أزمة سوريا

المأزق والقرار,وإمكانية الحلول المناسبة
(أزمة سوريا اليوم)
العلاقة البسيطة:مثير_استجابة, تحكم الفكر والسلوك بشكل دائم ومستمر. أسوأ أشكال
الاستجابة تتمثل في ترك المتغيرات المستجدة تفعل وتعيد تشكيل الواقع, بدون تدخل الوعي والإرادة والتخطيط. ذلك الخيار العدمي ليس مقتصرا على السلوك الفردي الخاص,وليس نادرا في استجابات الأفراد وحتى الدول, وتمثل استجابة الحكم السابق في العراق للمتغيرات الإقليمية والعالمية الخيار العدمي بالتمام والكمال. بغضّ النظر عن تقييم ما جرى في العراق, كانت الاستجابة في إنكار الواقع القائم والاستسلام للأوهام والرغبات الطفالية,بعبارة أخرى تمّ الحل بإغماض العين وتمني حالة الثبات المستحيلة.
السيناريو العراقي واحد من الاحتمالات الوارد تكرارها في سوريا, وهو أسوأ ما يمكن أن يحدث لسوريا حكومة وشعبا, وينبغي العمل على استبعاده, من خلال استجابة أو استجابات واقعية وممكنة, وشعوري بالخطر والمسؤولية أيضا سبب هذا الرأي والاقتراحات, التي تحمل نواقص وتسرّع وربما حماقات و تستقيم بالحوار فقط.حقّي وواجبي يدفعاني إلى التفكير في حلّ يحقق الحد الأدنى من الخسارة,إن أمكن ذلك.

تتعرض سوريا اليوم وبالأخص صانع أو صنّاع القرار لأعاصير هوجاء اجتماعية وسياسية وقد تتحول إلى عسكرية, تتطلب المبادرة والقرارات الإبداعية, التي ربما تأتي بحلول مناسبة أو تجنّب البلاد ما هو أسوأ, ولا تقتصر نتائجه على طرف سوري أو جهة بعينها, سياسية كانت أم عرقية أم طائفية, الخطر يطوّق أغلبية السوريين في لبنان وسوريا وهو ما يبرر ويوجّب محاولات البحث عن حلول آمنة أ وأقلّ ضررا,وضمنها محاولتي المتواضعة هذه والتي يقتصر مسعاها على تجنّب الخسارات الإضافية .
يختلف المأزق عن المشكل بانعدام الحلول الواقعية المناسبة, وزيادة الحاجة إلى اتّخاذ القرارات المؤلمة. وهذه حالة سوريا اليوم كما أراها من موقعي الهامشي الذي يتيح لي الإصغاء لمختلف التيارات الفكرية السورية وتصوّراتها المختلفة عن الأزمة والحلول.
بعد جريمة اغتيال الحريري وضعت سوريا حكومة وشعبا في مركز الاهتمام العالمي, وفي صدارة لائحة الاتهام وتضاعفت الضغوط والمطالب على صنّاع القرار والرأي في سوريا,وهذا الموقف يضعف التركيز ويشتت الانتباه على الصعيدين الفردي والعام. وفي هذا السياق أجد من المناسب التذكير بثلاث قرارات ومواقف قام بها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد,خلال فترة حكمه الطويلة لسوريا, وقد دلّلت على رجل دولة من طراز خاص,الموقف الأول في تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة ومدمّرة مع إسرائيل سنة 1982,وقد كنت ممن اعتبروا ذلك الموقف خيانة في حينها, وأدركت خطأي بعد زمن, والموقف الثاني أثناء حرب الخليج الأولى, حين وقف مع الشرعية الدولية في حرب تحرير الكويت, والموقف الثالث في الأزمة السورية التركية سنة1998وكنت قد انتقلت نهائيا من الموقف الثوري الرومانسي إلى الموقف النقدي والعقلانية, واعرف وأعترف اليوم أنه جنّب البلاد ثلاث كوارث محققة لو لم يتّخذ القرار الصائب والصحيح.

