فوق قمم الأشجار

(يمكنك أن تزين نفسك بريش غيرك، ولكن لا يمكنك أن تطير به)‏

لوسيان بلاغا‏

هناك بعض الأسماء المعروفة بشكل عام مثل: كونت دراكولا، ناديا كومانيتشي، شاوشيسكو، تنتمي إلى مكان مشترك، وهو مكان يعلم البعض أنه بقعة شيوعية يلفها الغموض إلى حدٍ ما، أو ربما جزءٌ من معسكرٍ شيوعيٍ، ونادراً ما تزيد معلوماتنا على ذلك.‏

أود أن أقدم تعريفاً عن هذا المكان، وأنوي استثناء الجزء الأخير من تاريخ طويل لم يكن له تأثير يُذكر على ثقافة هذا المكان وروحه. لذا سأحاول عزل أصل، «حضور» بالمعنى الهايدغري(1)، أو قاعدة تشكل أساس كل ما هو موجود... فتضفي بذلك الشرعية على هذه الأخيرة باعتبارها كائنات، بمعنى أنها تشكل أساسها المعتمد والهام.‏

لنحاول أن نسلك طريقاً من البحر ينحرف وينعطف عبر الحقول، وعلى ضفاف الأنهار، باتجاه الجبال، وفي أراضي داسيا(2) القديمة، منطقة أثرية تقع في الجنوب الشرقي من أوروبا، سكنها التراسيانيون Thracians، صارت لاحقاً آخر مقاطعة رومانية. آمن هؤلاء السكان بالخلود، لذلك «كانوا أكثر شجاعة واستقامة من غيرهم»(3).‏

وقد ترك كل من الإغريق، والرومان والعثمانيين، خلال غزواتهم، بصماتهم على قلوب شعب تلك المنطقة الجميلة (وهم مستلقون على شاطئ البحر، حيث تعقد الأمواج عقداً بيضاء يتخذ منها القمر عشاً دائرياً له. كان يعيش في هذه المنطقة أناس مسالمون وبسطاء، رعاة ومزارعون، اعتادوا أن يتجمعوا في الأمسيات حول النار يتبادلون الشعر. ولكن بين الفينة والأخرى، كانوا يسمعون كلاب الحراسة وهي تنبح في حظائر الغنم، فيسرعون للتصدي للغزاة التتر والآ?ار والمغول والبولنديين والأتراك أيضاً)(4).‏

لنحاول أن نقدر قيمة الوحدة التي ينشئها جسر يصل بين أطراف تأثيرات متنوعة كثيرة. ولابد من إطلاق اسم على هذه الأرض المحاطة بالغابات الكثيفة أو بالسهول الخصبة، ليكن ذلك الاسم رومانيا. في هذه الجولة أختار، كدليلٍ لي، صوتاً يستحق أن يمثّل شعبه، وأفضل من عبر عن حسّ شعبه الأخلاقي، ألا وهو الشاعر: ميهاي أمينسكو (1850 ـ 1899)، المكرّم بـ: «القمة والعقيدة»(5)، و«رمز الأدب الروماني»(6).‏

تشمل أعماله كل أنواع الشعر: (العاطفي، الفلسفي، الكوني، الخرافي، التاريخي، والهجاء الاجتماعي)، إضافة إلى النثر والكتابات الصحفية. وقد تجاوز إرثه الأدبي حدود الرومانسية، والتقاليد الفلسفية والأدبية أيضاً، وتأثير أدب الشرق الأقصى وكذلك البصمة الواضحة للأدب الشعبي الروماني. وقد نجح في إيجاد عالم شخصي من المعاني حول الحياة البشرية للكون بوصفه نظاماً متناغماً وذلك في نماذج بدئية ذات أهمية كونية. يتميز شعر إمينسكو ببساطة لغوية فريدة من نوعها، وبتناول بارع للقافية والشكل الشعري، وبعمق الأفكار وليونة التعبير مما أثّر تقريباً في أعمال كل الكتاب الرومانيين المعاصرين له والذين تلوه.‏

