الرباعيات الاربع(2)

شرق كوكر (II)
1
فى بدايتى نهايتى.
المنازل تتابع ارتفاعا وسقوطا وتكسرا.
توسع أو تنقل أو تهدم أو ترمم.
أو يحتل مكانها حقل أو مصنع أو طريق.
يؤول الحجر القديم الى مبان جديدة،
والخشب القديم الى نيران جديدة،
والنيران القديمة الى تراب،
والتراب الى الارض؛
والتى قوامها اللحم والفراء والبراز،
وعظام الانسان والحيوان،
وأعواد الذرة والاوراق.

المنازل تحيا وتموت،
حيث هناك زمن للبناء
وزمن للحياة والتناسل،
وزمن تكسر فيه الريح الزجاج السائب،
وتهز كسوة الحائط الخشبية حيث يرتع فأر الغيط،
وتهز الستار الممزق المطرز بحكمة صامتة.

فى بدايتى نهايتى.
والآن، يسقط الضوء
عبر الحقل المكشوف بعد أن تركنا الطريق المتوغل
محتجبا بالفروع مظلما فى الأصيل.
حيث تضطجع على جسر بينما تمر عربة،
ويستمر الطريق فى الاتجاه نحو أعماق القرية،
منوما فى الضباب الدافئ وحرارة الكهرباء،
يمتص الضوء الحار الرطيب،
لاتعكسه الاحجار الرمادية،
وتنام الداليات فى صمت فارغ،
فى انتظار البومة المبكرة،
فى ذلك الحقل المفتوح.

إذا لم تقترب كثيرا، اذا لم تقترب كثيرا؛
فى منتصف ليلة صيف
يمكنك أن تسمع الموسيقى؛
الناى الخافت والدف الصغير.
وتراهم يرقصون حول النار؛
خليطا من الرجال والنساء،
فى رقصهم يرمزون الى الزواج؛
طقسا مهيبا ومريحا،
إثنان اثنان يتصلان،
يتماسكان بالايدى أو بالاذرع،
يمسك أحدهما الآخر رمزا للتوحد،
يقفزون فوق النار أو يتصلون فى حلقات
فى وقارهم الريفى وضحكاتهم الريفية،
يرفعون أقداما ثقيلة فى أحذية كئيبة؛
أقدام من الأرض، أقدام من الطين،
ترتفع فى مرح الريف.
مرح أولئك الذين يرقدون تحت التراب من قديم الأزل يغذون الذرة ويحفظون
المواعيد،
ويحافظون فى رقصهم على الايقاع
مثلما كانوا يفعلون فى حياتهم فى فصول الحياة،
فى زمن الفصول والابراج،
فى زمن الحليب والحصاد،
فى زمن تزاوج الرجل والمرأة،
وزمن الحيوانات.
أقدام ترتفع وتهبط،
تأكل وتشرب،
تتبرز وتموت.

يبزغ الفجر ويوم جديد
يستعد للحرارة والصمت.
ورياح الفجر بعيدا على صفحة البحر تنزلق وتتجعد
أنا هنا، أو هناك، أو فى أى مكان آخر؛
فى بدايتى.

2
ماذا يفعل الخريف المتأخر مع اضطرابات الربيع،
ومخلوقات حرارة الصيف،
وقطرات الجليد تئز تحت الأقدام،
وصقور رمادية حمراء،
تحوم عاليا ثم تهوى،
والزهور المتأخرة مع الجليد المبكر ؟

تدور البروق مع الأنجم الدوارة،
تتشبه بمركبات الانتصار،
منتشرة فى حروب الكواكب؛
العقرب يصارع الشمس حتى تهبط الشمس والقمر،
وتبكى النيازك ويطير الاسد صائدا السماء والسهول
طائرا فى زوبعة ستأخذ العالم الى تلك النار المحرقة،
التى تشتعل قبل أن يسود الجليد.

