اللبنانية ، جبل تسكنه عشائر عربية ، يسمونه " جبل العلويين " ..... وفى هذا الجبل ، وعاصمته " اللاذقية " ولد الشاعر فى بيت دين وشعر وأدب ، فقد كان والده الشيخ سليمان الاحمد كبير قومه ، وكان شاعرا وعضوا فى المجمع العلمى العربى.... ويندر أن يكون أب وابن كما هو الحال مع شاعرنا وابيه الشيخ أعضاء فى المجمع العلمى الذى يعتبر فى الشام فى مقام " الاكادمية الفرنسية " فى باريس !
وكانت تقاليد العلويين فى اكرام الضيف ، من صميم الصحراء ، أى المكان الحسن ، والطعام الحسن ... وكان بيت الشيخ مفتوحا لوفود الضيوف التى كانت تاتى على الخيل ..... وكان الشاعر فى التاسعة من عمره ، عندما وقف يلقى أول بيتن من الشعر نظمهما أكراما لضيف كبير وهما :
لى قلب أراحتى الله منه... ان بخنه حبيبه لم يخنه ويك يا قلب والحديث شجون...مثلما دانك الحبيب فدنه وفى ذلك اليوم ، قرر الشيخ ،أن يرسل ابنة ليلتقى العلم فى الجامعة لتحفظ مواهبة المبكرة !

اسمك لا يليق
وجاء الشاعر الصغيرالى دمشق وبقى يتلقى العلم فيها حتى أنتهى الى الجامعة السورية ، وكانت ولا تزال مصدر كل شرارة وطنية تهب على سوريا .... ومن أطرف ما يروى عن حياته الحامعية ، انه نظم أول قصيدة عام 1919 وهو فى السادسة عشرة من عمره ، وكان مطلعها :
أهوى ، نعم أهوى الحياة واعشق ويروقنى عهد الشباب الريق وارسل القصيدة الى جريدة " الف باء " التى كانت تصدر فى دمشق وكان صاحبها المرحوم يوسف العيسى أحد اعلام الفكر فى الجبل الماضى بدمشق ، فلما قرأ صاحب الجريدة قصيدة الشاعر الصغير ، أعجبته ، فنشرها فى اليوم التالى بأسم الشاعر " بدوى الجبل "!
ودهش الشاعر الصغير ، وذهب الى الاستاذ يوسف العيسى وقال له :
- يأاستاذ أنا اسمى " محمد سليمان أحمد " فكيف تنشر قصيدتى وتضع عليها اسم غيرى ؟!
- وابتسم الاستاذ العيسى وقال :
- يا ابنى هذا هو اسمك الشعرى بعد اليوم : " بدوى الجبل " ، فهو يليق بهذا انوع الجيد من الشعر أما اسم " محمد سليمان الاحمد " فلا أحد من قرائى يعرفه ، واسهل لهم أن يحفظوا اسم " بدوى الجبل " من ان يحفظوا اسما اشبه بقطار حديدى يجر ثلاث عربات " ويظهر أن صاحب الجريدة كان على حق ، فقد ظن الناس ان الشاعر المتنكر تحت اسم " بدوى الجبل " هو الشاعر خير الدين الزركلى ، وقال بعضهم .....
واخيرا ، وبعد أن اطال الاخذوالرد ، وكثرت الاسئلة والاجوبة ، اقام صاحب الجريدة حفلة شاى فى بيته ، دعا اليها رئيس المجمع العلمى العربى ، ورهطا كبيرا من المشتغلين بالصحافة والادب وقدم لهم الشاعر بدوى الجبل ونظر القوم فى دهشة الى الشاعر الصغير قصير القامة ، وكان فى التاسعة عشرة من عمره !

