أبو الجود رواية تصدر قريبا

مرت شهور يا أبا الجود :
مرت عدة شهور على تعارف كفاح و مريم و كان كفاح يرى فيها كل ما ينقصه في زوجه البلغارية و بدأت هي تحبه حباً صادقاً ... تحابا و تعاهدا أن يبقى حباً عفيفاً ، و رغم بكاء مريم على كتفه مراراً لغربتها و شوقها لسورية و أهلها و تعبيرها عن الألم لحاجتها الى الحب الا أن حبهما بقي نظيفاً ... قال لها كفاح مرة:
- كم أتمنى لو كنت زوجتي و لكني لن أمسك و سآخذك بنفسي الى دفاع الأطروحة و من ثم الى الطائرة لتعودي الى سورية و تصبحي أستاذة جامعية و لابد أنك ستجدين شريك حياة محترم
- لكني أحبك
- ستضيعين معي و ربما لا أعود
- ربما تكون محقاً لكن تزوجني و سأنتظر هناك
- هذا عبث
- أقبل أن أكون زوجة ثانية
- لست أنانياً ... بكل حال سافري أنت و ربما أزور سورية بعد ستة أشهر
- صحيح !
- نعم
كانت قصة مريم واحدة من محطات حياته التي انتظر فيها القطار الذي لا يأتي ...

القتل خطأً يا أبا الجود :

