طرائف من السجون

- في سجن المزة
سجن الشاعر (قاف) في سجن المزة العسكري سنة 1959 بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي. وكان على المهجع الذي يقيم فيه سجان طيب القلب اسمه خليل، يحب السجناء السياسيين، وهم يحبونه، ولكنه كان يتقيد بتعليمات إدارة السجن، ولا يسمح بمخالفتها، من هذه التعليمات أنه لا يجوز أن يذهب السجناء إلى المراحيض إلا ضمن فترة محددة.
وعلى ما يبدو فإن الجو الرطب في السجن يضطر السجناء للتبول في فترات متقاربة، وكانوا يرجون خليلاً أن يسمح لهم بالتبول عند الضرورة، فلم يستجب، فقال له قاف:
- إذا كتبتُ لك بيتين من الشعر خلدتُك بهما، هل تسمح لنا بالتبول في غير الأوقات المحددة؟
سر خليل لهذا العرض، وقال وهو يبتسم: موافق.
فقال قاف:
يا أبا الخـلِّ سـلامـاً
من شذى المسك يطخُّ
أنت حَـبَّــابٌ ولكن
اتركِ الشَّعْــبَ يشخُّ
(على إثر هذين البيتين أصبح الشخاخ في ذلك المهجع كيفياً!)


2- أمر حزبي
سنة 1959، أمضى الأديب الساخر الكبير حسيب كيالي عدة أشهر في سجن المزة العسكري، على أيام الوحدة (اللي ما يغلبها غلاب)،.. بتهمة الشيوعية.
والحقيقة أن (حسيباً) كان يسارياً ديمقراطياً، وأما علاقته التنظيمية بالحزب فهشّةٌ واهية، لأنه لم يكن يقيم وزناً للتنظيمات السياسية العربية.
وكان في السجن عدد كبير من أعضاء الحزب الشيوعي البسطاء الذين كان حسيب يحبهم، ويتعاطف معهم، وهم أيضاً كانوا يحبونه، ومعظمهم يعتقدون أنه مسؤول كبير جداً في الحزب!
وكان هؤلاء الأنفار البسطاء قد تلقوا تربية حزبية صارمة، وأفهمتهم قيادةُ الحزب أن على الرفيق، حينما يُضْرَب أو يُعَذَّب، أن يهتف بحياة الحزب، ويُسَقِّط العملاء الخونة.
اقترب أحد الأنفار من حسيب وقال له:
- رفيق حسيب، الآن حضر الحاجب وأبلغني بأن أجهّز نفسي للتحقيق، ولا شك أنهم سوف يعذبونني.. ووقتها بماذا تنصحني أن أهتف؟ هل أحيي حزبنا والاشتراكية الأممية العالمية العظيمة؟ أم أقتصر في صيحتي على (تسقيط) الرجعيين الذين يحكمون البلد، أعداء التقدم والاشتراكية، عملاء حلف الشمال الأطلسي (الناتو)؟
لم يُعْجَبْ "حسيب" بهذه التربية الحزبية البائسة التي تجر على الرجل الشيوعي المسكين المزيد من الضرب في لحظة التحقيق، وقال للرجل، بجدية تامة:
- قبل أن يبدأ الجلاد بضربك قل له: دخيلك! يدي بزنارك يا أخي، لا تضربني، أنا داخل على عرضك، وداخل على الله وعليك!
بلغت دهشة الرجل مداها، وهمَّ بأن يقول له شيئاً، ولكن (حسيب) بادره يقول له بلهجة آمرة، ملتبسة:
- هذا أمر حزبي يا رفيق!

3- رفيق صادق
في حملة الاعتقالات للشيوعيين، أيام الوحدة (اللي ما يغلبها غَلاب)، ألقيَ القبضُ على مناضل عنيد، اسمه- فرضاً- (زيد)، وهو رجل قوي الإرادة والشكيمة رُبِّيَ في مدرسة الحزب تربية صارمة، تعلم فيها ألا يعترف بكونه شيوعياً، مهما كلف الأمر، ومهما كسَّر السجانون من العصي على قدميه، لأن الاعتراف يعني التخاذل، والتخاذل يؤدي إلى الانهيار، والانهيار يصب في مصلحة الاستعمار والإمبريالية والرجعية وأذناب الاستعمار.
سئل (زيد) أثناء التحقيق عما إذا كان شيوعياً، فأنكر، ضُرِبَ على قدميه فأنكر، عُذِّب بأحدث الآلات المتطورة المخترعة في المعسكرين الإمبريالي والاشتراكي، فأنكر..
تعرض لأكثر من عشر جلسات تحقيق وتعذيب، فلم يتوصل المحققون معه إلى نتيجة.
أخيراً قال لهم مدير السجن: يبدو أنه بريء فعلاً.
وأمر بتسليمه بإخلاء سبيله.
وَقَّع مديرُ السجن على وثيقة إخلاء سبيل زيد، وسلمه عهدته، واعتذر له عن كل عصا، وكل دولاب، وكل لسعة كهرباء تعرض لها أثناء الاعتقال. وشرح له أن ما يفعلونه في السجن مع المعتقلين أمر لا بد منه في سبيل حماية أمن الوطن من المؤامرات...
وكنوع من الإمعان في الاعتذار لزيد عما بدر من السجانين، قرر مدير السجن أن يرافقه إلى الباب الخارجي، وخرجا معاً، ومدير السجن وضع ذراعه على رقبة زيد بمحبة أخوية، وشرع يُضاحكه ويُمازحه، حتى أصبحا في الشارع، وتنشقا الهواء الطلق معاً. وقتها قال مدير السجن:
- الآن، كل شي مضى وراح، أحلفك بصلاة محمد، وهذه يدي على رأسك، أنت شيوعي أم لا؟
قال زيد: أنت حلفتني بصلاة محمد، وصلاته تحيي القتيل.. أي نعم.. أنا شيوعي!