الشاعر المجاهد
وفى تلك السنة نفسها - أى عند بلوغة التاسعة عشرة من عمره - دخل السجن من أول قافلة سجناء ، زج بها الفرنسيون بعد خروج الملك فيصل الاول من دمشق وكانت النهضة الموجهة الى الشاعر الصغير ، حض الناس على الثورة ضد الاستعمار الفرنسى ، وتحريك الفتن الوطنية بين عشائرالعلويين ........
واعتقل الفتى فى حماه ، وهناك عذب مع من عذبوا من المجاهدين الوطنين ، فكانو يسكبون عليهم الماء البارد ، وهم نائمون فى عز البرد والشتاء .... ولا يزال الشاعر الكبير يشكو من حالة الارق التى ولدت فى أعصابه فى سجن حماه ، حتى اليوم وتنقل الفتى الشاعر من سجن الى سجن، حتى انتهى به المطاف الى سجن الديوان الحربى العرفى ببيروت ، فيقى ستة عشر شهرا ، ولما مثل أمام المحاكم ، دهش القضاة لصغر سن المتهم بالنسبة للتهم الموجهة اليه فحكم عليه بعشر سنوات مؤجلة التنفيذ !
وبعدها ، تتابعت فصول حياته ، بين كرسى النيابة ، واحكام السجون ، وقرارات النقى الى خارج الحدود .... ولا يزال شباب سوريا ولبنان وفلسطين والارادن والعراق يذكرون الملحمة الشعرية التى نظمها " بدوى الجبل " فى منفاه ببغداد ، وكيف كانت أبياتها تهرب كما يهرب الحشيش فحفظها الكبير والصغير على السماع دون نشر ! وقد نظمت هذه الملحمة ، عندما سقطت باريس فى ايدى القوات الالمانية ... والى القارى بعض أبياتها الخالدات :
يا سامر الحى هل تعنيك شكوانا
رق الحديد وما رقوا لبوانا
خل العتاب دموعا لاغناء بها
وعاتب القوم أشلاء ونيرانا
أمنت بالحقد يذكى من عزائمنا
وأبعد الله إشفاقا وتحنانا ....
ويل الشعوب التى لم تسق من دمها
ثاراتها الحمر أحقادا وأضغانا
ترنح السوط فى يمنى معذبها
ريان من دمها المسفوح سكرانا
تغضى على الذل غفرانا لظالمها
تأنق الذل حتى صار غفرانا
أما الشام ، فلم تبق الخطوب بها
روحا أحب من النعمى وريحانا
ألم والليل قد أرخى ذوائية
طيف من الشام حيانا فأحيانا
حنا علينا ظماء فى مناهلنا
فاترع الكاس بالذكرى وعاطانا
تنضر الورد والريحان أدمعنا
وتسكب العطر والصهباء نجوانا

مرحلة انتقال !
وفى الاسبوع الماضى ، ذهبت الى منزل الشاعر الوزير عضو المجمع العلمى العربى بدمشق ، فى شارع " أبو رمانة "
وقلت له :
- ما فعل الله بالشعر العربى يا معالى الوزير ؟ ثم الشعر فى البلاد العربية كلها ؟
- وابتسم وقال :
- انها فترة عجفاء بدون شك .... الشعر يرتكز على العاطفة والخيال وعلى ترف الروح ..... وهذا العصر عصر مادة شغل بها الناس عن الروح......ولكنه فترة لن تطول ، اذا لا يمكن للعقل وحدة أن يحكم الدنيا ... الحضارات والنبوات والفنون ، كلها ابداع القلب ، ولا يمكن أن تنتهى المعركة الا با نتصار القلب ...قلت :
- - وما رايك فى هذا الشعر الحديث المسمى بالشعر الرمزى ؟ قال ؟
- أنا افهم الشعر الذى نظمه شوقى ، وحافظ ومطران وبشارة الخورى وعلى الجارم وعلى محمود وطه وأمين نخله ومهدى الجواهرى وعمر أبو ريشة وأمثالهم ... الشعر العربى كما افهمه هو الديباجية العربية الصحيحة التى تتسع لكل خيال وكل معنى ، والتى تستطيع أن تبرز كل خيال وكل معنى ، بـأجمل زينة وأروع حلة .... هذا هو الشعر الرفيع كما أراه ... ولذلك فانا لست من انصار الشعر الجديد المتحرر من " الوزن والقافية ، ولا أرى انه ينسجم مع طابع الشعر العربى ، اذا لكل أدب طابعة الشعر العربى ، اذا لكل أدب طابعة .... هذه موجة ستنتهى حتما خدوا مثلا شعر الموشحات الاندلسية ، فعلى الرغم من انه لم يتحرر من الوزن والقافية ، بل احتفظ بهم .... وعلى الرغم من انه احتفظ بالديباجة والاسلوب العربين ، مع ذلك لم تستطيع هذه الموشحات أن تفرض نفسها على الشعر العربى ........... وعاد الشعر الى اصله الاصيل !

