الرباعيات الاربع(4)

جيدنج الصغيرة (IV)

1
فصلها ربيعى نصف شتوى
سرمدى ولكن مبتل قبل المغيب،
ممتد على الزمن بين قطب واستواء،
حين يكون اليوم القصير على أشده فى لمعان الصقيع والنار.
والشمس المختزلة تلهب الجليد على البرك والنقر،
فى برد لاريح فيه هو حرارة القلب،
عاكسا فى مرآة مائية؛
ومضة كالعمى فى الأصيل المبكر،
وتألق أكثر تركيزا من وهج الفروع أو أشد،
يحرك الروح الخرساء؛ لاريح بل لهيب العنصرة،
يرتعد غمد الروح فى أوقات الظلام من العام،
بين الانصهار والتجمد،
حيث لارائحة للأرض ولا رائحة للأشياء الحية،
هذا زمن الربيع؛ ولكن ليس فى حدود الزمن.
الخميلة الآن تبض ساعة ببراعم فانية من الجليد،
لاهى تزهر ولاهى تذبل،
وليست من النوع المتكاثر.
أين الصيف؛ صيف ماقبل البداية؛
الذى لايصل اليه خيال.

إذا أتيت من هذا الطريق،
متخذا الدرب الذى قد تتخذه،
من المكان الذى نشأت فيه؛
إذا أتيت من هذا الطريق فى مايو فسوف تجد الخمائل بيضاء مرة أخرى،
مايو ذا الحلاوة الآسرة.
وسوف تكون نهاية الرحلة هى ذاتها إذا أتيت ليلا كملك منكسر،
أو إذا أتيت نهارا لاتدرى ماأتيت له؛
فسوف تجد نفس الشئ حين تترك الطريق الوعر،
وتدلف وراء حظيرة الخنازير الى الواجهة الكئيبة،
وشاهد القبر وما ظننت ماله أتيت؛
ليس سوى قوقعة وقشرة للمعنى،
تفقس عن المعنى فقط حين يتحقق ـ لو أنه تحقق أبدا (فإما أن يكون لك هدف؛ أو
ان
الهدف أبعد من النهاية التى كنت تتصور، وقد تغير فى التحقق)
هناك أماكن أخرى
هى أيضا نهاية العالم؛ بعضها بين فكى البحر، أو على بحيرة حالكة، أو فى صحراء

أو مدينة، ولكن هذا هو الأقرب فى الزمان والمكان؛
الآن وفى انجلترا.

إذا أتيت من هذا الطريق؛
متخذا أى درب بادئا من أى مكان؛
فى أى وقت وفى أى فصل:
فسوف يكون الأمر دائما هو نفس الأمر، وسوف يجب عليك أن تتخلص من الحـس
والفكر،
فلست هنا كى تحكم أو تقرر، وترضى ذاتك أو تشبع استطلاعك،
فأنت هنا لتركع؛
حيث كانت الصلاة دائما واجبة.
والصلاة أكئر من مجرد نظام للكلمات، أو الشغل الواعى للعقل الداعى، أو نبرة
الصوت المصلى؛
ومالم يكن للموتى فيه مقال عندما كانوا أحياء.
يستطيعون أن يقولوا لك وهم أموات؛ أن اتصال الموتى بألسنة اللهيب وراء لغة من

يعيش.
هنا؛ فاصل اللحظة اللازمنية،
فى انجلترا وليس فى أى مكان آخر، أبدا ودائما.

2
رماد على كم رجل عجوز،
هو كل ماتخلف عن احتراق الورود،
تراب معلق فى الهواء؛
أثر موقع نهاية حكاية،
تراب فى الشهيق كان بيتا؛
جدارا وكسوة حائط وفأر.
موت اليأس وموت الأمل؛
هذا هو موت الهواء.

فيضان وجفاف على العين وفى الفم.
ماء ميت ورمال ميتة؛
تتصارعان لأيهما الغلبة.
الأرض المقددة المشققة تفغر فاها للكادحين؛
وتضحك بلا مرح؛
هذا هو موت الأرض.

المياه والنيران تتابعان
على المدن والمراعى والأعشاب،
المياه والنيران تحتقران التضحية التى انكرنا.
المياه والنيران سوف تبلى مانسينا من الأسس الشوهاء للمحراب والترتيل؛
هذا هو موت الماء والنار.