*

ما هو المطلوب من الحكم في سوريا اليوم(داخليا وخارجيا) وهل بينهما علاقة؟
اختلفنا أم اتفقنا على شرعية المطالب الأمريكية من الحكومة السورية, فهي تمثل شرعية القوة والأمر الواقع,والجدال حول شرعية تلك المطالب لا يغيّر من واقع الأمور ونتائجها في شئ.توجد مطالب واضحة وصريحة ويمكن جمعها في ثلاث حزم:ا_ الموقف من التنظيمات المسلّحة في العراق وفلسطين ولبنان ب_ الموقف من عملية السلام وفكّ الارتباط مع المسار اللبناني ج_ الموقف الداخلي السوري. تتسم الاستجابة السورية الرسمية للمطالب الثلاث بالغموض والتناقض,الموقف الإعلامي يختلف عن التنسيق الأمني ويختلف الاثنان عن المواقف المتفرقة التي يعبر عنها المسؤولون في المواقع المختلفة. في العراق توجد حكومة شرعية منتخبة ومن المناسب إقامة أفضل علاقات حسن الجوار والأخوة معها, وفي فلسطين يوجد رئيس شرعي ومنتخب بالأغلبية ولا مبرر للتعامل الجانبي مع الفصائل الأخرى, أما لبنان فمن المناسب دعم الحكومة الشرعية التي ستأتي بها الانتخابات قريبا, وحزب الله شأن لبناني أولا وأخيرا, وأهل مكة أدرى بشعابها, أن يتحول إلى حزب سياسي أو يحافظ على خصوصية لبنانية فهو أمر يقرره المجتمع اللبناني فقط. ما كان يمثّل بالأمس أوراق ضغط بيد الحكومة السورية تحول اليوم إلى عبئ على الحكم والشعب السوري معا, آن أوان الانتقال من عقلية وموقف الثورة إلى منطق الدولة,ولا أعتقد أن من سيخسر في سوريا نتيجة ذلك سوى أفراد مرتكبين قلّة,لن يكسبوا من دمار البلاد شيئا.
بالنسبة لسؤال السلام والموقف منه, ربما من المناسب صياغة موقف سوري واضح وهو سيحرج حكومة شارون أمام الرأي العام الإسرائيلي والعالمي, ويلجم شهيتها في الأرض السورية, واعتقد أن سلاما شاملا ودائما, حاجة سورية فعلية للتنمية وللاستقرار, وللتطلع إلى مستقبل يمكن أن تصلح معه هذه البلاد للعيش والحب,خصوصا بعد عودة العمالة السورية من لبنان, وما سينجم عن ذلك من أوضاع اجتماعية ومعيشية قلقة وخطرة.
يمثل الوضع الداخلي السوري المرتكز الأساسي والدائم لجميع الخيارات والمواقف, وتلك الخطوة التي بدأها السيد الرئيس مع خطاب القسم,لا يوجد واقعيا سوى تكملتها بتحديد ووضوح أعلى, وهي السلاح الأقوى أمام المخططات والضغوط الخارجية, إصلاح الدولة السورية هي المفتاح والباب والحل الوحيد للخروج من الأزمة. عدا ذلك انتحار جماعي سياسي ووطني في مواجهة غير متكافئة وغير عقلانية مع أمريكا والغرب أو قبول مهين لشروط وليس مطالب ستضعها الإدارة الأمريكية بلا نهاية.

يبقى سيناريو متخيل: مطلب سوري للانضمام إلى الاتحاد الأوربي بلا شروط, سيحقق نتائج باهرة على جميع الصعد, وثمنه زهيد للغاية, التضحية بالكرامة والخصوصية التي لم يتبقى منهما شئ إلا الفقر والجهل والتسلط.
من سينقذ سوريا اليوم وكيف!؟ ,ويبقى السؤال المقلق