الشعر والوزارة !
قلت :
- هل الشعر فى رايك ، علم وصناعة أو موهبة ؟
- قال :
- موهبة ......... فى استطاعة البيت والمدرسة والحضارة والثقافة والزمان والمكان ، فى استطاعتها أن تبتدع فاتحا أو فيلسوفا أو عالما ولكنها لا تستطيع مجتمعة ، أن تبدع شاعرا ، فالشاعر أباع اللله وحده !
- قلت
- ما رايك فى شعر الاغانى التى نسمعها فى خذه الايام ؟
- قال :
- شعر الاغانى ، بالنسبة الى ما قبل عشرين سنة ، قد أرتفع ولكنه فى رايى لا يزال دون المستوى المطلوب ........ قلت .
- وهل تعتقد أن شعر الاغانى ، بالنسبة الى ما قبل عشرين سنة ، قد ارنفع ولكنه فى رايى لا يزال دون المستوى المطلوب ............
- قلت ...
- وهل تعتقد أن شعر الاغانى قد استطاع ان يتجاوب مع فورة النهضة التى تشهدها الامة العربية ؟
- قال :
انا أومن بأن الغناء فى هذه الفترة التى يمر بها العرب ، يجب أن يكون مهلبا للشعور القومى ومثيرا لعاطفة الحقد على الغاصب المستعمر ، ولكن لا يعنى هذا ، أن الغناء يجب أن يخلو من الناحية العاطفية التى يعبر يعبر بها الفنان عن اسمى ما فى النفس البشرية وهى الحب بمعناه الكبير .
قلت
- هذا لا ينطبق على شعرك فالشعر السياسى قد طغى على شعرك العاطفى ! فأجابا محتجا :
- ليس عندى شعر سياسى ، عندى شعر وطنى ، وعندما كنت أنظم فى الوطنية لم تكن قد أصبحت سياسة ...... الشعر الوطنى يستمد من ارفع ما يمكن أن يكون من العواطف الانسانية ...... عواطف الشعور بمحنة الوطن وكفاحه ..... أنا شعرى قليل ......... كله لا يتجاوز الستة الاف بيت ، وفيه قصائد عاطفية كثيرة ........ منها - مثلا - قصيدة " الدمية المحطمة " التى ترجمت الى الانجليزية ........ ومنها أخر قصيدة لى " السراب " وفيها أتغزل بالمراة وكاننى أتغزل بالسراب ، ثم اتغزل بالسراب وكاننى أتغزل بالمراة !
قلت .
وهل لك قدرة على النظم فى كل وقت ؟
- أبدا .... تمرعلى سنة أو سنتان ولا أنظم .. ولا أذكرانى فى حياتى أمسكت ورقة وقلما وصممت على نظم قصيدة ......... يجيئنى الشعر عادة بدون مقدمات ........ أحس بأن نفسى قد امتلات بفكرة أو صدر بيت أو عجزه ، وكثيرا ما أدون أبيات الشعر على علب السجاير !

الشاعر يصلح الوزارة
وشعرت بأننى اثقلت على الوزير وأخذت كثيرا من وقته ، وبعد أن طاف بنا فى منزله الذى يسكنه وحده ، وحديقته الصغيرة ، سالته وأنا أودعه :
- هل تعتقد أن الشعراء يصلحون ليكونوا وزراء ؟
- وأجاب .........أعتقد ذلك ........ يجب أن ينجح الشاعر فى الحكم اكثر من غيره ، لان المفروض فى الشاعر أن يكون نبيلا ، وان تكون روح الخير أصيلة فيه .