اعتاد الناس في بلده، في حياتهم اليومية، في أوقات السلم النادرة أو في أوقات الحرب المتكررة، أن يعبدوا إلهاً كونياً يدعى ( زالموكسيز)(7)، المنشئ لفكرة الحياة بعد الموت. وقد ركزوا في صلواتهم على طلب القوة لمواجهة القدر المحتوم، والرضا بالأحداث السعيدة أو المآسي المحتومة على حد سواء.‏

عندما لم يكن الموت موجوداً، أو حتى الخلود،‏

قبل أن تحرر بذرة الخلق الحياة للمرة الأولى،‏

عندما لم يكن الأمس شيئاً، ولم يبدأ الزمن بعد،‏

عندما كان الواحد يشمل كل شيء، وكل شيء أقل من الواحد،‏

عندما كانت الشمس والقمر والسماء والنجوم‏

والأرض التي تدور،‏

ما تزال كلها جزءاً من الأشياء التي لم تولد بعد،‏

وأنت تقف بمفردك.... سألت نفسي بوجل،‏

من هذا الإله العظيم الذي ننحني أمامه؟‏

إليه أدين بعينيّ لأني أستطيع أن أرى بهما الفجر،‏

إليه أدين بقلبي الذي تملؤه الرحمة.(صلاة من داسيا)(8)‏

(أنا هنا كي أجعلك تخضع) تلك هي الجملة المعتادة والمتكررة للتعريف بالذات التي استخدمها أولئك الذين قدموا مراراً وتكراراً. حتى في مثل تلك اللحظات، ودون معرفة الهدف الحقيقي للغزاة، لم تسمح عادة حسن الضيافة إلا بالجواب التالي:‏

يا سيدي، مهما يكن غرضك والطريقة التي أتيت بها إلى هنا،‏

وطالما أننا على وفاق ووئام فإنك موضع ترحيب كبير.‏

أما بالنسبة لإخضاعنا، أيها الحاكم المهيب، فإننا نرجو منك المعذرة!‏

ربما تعتزم أن تضربنا برجالك وعدتك الحربية،‏

أو ربما سترتد على أعقابك في التو واللحظة،‏

بقلم ليون ليفيتشي وأدريه بانتاس.‏

لتغدق علينا بذلك نعمة من نعمك الملكية....‏

مهما يكن الأمر، وفي مختلف الأحوال والظروف....‏

كل ما يأتي به القدر،‏

سواء حرب أم سلم،‏

سننتظره بسرور واستعداد. (الرسالة الثالثة ص 303)‏

إن جواباً كهذا لن يسرّ أي شخص يأتي وفي نيته احتلال البلد. فقد تعرضت هذه الأرض لقرون مضت لاجتياحات عدة كالقوط والمغول والآ?ار والسلافيين والبلغار والمجر. فالمناجم الغنية بالفضة والمعادن والذهب والحبوب والثروات الطائلة، إلى جانب موقعها الاستراتيجي بين الشرق والغرب، بين المسيحية والإسلام، كل ذلك جعل من رومانيا ساحة للقتال لا تهدأ، لا تعرف زماناً أو مكاناً. ثم أتى العثمانيون والفناريون (حكام من أصل يوناني باسم الباب العالي) تبعهم بعد ذلك الألمان، ثم الاتحاد السوفياتي. كانت داسيا، التي أطلق عليها فيما بعد اسم رومانيا، بلداً صغيراً محاطاً بقوى كبرى، وقد احتاج شعبها إلى إرادة قوية ونظام واعتداد بالنفس ليستمر بالحياة. ولأولئك الذين أتوا بهدف الغزو، كان الجواب دائماً:‏