كانت هذه طريقة فى القول؛ ليست مرضية تماما
دراسة هامشية فى إطار شعرى بال تترك المرء فى صراع لايحتمل مع المعانى
والكلمات.
لايهم الشعر، ولم يكن (لو بدأنا مرة أخرى)
ماكان المرء يتوقع.
فماذا يجب أن تكون قيمة ماتعلق به الأمل طويلا من الهدوء والسلام الخريفى
وحكمة
العمر ؟
هل خدعونا أم خدعوا أنفسهم كبار السن ذوى الصوت الهادئ ؟
هل أورثونا مجرد خدعة ؟
ولم يكن السلام سوى ذل متعمد، ولاالحكمة سوى معرفة الاسرار الميتة
لاتفيد فى الظلام التى تتلصص فيه.
هناك يبدو لنا فى أفضل الأحوال مجرد قيمة محدودة
فى المعرفة المستفادة من الخبرة.
حيث تفترض المعرفة إطارا للتزييف؛ والاطار جديد فى كل لحظة.
وكل لحظة تقييم جديد مذهل لكل ماكنا
والامر الوحيد الذى لم ننخدع فيه
هو ذلك الذى لم يعد الخداع يضر به.
فى المنتصف؛ ليس فقط فى منتصف الطريق، ولكن طوال الطريق.
فى غابة مظلمة أو خميلة،
أو على حافة هاوية حيث لامستقر أمين لقدم،
حيث تتهدده الغيلان والاضواء الباهرة والمتعة والمخاطرة.

لاتحك لى عن حكمة كبار السن بل عن حماقتهم،
وخوفهم من الخوف والجنون، وخوفهم من التملك
ومن الانتماء الى آخر أو آخرين أو الله.
الحكمة الوحيدة التى نأمل فى اكتسابها
هى حكمة التواضع.
فالتواضع لانهائى.

المنازل جميعا راحت تحت الجبل.
الراقصون جميعا راحوا تحت التل.

3
أيها الظلام الظلام الظلام،
كلهم يروحون فى الظلام،
فى الفضاء الخالى مابين النجوم،
الفراغ فى الفراغ.
القباطنة ورجال البنوك ورجال الكلمة المرموقين،
ورعاة الفن الكرماء ورجال الدولةوالحكام،
وكبار رجال الحكومة ورؤساء عديد من اللجان،
وسادة الصناعة وصغار المقاولين،
كلهم يروحون فى الظلام.
وظلام هى الشمس والقمر والتقويم
وجريدة البورصة ودليل المديرين.
وتبرد الحواس ويضيع الدافع الى الحركة،
ونذهب جميعا معهم فى الجناز الصامت؛
جنازة لاأحد؛ فليس هناك من يدفن.
وقلت لروحى اسكنى ودعى الظلام يحل عليك والذى سوف يكون ظلام الله،
كما فى مسرح عندما تخفت الاضواء بحفيف أجنحة جوفاء،
وحركة الظلام على الظلام،
ونعلم أن التلال والاشجار والخلفية البعيدة،
والواجهة الجريئة المؤثرة تلتف جميعا ليتغير المشهد،
أو كما فى قطار حينما يتوقف طويلا فى النفق بين محطتين؛
ويرتفع الحوار؛ وبطيئا يتلاشى الى السكون،
وخلف كل وجه يتزايد عمق الفراغ الفكرى،
لايترك سوى الرعب النامى من عدم التفكير فى شئ،
وقلت لروحى اسكنى وانتظرى بلا رجاء،
فالرجاء قد يكون رجاء أمر خطأ،
وانتظرى بلا حب،
فالحب قد يكون حب شئ خطأ،
لكن؛ مازال هناك الايمان.
إلا أن الايمان والحب والرجاء جميعا فى الانتظار.
انتظرى بلا فكر، فلست على استعداد للفكر
وهكذا يتحول الظلام ضوءا والسكون رقصا.
همسات الغدير الجارى وبروق الشتاء.
التوت البرى مختفيا والفراولة البرية.
والضحكة فى الحديقة متعة تتردد؛
ليست ضائعة ولكن متطلبة،
تشير الى ألم الولادة والموت.