في احدى ليالي صوفيا الباردة و في حصارات العمر المتعددة ارتكب كفاح خطيئته الثانية ... لقد قتل زوجته !
دخل الى المنزل يلتف بمعطف روسي سميك و هو يلهث لأنه سمع صوت (كريم) من الشارع يصيح (بابا ... بابا) و ركض داخلاً في مدخل البناية ثم السلالم و لم يعرف كيف قفز الى الطابق الثالث برغم رجله المعطوبة ، فتح الباب ليجد الأم و الابن في مشهد فظيع ...
كانت فيرا تحمل سكيناً تهدد فيه ولدها و تقول :
- تريد أباك ها ؟ تريد العربي الأعرج ها ؟ أين هو أبوك ؟
- بابا .... بابا أريد بابا برعب شديد
- (تضحك كمجنونة)
دخل كفاح و أمسك بيدها و خلصها السكين ثم دفعها بعيداً عن كريم و أخذه بين ذراعيه يهدئه ..
- بابا حبيبي ... اهدا حبيبي
- مرة أخرى هذه اللغة الغريبة ... لغة الغجر ... اترك ابني (تصيح بشدة) ثم تهجم عليه و هو يدير ظهره لها ..
بصعوبة خرج كفاح مع كريم خارج المنزل و ذهبا الى منزل الجيران في الطابق السابع هناك كان يعيش رجل بلغاري مسن وحده شديد الطيبة هو العم (ترايشيف) .. رن كفاح جرس الشقة ففتح له المهندس الشيوعي الذي قضى جل عمره في اليمن و يقسم قلبه بالتساوي بين عدن و صوفيا و موسكو
- كفاح أهلاً ... تفضل .. مابال كريم يبكي
- سأحكي لك
- تفضلا
دخل كفاح الى غرفة الجلوس و وضع كريماً على الاريكة
أحضر (ترايشيف) دثاراً لكريم ثم جرى ليعطيه تفاحة و قطعة حلوى من صنعه مهدئاً اياه ..
جلس كفاح واضعاً رأسه بين يديه عدة دقائق
- (ترايشيف) لم أعد أحتمل
- (فيرا) أليس كذلك
- احتملتها عدة سنوات من أجل الطفل و عندما فهمت أنه نقطة ضعفي بدأت تستخدمه لقهري ... انها تضربه بعنف كل يوم هذه المجنونة
- أفهمك يا عزيزي انها ترث أمها .. أمها كانت كذلك
- ماذا سأفعل لا أعلم
- اليوم اترك كريماً ينام عندي
- المشكلة صارت معضلة
- هون عليك
دام الحوار نصف ساعة انتهت بانتظام تنفس الطفل الذي دخل في حالة نوم مابعد البكاء الشديد و شعوره أنه أخيراً بسلام ...
ترك كفاح ولده عند (ترايشيف) و نزل الى شقته ليجد (فيرا) تشرب و هي في حالة هيجان شديد ...
- عدت الى الكحول ؟ سألها
- هل تريد تحريم الكحول في بلغاريا يا تسيغان ! ( تسيغان شتيمة عنصرية بلغارية اصطلاحاً و لكنها لغة تعني الغجري )
- اجلسي لنتكلم
- نتكلم !! ..
و هجمت تحمل زجاجة فارغة باتجاه زوجها الذي ابتعد عنها ثم امسك بها و بدأ يصفعها صائحاً
- استيقظي .. استيقظي دمرت نفسك و العائلة
- دعني يا حقير
و هجمت باتجاهه ممزقة كنزته الصوفية بعنف و هو مذهول لا يدري من أين تأتي بكل هذه العصبية و العنف .. تركها قليلاً ثم دفعها الى الوراء فسقطت على طرف الطاولة و اصطدم رأسها بعنف ثم فقدت وعيها ...نظر كفاح اليها مذهولاً من هول ما يجري ثم اقترب منها محاولاً ايقاظها
- فيرا ... فيرا !
باءت كل محاولاته لايقاظها بالفشل فاتصل بالاسعاف ..
بعد فترة شعر بأنها دهر طويل وصلت سيارة الاسعاف و دخل الطاقم الطبي ليعلن موت المرأة بعد أن فحصها الطبيب .
صعد كفاح مذهولاً مرعوباً بسرعة الى (ترايشيف) شرح له المأساة بكلمتين أوصاه خيراً بكريم ، أعطاه كل المال الذي لديه و بعض أرقام الهواتف و العناوين و هو يرتجف أعطاه (ترايشيف) عقاراً مهدئاً و دس في جيبه علبة (الليكسوتان) كلها متمنياً له التوفيق و ضمه بحنان الأب ثم ذهب كفاح بنفسه الى قسم الشرطة .
في قسم الشرطة واجه مرة أخرى بعض العنصرية و استمر التحقيق معه عدة ساعات ثم ألقي به في السجن .
لم يكن السجن جديداً على كفاح لكن الجديد المؤلم المأساوي كان يضج كل يوم في رأسه عندما يتذكر المشاجرة العنيفة مع (فيرا) و هو الذي تعود على شجاراتها و لم يظن أن أحد تلك الشجارات سيوصله الى ارتكاب القتل الخطأ بهذه الطريقة .
بعد يومين دخل اليه شرطي و ساقه الى المحقق مرة أخرى ..
دخل الى غرفة صغيرة دافئة فاكتشف طعم الدفء الذي يحتاج اليه في زنزانته المنفردة و كان القيد الحديدي يؤلم معصميه ..
- اجلس (قال له المحقق)
- شكراً
- هل كنت تكره زوجتك ؟
- لا أبداً
- سيد كفاح أمها تقول أنك تكرهها و أنك خططت لقتلها
- مستحيل
- لماذا؟
- لقد سقطت على طرف الطاولة الحاد أثناء الشجار ، لقد كانت تضربني و تمزق ثيابي فدفعتها قليلاً فسقطت
- لا دليل على ما تقول
- دليل ! أي دليل تحتاج ؟ هل يسلم نفسه القاتل المتعمد و المخطط ؟!
هل يقتل بهذه الطريقة ؟ أنا طلبت الاسعاف بنفسي !
- طيب سنرى
- ماذا نرى أريد أن أخرج بكفالة و أحول للمحاكمة
- لا نستطيع اخراجك
- لماذا الطفل كريم بحاجتي
- (مد المحقق لكفاح جريدة مطوية قائلاً ) اقرأ الجريدة !
تصفح كفاح جريدة (ترود) التي كتبت في المانشيت العريض
عربي يقتل زوجته البلغارية
البلغاريات المتزوجات من أجانب في خطر
مشاركة العربي سريره الى أين تؤدي ؟
و استغرق كفاح في قراءة مقال عنصري فظيع كتبه صحفي ذو ميول معادية للعرب ذاكراً و مستشهداً بحكاية كفاح محمد مع فيرا
عندما انتهى من القراءة رمى الجريدة و قال :
- افتراء و كذب ، طمئنوني عن ولدي قبل كل شيء
- ابنك بخير و هو عند جدته . قضيتك صارت قضية رأي عام
- ..... (صمت) من مقالة واحدة صارت قضية رأي عام؟
- بل التليفزيون تحدث و الراديو و عدد من الصحف
- بالطريقة نفسها تحدثوا ؟
- نعم
- آخ ... العنصريون مرة أخرى و للأسف صحافة عنصرية
- أنت تتهم البلغار بالعنصرية اذاً؟!
- ليس الكل .. انظر أنا انسان متعب و محطم و لا طاقة عندي لشرح ما أريد ، أنا أحب بلغاريا ، لكن بلغاريا الان تعاني من فقدان التوازن بعد سقوط الشيوعية و لا تعرف طريقها ...
- هل تحاضر علي !
- لا .. لا أفعل أريد الانصاف .. هل ولدي بخير
- طبعاَ (بتهكم) بعد أن قتلت أمه !

الحرية مرة أخرى أبو الجود :
خرج كفاح بعد أن أمضى ثلاث سنوات في السجن استطاع فيها اقناع والدة (فيرا) التي أصبحت انساناً كسيراً و صارت خادمة في كنيسة القديسة صوفيا ، استطاع اقناعها بارسال كريم الى سورية حيث هناك سيلقى تربية صالحة و رعاية جيدة عند أهله ، و بالفعل ذهبت خادمة الكنيسة (كاتيا) بنفسها الى سورية و تركت كريماً هناك و عادت الى كنيستها حيث وجدت سلام روحها عند عتبات الله .
كانت هذه المرأة وحشاً حقيقياً و صارت شيئاً آخر صارت قليلة الكلام تأكل الخبز الناشف و تشرب الماء و تجمع الشموع لتعيد اذابتها و تكنس أرض الكنيسة ، كانت تريد من المسيح أن يسامحها و من مريم أن تضمها بذراعيها .
( البحث عن الام يوصلك الى الله في النهاية )
خرج كفاح من سجنه فلم يعرف العالم الذي يحيط به و لم يتذكر أحداً الا سورية و أهله ....