لا أرغب على الإطلاق أن تأتوا لتتعرفوا إلينا عن قرب،‏

ولن ترتفع أمواج نهر الدانوب الهائج عندما تغرق فيه جيوشكم.‏

كثيرون أتوا منذ الأزل إلى هنا ـ داريوس العظيم‏

كان الزائر الأول ـ كما يذكر التاريخ القديم.‏

منذ زمن بعيد، بنى الكثيرون جسوراً عبر الدانوب‏

هنا وهناك،‏

كثيرون من الناس رحلوا مع كلاب الجحيم‏

إلى الضفاف الشمالية؛‏

والأباطرة ذوو الأفق الضيق في احتياجاتهم‏

والذين يظنون أن الأرض تتألف من أربعة أقسام‏

زاروا أيضاً هذا البلد طمعاً بأرضنا ومياهنا....‏

أكره أن أتباهى، أو أن أخيفكم، ولكن انتبهوا‏

جيداً، عندما وصلوا إلى هنا،‏

تعرضوا لمشاكل جمة‏

وسووا بالأرض.(الرسالة الثالثة ص 307)‏

أنا أدافع فقط عن فقري، وعن مشاكلي،‏

وعن قومي.....‏

لذا، كل ما يتحرك في هذا البلد، سواءٌ‏

كان نهراً، نسمةً، أو شجرة بلوطٍ،‏

هو صديقٌ وفيٌّ لي فقط إلا أنه‏

عدوٌ لدودٌ لك،‏

وبرغم جهلك سيُظهر كل شيء‏

باستثناء الكراهية.‏

نحن لا نملك جيوشاً، رغم ذلك، شهرتك‏

العظيمة لن تروعنا وتهزّ‏

تعلقنا الشديد بوطننا،‏

لأنه جدار لا يعرف الاستسلام. (الرسالة الثالثة ص 309)‏

على الرغم من ذلك، كانت الحروب دائماً حتمية؛ إذ لم يكن أحد مستعداً (أن يغدق علينا نعمة من نعمه الملكية). كان الإله زالموكسيز، الذي استُبدل فيما بعد بيسوع المسيح(9)، النعمة الوحيدة التي يتطلع إليها أولئك الناس الذين استمدوا قوتهم من خلال الأمل بالحصول على مساعدة وتشجيع إلهي.‏

يندفع الفرسان بانتظار الإشارات،‏

الأوامر، الأخبار من المنادين،‏

بركاباتهم الخشبية غير المصقولة‏

يهمزون جيادهم الشرسة،‏

فتضرب الأرض، بنزق، بحوافرها،‏

ثم تندفع فوق المراعي الخضراء.‏

تحت أشعة الشمس تلمع الرماح،‏

وتُشدّ الأقواس في الهواء،‏

وكسحب من النحاس والبرونز، ومع‏

صوت الهتافات المدوية،‏

تتطاير السهام من الجبل إلى الوادي،‏

معتمة الأفق بأكمله،‏

تئزّ، تطنّ كالزوبعة،‏

تنطلق كوابل المطر،‏

فيضج ميدان المعركة بالهتافات‏

الحربية وقعقعة الخيول.(الرسالة الثالثة ص 311)‏

لاقى الأتراك، الذين كانوا يرغبون بالسيطرة على الأراضي الممتدة إلى ما وراء الشواطئ الجنوبية للبحر، العواصف المفاجئة التي ضربت مياهه، فارتدوا وهم مندهشون من سوء استقبال ما سموه فيما بعد البحر الأسود. وفي النهاية، يبسط الجيش الروماني مجده ويجبر الغزاة على الانسحاب باتجاه الدانوب. وتتوضع أشعة الشمس كالتاج الدُرّي فوق قمم الجبال.‏

يعود الآن الجنود إلى وطنهم ويستعيدون طريقة حياتهم التي هجروها، غير أنهم واعون للقصر الحتمي لفترة السلم. ينظر الراعي إلى النجوم ويتغنى بها، ويحصيها، ويحاول أن يتعرف إليها، ثم يغطّ، تحت أشعة النجوم والقمر، في نوم هانئ، وينظم تنفسه إيقاعٌ عميقٌ وهادئٌ. وعندما يستيقظ يغني بالإيقاع نفسه لأغنامه. تولّد هذه الإيقاعات كلمات وعلى أنغامها يُولد الشعر(10). وربما ينجم عن الكلام الكثير من الشعر، سواء أقوال مأثورة أم حكايات، وذلك بتنظيم قافيته العادية.‏