تقولون أننى أكرر أمرا قلته من قبل
سوف أقوله ثانية؛
هل أقوله ثانية ؟
حتى تصل الى هناك؛
حتى تصل الى حيث أنت وتأخذ من حيث لاتكون
يجب أن تذهب فى طريق لامتعة فيه.
حتى تصل الى مالا تعرف
عليك أن تذهب فى طريق الجهل.
حتى تمتلك مالا تحوز
عليك أن تذهب فى طريق التخلى.
حتى تصل الى ماليس بذاتك
عليك أن تذهب فى طريق لست فيه ذاتك.
وكونك لاتعرف هو الشئ الوحيد الذى تعرف،
وماتملك هو مالا تملك،
وحيث تكون هو حيث لاتكون.

4
الجراح الجريح يعد المبضع،
الذى يبتر به العضو المريض،
ونشعر تحت الكفوف الدامية بعمق التعاطف وفن الشفاء،
يحلان عقدة ارتفاع الحمى.

صحتنا الوحيدة هى المرض
لو أطعنا الممرضة المحتضرة،
التى لاتسرنا رعايتها الدائمة،
بل تذكرنا بلعنتنا ولعنة آدم
ولاشفاء منها سوى بالسقوط فى المرض.

الارض بأجمعها مستشفانا؛
يرعاها الميليونير المفلس.
نفعل خيرا لو متنا
من فرط الرعاية الأبوية،
والتى لن تعتقنا بل تحبطنا فى كل مكان.

يرتفع الصقيع من الاقدام الى الركب،
وتغنى الحمى فى شعاب العقل،
من أجل الدفء لامناص من التجمد،
والرجفة فى لهيب مطهر مقرور،
شعلته الورود ودخانه البرار.

الدم النازف شرابنا الوحيد،
واللحم الدامى طعامنا الفريد،
بالرغم منهما نحب أن نعتقد؛
أننا دم ولحم سليم،
ثم نسمى هذه جمعة مقدسة.

5
هاأنذا فى منتصف الطريق بعد عشرين عاما؛
عشرون عاما شديدة الضياع،
سنى مابين الحربين.
أحاول أن أتعلم استخدام الكلمات،
وكل محاولة بداية جديدة تماما،
ونوع مختلف من الفشل.
لأن المرء لم يتعلم سوى أن يأتى بأحسن الكلام لقول مالم يعد مضطرا لقوله،
أو الطريقة التى لم يعد مضطرا لقوله بها،
وهكذا فكل مغامرة جديدة بداية،
وحرب على مالا يقال،
بأدوات رثة غالبا مائوخر فى الاضطراب العام للمشاعر المختلطة،
وجحافل العواطف الهوجاء،
وما كان يهزم بالقوة أو بالخضوع قد اكتشفه بالفعل رجال لانستطيع أن نأمل فى
تقليدهم.
ولكن لامنافسة هناك.
وليس هناك سوى الصراع لاسترداد مافقد،
ووجد وفقد مرة بعد أخرى،
الان فى ظروف لاتبدو مرضية،
ولكن لايهم المكسب ولا الخسارة،
وليس هناك سوى المحاولة،
والبقية ليست من شأننا،

البيت حيث يبدأ المرء.
وكلما أوغلنا فى العمر تزداد غرابة الدنيا وتتعقد الأحوال
بالموتى والأحياء.
لا اللحظة الحاسمة منفصلة لاقبل لها ولابعد،
ولكن حياة كاملة تحترق فى كل لحظة.
وليست حياة رجل واحد فقط؛ بل حياة أحجار قديمة لم تحل رموزها بعد.
هناك زمن للمساء تحت ضوء النجوم،
وزمن للمساء فى ضوء القنديل.
(المساء الذى تمضيه مع ألبوم الصور)
حين يكون الحب أقرب الى حقيقته
حين تنتهى أهمية الزمان والمكان.

يحسن بكبار السن أن يكونوا مستكشفين
لا أهمية لهنا أو هناك.
فيجب أن نتحرك أبدا نحو وجود أكثر تركيزا،
نحو اتحاد أوثق وتوحد أعمق،
فى بيداء مظلمة وفراغ بارد،
حيث تهدر الموجة وتصفر الريح،
على المياه الشاسعة؛
مياه النورس والحوت
فى بدايتى نهايتى.

يتبع...

 توماس ستيرنز إليوت