خارج المكان

"..آمل أن لا أبدو متبجحا إن قلت إن الجديد فى (إدوارد سعيد) المركب الذى
يظهر فى خلال هذه الصفحات، هو عربي أدت ثقافته الغربية، ويالسخرية الأمر، إلى
توكيد أصوله العربية، وإن تلك الثقافة، إذ تُلقى ظلال الشك على الفكرة
القائلة بالهوية الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات"!

---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ----
"إن الأرق عندى حالة مباركة أرغب إليها بأى ثمن تقريبا. فليس عندى ما هو أكثر
تنشيطا، من أن أطرد عنى فورا ظلال الوسن لليلة خسرتها، غير إعادة تعرفى فى
الصباح الباكر، على ما كدت أخسره كليا قبل بضع ساعات أو استعادتى إياه. بين
الحين والآخر، أرى نفسي كتلة من التيارات المتدفقة. أؤثر هذه الفكرة عن نفسي
على فكرة الذات الصلدة، وهى الهوية التى يُعلق عليها الكثيرون أهمية كبيرة.
تتدفق تلك التيارات، مثلها مثل موضوعات حياتى، خلال ساعات اليقظة. وهى، عندما
تكون فى أفضل حالاتها، لا تستدعى التصالح ولا التناغم. إنها من قبيل النشاز،
وقد تكون فى غير مكانها، ولكنها على الأقل فى حراك دائم فى الزمان وفى المكان
وبما هى أنواع مختلفة من المركبات الغريبة، لا تتحرك بالضرورة إلى أمام،
وإنما قد يتحرك أحيانا واحدها ضد الآخر، على نحو طباقي ولكن من غير محور
مركزى. إنه ضرب من ضروب الحرية، على ما يحلو لى أن أعتقد، على الرغم من أنى
بعيد كل البعد عن أن أكون مقتنعا كليا بذلك. ونزعة التشكيك هذه هى أحد
الثوابت التى أتشبث بها بنوع خاص. والواقع أنى تعلمت، وحياتى مليئة إلى هذا
الحد بتنافر الأصوات، أن أؤثر ألا أكون سويا تماما وأن أظل فى غير مكانى!"

---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ----
"كنت دوما فى غير مكانى. لم يترك لى نظام الضبط والتربية المنزلية الجامد
الصارم، الذى حبسنى فيه أبي منذ سن التاسعة، أى متنفس أو أى مجال للاحساس
بالذات فى ما يتجاوز قواعده وترسيماته. هكذا أصبحت (إدوارد) مخلوق والدى،
تراقبه فى عذاباته اليومية ذات داخلية مختلفة كليا عنه، لكنها على درجة من
فتور الهمة، بحيث تعجز، فى معظم الأحيان، عن مساعدته. وكان (إدوارد) أساسا،
هو الابن ثم الشقيق وأخيرا الصبى الذى يرتاد المدرسة ويفشل فى محاولاته
التقيد بالأصول (أو يتجاهلها ويتحايل عليها). وقد كانت عملية خلقه واجبة
الوجوب لأن والديه كانا هما أيضا نتاج عملية خلق للذات بالذات. فلسطينيين
ينتميان إلى بيئتين مختلفتين ومزاجين متغايرين جذريا، يعيشان فى القاهرة
الكولونيالية. ابنى أقلية مسيحية تعيش هى نفسها ضمن حومة من الأقليات، ليس
لأى منهما سند سوى الآخر. وهما يفتقدان، فوق ذلك كله، إلى أية أعراف يهتديان
بها فى سلوكهما، باستثناء مزيج غريب: من عادات فلسطينية من فترة ما قبل
الحرب، وحكم أميريكية مجمعة على نحو انتقائي من الكتب والمجلات ومن السنوات
العشر التى أمضاها أبي فى الولايات المتحدة (التى لم تزرها أمى إلا العام
1948)، ومن تأثير الارساليات والتعليم المدرسي المتقطع ومن ثم الهامشي، ومن
مواقف بريطانية كولونيالية تمثل الأسياد وسواد البشرية التى يحكمها هؤلاء
الأسياد فى آن معا، وأخيرا، من نمط حياة عاينه والداى حولهما فى القاهرة
وحاولا تكييفه مع ظروفهما الخاصة. فهل يمكن لـ (إدوارد)، والحال هذه، أن يكون
إلا فى غير مكانه؟"!
"اتسمت حياتنا فى فكتوريا كولدج بتشوه كبير لم أدركه حينها. كانت النظرة
السائدة إلى التلامذة أنهم أعضاء، تمموا دفع اشتراكاتهم، فى نخبة كولونيالية
مزعومة يجرى تعليمها فنونا إمبريالية بريطانية قضت نحبها، مع أننا لم نكن
ندرك ذلك تماما. علمونا عن حياة إنكلترا وآدابها، وعن النظام الملكي
والبرلمان، عن الهند وأفريقيا، وعن عادات واصطلاحات لن نستطيع استخدامها فى
مصر أو فى أى مكان آخر. ولما كان الانتماء العربي وتكلم اللغة العربية يُعدان
بمثابة جنحة يُعاقب عليها القانون فى فكتوريا كولدج، فلا عجب أن لا نتلقى
أبدا التعليم المناسب عن لغتنا وتاريخنا وثقافتنا وجغرافية بلادنا. وكانوا
يمتحنوننا بصفتنا تلامذة إنكليزا، نجر أذيالنا متخلفين سعيا إلى تحقيق هدف
مُبهم، يستحيل تحقيقه أصلا، من صف إلى صف آخر ومن سنة دراسية إلى سنة دراسية
تالية، يواكبنا أهلنا طوال ذلك المسار منشغلى البال علينا. ثم إنى أدركت فى
قلبي أن فكتوريا كولدج قطعت نهائيا الأواصر التى تشدنى إلى حياتى السابقة،
وأن ادعاء أهلى أنى مواطن أميركى قد تهافت، فقد بتنا ندرك جميعنا أننا دونيون
نواجه قوة كولونيالية جريحة وخطرة، بل وقابلة لأن تؤذينا، ونحن مجبرون على
تعلم لغتها واستيعاب ثقافتها لكونها هى الثقافة السائدة فى مصر".