وجدت اللغة الرومانية للمرة الأولى عام 1521، وكانت النصوص الأولى دينية. فقد استعملت الكنيسة في السابق اللغة السلافية في طقوسها الدينية. تعود اللغة إلى أصل لاتيني في بنيتها ومفرداتها الأساسية. وكل ما يتعلق بحياة الإنسان على الأرض وتحت السماء، باعتباره كائناً حياً، يعود إلى هذا المنهل العظيم. بعض المفاهيم مثل: الإله، البلد، القلعة، القانون، كلها لاتينية. وقد جلب الغزو السلافي مفرداته معه ليعبّر عن الوضع الجديد للتبعية والعبودية. وأصبح الغزاة الآن: المالكين، الأسياد، وأصحاب الأراضي(11). واصلوا سعيهم وراء الثروة، الجشع، الاعتداد بالنفس، الصلابة والقسوة. وبوجودهم أصبح الفرد الروماني عبداً فقيراً، ضعيفاً ومسالماً. وأصبح خادماً يتعرض لمختلف المحن: النزوات، الاضطهاد، العقاب، المشقّة، المرض، الاشمئزاز، النوائب، المشاكل، الحقد، الشهوة، الخسارة، اللوم والحزن. الآن أصبح السيد الجديد يدفع له، يطعمه، يتصدق عليه، يعطيه الفرصة ليتألم، ليكون خنوعاً ويندب، ليشعر بالذنب ويهان، ويأتي من السيد: التوبيخ، التشويه، ادعاء صفات الله، الترحيل، الإحباط، الموت، الخسارة وأخيراً الجنون.‏

أما الكلمات الأخرى فتعبر عن الغزو، وعن النكبات. فقد نشأ الشعر الروماني من كلمات لاتينية رزينة، من لعثمة سلافية متناثرة، من قَسَم هنغاري، ومن لثغة إغريقية(12).‏

ليس من الصعب تخمين التغيير الذي حدث في الموقف العقلي للناطقين بمثل تلك اللغة «المرقعة»؛ لأنه «لا بد من توضيح المعنى اللغوي والمضمون العقلي معاً»(13).‏

وقد أصبح كل من مفهومي الثقة بالنفس والأمل غريبين إلا أنهما استعيدا شيئاً فشيئاً مع اقتراب الحكم من نهايته.‏

ومع استقرار الحياة الاجتماعية، كانت ذكريات أيام الطفولة والشباب، تعود في لحظات التأمل، إلى ذاكرة المرء. فيشعر البعض بالندم على البساطة المفقودة؛ إذ بإمكان المرء أن يجد السعادة والروعة بطريقة عفوية.‏

مرت السنون كما يمر السحاب فوق الجبال‏

والوديان‏

ولن تعود ثانية إلينا، بحق،‏

لأنني لم أعد أفتن كما كنت في شبابي‏

بالخرافات، والألغاز، وحكايات الجن‏

التي كانت تضيء جبيني وأنا‏

طفل.....‏

شبه مدرك، مع إحساس داخلي مبهم.‏

(قصيدة مرت السنون ص: 439)‏

يسود في المدينة شعور بالاختناق والتوق إلى الطبيعة. فحياة الفلاحين الخالية من التعقيد ومن فساد الحياة المدنيّة، والغابات الكثيفة، وفصول الربيع المشرقة، بالإضافة إلى حياة القرية الفطرية في الوادي، والأفكار الساحرة والصور العقلية، كلها تنادي المرء من الخلف فتملأ قلبه بالكآبة.‏