فى ساعة الفجر الكاذب قبيل الصباح
فى نهاية ليل لاينتهى؛ وعند عودة نهاية مالا نهاية له؛
بعد أن مرت الحمامة السمراء رفرافة الهديل تحت أفق مآبها، بينما تصلصل
الأوراق
الميتة كالصفائح فوق الأسفلت حيث لايسمع صوت آخر.
بين ثلاثة مناطق يرتفع الدخان؛
حيث قابلت واحدا مهرولا متسرعا كما لو كان يهب على كالأوراق المعدنية،
لايقاوم رياخ الفجر.
وفى الوجه الذى ألقاه الفجر حملقت بذلك التطلع الشائك الذى نتحدى به أول غريب

نقابله لحظة الغسق المتلاشى.
ولمحت نظرة خاطفة لأحد الاساتذة الموتى، والذى كنت أعرفه ونسيته وأكاد أذكره؛

كواحد وجماعة معا.
فى الملامح الملوحة السمراء تطل عينا شبح مألوف وغير معروف.
وهكذا لعبت دورا مزدوجا وصحت؛ وسمعت صوتا آخر يصيح ماذا ... أأنت هنا ؟
ومع أننا لم نكن، فقد كنت بالرغم من ذلك أعرف أننى شخص آخر؛
وهو وجه مازال يتكون، إلا أن الكلمات كفت لكى تجبر على التعرف الذى سبقته.
وهكذا؛ مواكبة للرياح المشتركة؛ ونحن شديدي الغربة على أحدنا الآخر لسوء
الفهم،
مجتمعان عند ذلك الزمن الفاصل باللقاء فى لامكان، بلا قبل ولابعد.
خطونا الرصيف فى دورية ميتة،
قلت إن العجب الذى أحس سهل، إلا أن السهولة هى سبب العجب، فتكلم إذن، وقد
لاأفهم وقد لاأتذكر.
قال لست فى شوق لأستعرض فكرى ونظريتى اللتان قد نسيت، لقد خدمت تلك الأشياء
أغراضها، فدعها، وكذلك أشياؤك.
وادع أن يغفرها لك الآخرون؛ مثلما أرجوك أن تغتفر الردئ والطيب على السواء،
فقد
أكلت فاكهة الموسم الماضى، وسوف يركل الحيوان الممتلى مخلـته الفارغة.
لأن كلمات العام المنصرم تنتمى الى العام الفائت،
وكلمات العام المقبل تنتظر شفاها جديدة.
ولكن حيث أن الطريق لاعقبات فيه الآن أمام الروح المغتربة الهائمة بين عالمين

صارا شديديى التشابه؛
فاننى أجد كلمات ماظننت أنى أنطق بها،
فى شوارع ماظننت أنى أعود اليها،
عندما تركت جسدى فوق شاطئ بعيد.
حيث أن همنا كان الحديث وقد اضطرنا الحديث الى تنقية حوار الجماعة،
وحث العقل على الاستبطان والنبوئة.
فدعنى أختم العطايا المحفوظة للعمر الطويل بأن أتوج جهود حياتك؛
أولا، الاحتكاك البارد للحواس المتأججة بلا نشوة وبلا وعد، سوى مرارة تستطعم
ثمار الظل؛
إذ يبدأ الجسد والروح فى الانشطار.
ثانيا، وهن الغضب الواعى على الحمق الإنسانى،
وتهتك الضحك على مالم يعد يسلى.
وأخيرا، الألم الممزق لإعادة تقييم كل مافعلت وما كنت،
والخجل من الدوافع التى تأخر كشفها،
والحذر من الأشياء التى أسئ فعلها فى ضرر الغير،
ثم أن موافقة المغفلين تلدغ وتلطخ الشرف،
ومن عيب الى عيب تظل الروح الحانقة تتخبط مالم تستردها النار المطهرة؛
حيث يكون عليك أن تتحرك بالقياس مثل راقص
كان النهار يبزغ فى الشارع المشوش.
تركنى بما يشيه الوداع، وتلاشى مع نفخة البوق.