موحش يبدو صوت البوق في المساء فوق الهضبة‏

تعود قطعان الأغنام، والنجوم على طريقهم‏

ما تزال تتلألأ،‏

ينابيع المياه تنتحب بخرير صاف...‏

السحب تجري بهدوء، يمزقها شعاع القمر‏

إرباً،‏

الأكواخ ترفع أسقفها القديمة إلى مدار القمر‏

لتتساءل،‏

مجاديف الينابيع تصرّ في نسيم‏

الغسق،‏

الدخان يلف الوادي، وألحان الناي المنبعثة من الحظائر‏

تطوف هنا وهناك.‏

متعبون من العمل الشاق، عاد الفلاحون‏

من الحقل،‏

من الكنيسة القديمة، ملجأ العامل‏

ملاذه،‏

أصوات الأجراس تصل عنان السماء.‏

(أمسية فوق الهضبة ص 438)‏

السماء، الشمس، القمر، نجم المساء، الليل، الفصول، الغيوم، العاصفة، العاصفة الثلجية، الثلج، البحر، النهر، تألق المياه وخريرها، حفيف أوراق الأشجار، الأزهار والعصافير، تتمازج كل هذه الأشياء في بيئة ملونة وموسيقية، تواصلٌ متناغمٌ بين كل هذه العناصر في الطبيعة من جهة وروح المرء من جهة أخرى. يجلس المرء عند حافة الفراغ، عند شاطئ البحر، تواقاً إلى غابة عميقة كثيفة، متطلعاً إلى طريقة لصنع ما هو مرئي بغية كشف اللامرئي، حالماً باللامتغير في خضم الأشياء المتغيرة كلها.‏

لذا أرجو أن يكون نومي هادئاً،‏

والغابة دائماً قريبة،‏

والسماوات دائماً صافية،‏

ولا يعكر صفو المياه شيءٌ.‏

كما سأتوقف أخيراً‏

لأخوض في فوضى العالم،‏

لحظات الماضي العزيزة‏

ستجثم على ضريحي.‏

النجوم، وأصدقائي الذين يسترقون النظر‏

عبر النيران الظليلة، في الأيام الخالية،‏

سيبتسمون، وعلى الدوام‏

سيراقبون ويحرسون نومي.‏

(النعمة التي ألتمسها مؤخراً ص 445)‏

تبدو قبة السماء فاصلاً أيقونياً منشقاً يهبط منه العدم. يجلس المرء تحت «قوس أسود تبلغ أعمدته النجوم»، ويرغب أن يخرج من مجرى الزمن الصاخب ليدخل نفسه في كثافة الصمت المطبق.‏

في زاوية غرفتي‏

بيوت العنكبوت هي ثروتي الوحيدة‏

وبين أكوام المجلدات‏

تركض الجرذان خلسة جيئة وذهاباً.‏

وسط عذوبة هذا الهدوء‏

أرفع نظري إلى المصباح‏

وأستمع إلى صوت قضمهم‏

فوق أغلفة كتبي. ( العزلة ص 212 )‏

يُمضي المرء أيامه في جوف غرفته، غارقاً في التفكير في أسباب وجوده فيصاب بلامبالاة متغطرسة:‏

لتزول كل الأعين المغرية من طريقي!‏

عُد إلى صدري، أنت أيها الحزن اللامبالي!‏

فربما أموت عندئذ بهدوء، أعيدوني إلى‏

وجودي الشخصي!(قصيدة غنائية على الوزن القديم ص 435)‏

يبرر هذه اللامبالاة الإدراك الكامل لدورة العالم التي لا تنتهي:‏

مهما تكن الطريقة التي تظهر بها الأشياء‏

بالطريقة ذاتها ستدخل في دوامة،‏

ولعدة آلاف من السنوات،‏

المرح والحزن حكما العالم؛‏

أقنعة أخرى ـ إلا أن المسرحية ذاتها،‏

شفاه أخرى ـ إلا أن اللحن ذاته،‏

خُدعتَ كثيراً، إلا أنك ما زلت ثابتاً،‏

لا تكن عبداً للأمل أو للرعب.(التفسير ص 427)‏

في هدوء الليل، تثير القضايا البشرية قلق الإنسان، وبينما يحاول التوصل إلى إجابات مختلفة، يستبدل المرء الآلهة بكائنات خفية: وجود، عدم وجود، أسرار مبهمة، أم، أب. لا يهم كم هو عدد المرات التي نجيب بها عن ذلك السؤال، إذ يبدو وكأن هناك على الدوام شيئاً ما يبقى غامضاً. جهنم، الهوّة، إخفاق المرء في محاولة فهم ما لا يمكن فهمه... ثم شرارة مفاجئة عن عالم مخلوق:‏