3
هناك ثلاث حالات غالبا ماتبدو متماثلة، إلا أنها تختلف تماما وهى تنمو فى نفس

الخميلة؛
الارتباط بالنفس وبالاشياء وبالاشخاص؛
والانفصال عن النفس وعن الأشياء وعن الأشخاص تقوم بينها اللامبالاة؛
التى تشبه الآخرين مثلما يشبه الموت الحياة، الكينونة بين حياتين لاازدهار
فيها
بين العوسج الحى والميت.
هذه فائدة الذاكرة للتحرر لابعدم الحب بل بانتشاره؛
حبا وراء الرغبة.
ثم أن التحرر من المستقبل كالماضى أيضا،
وهكذا يبدأ حب الوطن كارتباط بحقل نشاطنا،
وتنتهى الى أن النشاط قليل الأهمية، ولكنه لايصاب أبدا باللامبالاة.
قد يكون التاريخ استعبادا، وقد يكون التاريخ حرية؛
أنظر؛ الآن هاهم يختفون؛
الوجوه والأماكن مع الذات التى أحبتهم قدر استطاعتها،
لتصير متجددة متحولة فى نموذج آخر.
الخطيئة ملزمة؛ ولكن كل شئ سيكون على مايرام،
وسوف تسير الأشياء على طرائقها إذا فكرت ثانية فى هذا المكان،
وفى الناس غير المعروفين، وليسوا من ذوى القربى أو من نفس النوع،
ولكن بعض العبقريات الغريبة؛
مستهم جميعا عبقرية واحدة.
متوحدين فى الصراع الذى قسمهم.
لو أننى فكرت فى ملك ساعة الغسق،
وثلاث رجال أو أكثر على المشنقة،
وبعض من ماتوا منسيون فى أماكن أخرى هنا وفى الغربة،
ومات أحدهم ضريرا هادئا.
لماذا نحتفل بأولئك الميتين بأكثر ممن يموتون؟
لن يستوى الأمر بدق الناقوس القهقرى، ولا هى ترتيلة لاستدعاء طيف وردة.
نحن لانستطيع إحياء قديم الفن ولا استعادة قديم السياسات،
ولا أن نتبع طبولا قديمة.
أولئك الرجال ومن عارضهم وأولئك الذين عارضوهم؛
يقبلون الصمت دستورا.
ويطويهم حزب واحد.
وما ورثناه عن المحظوظ فقد أخذناه من المنهزم،
وماتركوا لنا هو رمز اكتمل بالموت.
وكل شئ سوف يكون على مايرام،
وطرائق الأشياء سوف تسير على مايرام،
بتطهير الدوافع فى أرض بحثنا.

4
تهبط الحمامة تشق الهواء،
بلهب رعب متأجج،
تعلن ألسنته عن الخلاص النهائى من الخطيئة والذنب.
الخطأ الوحيد أو فاليأس؛
كامن فى الاختيار بين حطب وحطب،
كى نستجير من نار بنار.
من ذا الذى اخترع العذاب؟
الحب.
الحب هو الاسم غير المعروف،
وراء الأيدى التى نسجت قميص اللهب الذى لايحتمل،
والذى لاتستطيع قوى الإنسان أن تخلقه.
إننا فقط نعيش وفقط نأمل؛
تأكلنا إما النار أو النار.

5
غالبا ماتكون النهاية هى مانسمية البداية،
وصناعة النهاية هى أن نصنع البداية،
والنهاية من حيث نبدأ.
وكل عبارة وكل جملة صحيحة (حيث كل كلمة فى مكانها تتخذ موقعها لسند الأخريات،

لاالكلمة محجمة ولا مبهرجة،
تبادل سهل بين القديم والجديد،
الكلمة العامة مضبوطة بلا ابتذال، والكلمة الرسمية صريحة وليست متعالمة،
والمعية جميعا ترقص سويا)
كل عبارة وكل جملة نهاية وبداية،
وكل قصيدة شاهد وأى حركة هى خطوة الى النار فى حلق المحيط.
أو الى حجر لايعقل؛ وهناك حيث نبدأ؛
نموت مع من يموت؛
انظر؛ انهم يرحلون ونحن نذهب معهم؛
إننا نولد مع الموتى؛
أنظر؛ إنهم يعودون ويأتون بنا معهم.
لحظة الوردة ولحظة شجرة السرو متساويتان فى الدوام.
وشعب بلا تاريخ لايسترجع من الزمن.
فالتاريخ نقش من اللحظات اللازمنية.
وهكذا، بينما يهب الضوء فى أصيل شتاء فى كنيسة منعزلة؛
فالتاريخ الآن وانجلترا.
مع سحب ذلك الحب وصوت ذلك النداء،
لن نتوقف عن الاستكشاف.
ونهاية كل استكشاف سوف تكون الوصول الى حيث بدأنا.
ونتعرف على المكان للمرة الأولى؛
خلال البوابة غير المعروفة التى نذكر؛
حيث بقيت آخر بقعة فى الأرض لم نكتشف بعد،
هى تلك الى كانت البداية
عند منبع أطول نهر
وصوت الشلال المختفى،
والأطفال فى شجرة التفاح؛
غير معروفين حيث لايبحث عنهم أحد؛
ولكن مسموعين، نصف مسموعين فى السكون بين هدير موجتين من البحر.
سريعا، الآن، هنا، الآن، دائما.
حالة فى منتهى البساطة (لاتكلف أقل من أى شئ)،
وسوف يكون كل شيء على مايرام.
وتصبح طرائق الاشياء على مايرام؛
حين تلتئم ألسنة النار فى ملتقى تاج اللهب،
واللهب والوردة نفس الشئ.