هل هي جهنم؟ أم الهوة؟ هل هي سهول‏

لا نهاية لها؟‏

لم يكن هناك حالة من الحكمة، ولا حتى‏

عقل ليفهم.‏

لأن الظلمة كانت شديدة كما هو‏

ظل المحيط،‏

والعيون، إن وجدت، يمكنها‏

أن تشكل عنه فكرة.‏

لم تكن ظلال الأشياء غير المصنوعة‏

قد بدأت تومض بعد‏

وبقناعتها الذاتية، يسود السلام السرمدي‏

كل ما هو أسمى.‏

فجأة، تبدأ نقطة بالتحرك ـ إنها نقطة البداية،‏

أو الآخر المتوحد....‏

ثم تصبح خصوبة الأب، ومن العدم‏

تصنع الأم.‏

إنها أضعف من نقطة الماء، هذه النقطة الصغيرة‏

التي تتحرك وتقفز‏

ما هي إلا الحاكم المطلق لمجالات‏

العالم غير المحدودة. (الرسالة الأولى ص 261 )‏

إن جميع القضايا الجدليّة، ليس فقط الفضول المطلق، بل الرغبة بمعرفة المجهول تدفع المرء للبحث عن معنى ضمني يكمن وراء تنوع حياة الإنسان، وتفرض عليه الوصول إلى أعماق جديدة للتبصر وقمة التفهم. التساؤل، والدهشة من التنوع العظيم للتجربة البشرية، والتجارب التي تثير القضايا التي لا يمكن الإجابة عليها عن طريق الاستنتاج المنطقي، ولكن فقط عن طريق العيش في الحياة نفسها:‏

عندما أتفكر ملياً في حياتي، تبدو لي‏

دفقاً ثابتاً...‏

رواية تروى ولكن ببطء، بواسطة أفواهٍ‏

لا أعرفها....‏

كأنني لم أعشها قط، أو كان لي‏

دور ما فيها!‏

من ذاك الرجل الذي أخبرني القصة‏

المحفوظة عن ظهر قلب؟‏

منذ متى وأنا أصغي إليه ـ وأضحك على‏

ما يقال،‏

وكأنني أضحك على أحزان شخص غريب؟...‏

يبدو لي أنني ميت منذ أمد بعيد.(الكآبة ص 551)‏

بحكم اضطرارهم دوماً إلى القتال، وعلى الرغم من توقهم للحياة البسيطة في أحضان الطبيعة، في محاولةٍ للبحث عن معانٍ لما يرونها، يبدو أن الرومانيين ربما يفتقدون أي نوع من أنواع السعادة. إلا أنّ الرومانيّ، بشكلٍ عام، شخصٌ مرحٌ ومتفائلٌ تمكّن طوال حياته من أن يطوّر نوعاً غريباً من حسّ الدعابة يتقلب من السخرية والتهكم إلى التهكم الذاتيّ، أي السخرية من أحزان المرء الشخصية. كان هذا سلاحاً لا يمكن لأحدٍ أن يجرّد مالكه منه، كما أنه ملاذه أيضاً. وقد تعلم عقل الإنسان أن يجمع في وقتٍ واحدٍ بين طولي موجتين مختلفتين، ضمن عالمين مختلفين من الحديث، قافزاً من مضمونٍ ترابطيٍ إلى آخر. يقول هنري برغسون(14) إن المرء يعيش بمشاعر متناقضة، وبتنوع مزاجي كبير، وبنوع من «التخدير القلبي الآني». والعاطفة التي يهجرها الفكر تجد لها متنفساً في الضحك. ولذا فإن قلب الإنسان المجرد من العواطف، السلاح الوحيد الذي يُسمح له بحمله، والمدعوم بذكاء فطري، يخلق ضحكة غريبة، مستمدة من عناصر متنوعة، غالباً غير واعية: كالاكتئاب المقموع، والقلق المكبوت، حتى شعور اللامبالاة تجاه الأشياء أو الأحداث التي لا يملك المرء حرية التعبير تجاهها.‏

على الرغم من ذلك، مر الزمن وأصبحت كل حقبة شيئاً فشيئاً جزءاً من المعرفة التاريخية للشعوب، علاوة على أنها أصبحت جروحاً في قلوبهم لم تندمل، وتوقاً من الأعماق لما يعني أن يكون إنسانياً. ومن خلال الصدامات الثقافية المتكررة، تم استيعاب آثار ثقافية مختلفة، الأمر الذي وسّع من أفقهم، وأغنى أفكارهم. على الرغم من ذلك، فإن الوحدة التي جمعت أطراف التأثيرات العديدة والمختلفة هي الروح الرومانية، أو بمعنى آخر القاعدة الأساسية التي واصلت صمودها ضمن القوة التي اكتسبتها من خلال الوقت والنضال. واليوم يعيش الناس سعداء بعد أن سنحت لهم الفرصة ليصبحوا كما كانوا يتمنون على الدوام: كائنات بشرية حرّة تعيش بإيمان حياة بسيطة ومسالمة، دون أن يتلقوا على الدوام تعليمات عما يتوجب عليهم أن يقولوه أو يشعروا به أو يفكروا فيه، وذلك من قبل أولئك الذين لم يحاولوا مطلقاً أن يتفهموا طريقتهم الخاصة في فعل كل ذلك. وأخيراً، آن الأوان لأولئك الناس أن يعيشوا كالأطفال(15)، حياة طبيعية وحرّة، لا يمتثلون في «حصتهم في السماء»(16) إلا لأحلامهم وتطلعاتهم الخاصة.‏

دانا سوغو: باحث روماني الأصل عاش في كالكوتا.‏

الآداب الأجنبية
المرجع:‏

Bulletin of the Ramakrishna Mission Institute of Culture‏

(1) مارتن هايدغر: (On the question of being) مطبعة جامعة كمبريدج عام 1998. ص: 300.‏

(2) عاش Getians جنباً إلى جنب مع القبائل الأخرى، وعرفوا فيما بعد بالنسبة للرومان بـDacians، الذين عاشوا في الجبال شمال سهل الدانوب وفي حوض ترانسل?انيا. وتمكنوا من إقامة مجتمع متميز وحضارة مزدهرة في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد.‏

)3( )The History of Herodotus)لندن، نيويورك 1890.‏

)4( )They had to have a name)): Marin Soresen) ص: 28- 29.‏

)5( Aurel Martin, Foreword to Mihai Eminescu (Bucharest: Minerva, 1978), P.28.‏

)6( Amita Bhose, Eminescuand India (lasi: junimea, 1978), P.xi.‏

(7) تمثل عبادة زالموكسيز للشعب الروماني نوعاً من الوحي الأساسي والتحضير البروتستانتي‏

(8) جميع القصائد التالية تعود إلى كتاب(القصائد) لـ: ميهاي إمينيسكو- بوخارست 1978 ترجمت إلى اللغة الإنكليزية.‏

(9) وصلت الديانة المسيحية إلى داسيا للمرة الأولى تحت حكم الامبراطورية الرومانية في بداية القرن الرابع قبل الميلاد. وبسبب خضوعها فيما بعد للامبراطورية البلغارية الأولى اعتنقت داسيا الأرثوذوكسية الشرقية.‏

)10( Nicolae lorga, History of Romanian literature(Bucharest: Minerva, 1985)P.19.‏

(11) الكلمات الإيطالية من أصل سلافي.‏

)12( George Calinescu, History of Romanian literature (Bucharest: Litera, 2001) P.21.‏

)13( Alexander Miller, Philosophy of Language (London and New York: Routledge, 2004), P.21‏

)14( Henry Bergson, Lauther: An Essay on the Meaning of Comic, from‏

http://www.authorama.com/book/laughter.html,ch.1, par.2‏

)15( J.M.Coetzee, Waiting for the Barbarians (Harmondworth, Middlesex: Penguin), P.133.‏

)16( Constantin Noica, Cuvint Impreuna des pre Rostirea Romaneasca (Bucuresti: Editura Eminescu, 1987), p.107‏