---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ----
"..مع حلول الأربعينيات، لم نعد مجرد (شوام) بل صرنا (خواجات)، وهو اللقب
التبجيلي الدال على الأجانب الذى يحمل دائما لسعة عداء عندما يستخدمه
المسلمون المصريون. وعلى الرغم من أنى كنت أتكلم باللهجة المصرية ولى مظهر
المصري الأصلي، فقد كان ثمة ما يشي بي. وكنت أستنكر التلميح إلى أنى أجنبي
نوعا ما، مع أنى أدرك فى العمق أنهم يعتبرونني أجنبيا، على الرغم من أنى
عربي...كان هذا اللقب ـ يقصد لقب الخواجة ـ يقرحنى تقريحا، فقد رفضت هذا
التعيير من جهة بسبب نمو إحساسي بهويتى الفلسطينية.. ومن جهة ثانية بسبب وعيي
الناشيء لنفسي بوصفى، على العموم، كائنا أكثر تعقيدا وأصالة من أن أُختزل إلى
مجرد نسخة ممجوجة للشخصية الكولونيالية"!

---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ---- ----
"..ما أزال أندهش إلى الآن من مجرد خطورة المغامرة التى انطوى عليها قدومى
إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1951. لست أملك إلا فكرة غامضة جدا عما
كانت ستؤول إليه حياتى لو أنى لم أجيء إلى أميركا. ولكن الذى أعرفه أنى بدأت
فيها بداية جديدة، متناسيا، إلى حد ما، ما تعلمته من قبل، لأعيد تعلم الأشياء
ابتداء من الصفر، مبتكرا، مخترعا ذاتى، أحاول وأفشل، أختبر وألغى ما اختبرته،
لأعاود البدء من جديد، سالكا سبلا مباغتة هى، فى الغالب، أعسر السبل قاطبة".
"ولا أزال، إلى هذا اليوم، أشعر بأنى بعيد عن البيت، مهما بدا الأمر مضحكا.
ومع أنى لست متوهما أنى كنت سأعيش حياة (أفضل) لو بقيت فى العالم العربي، أو
عشت ودرست فى أوروبا، فلا يزال يلازمنى بعض الندم. وهذه المذكرات هى، فى وجه
من وجوهها، استعادة لتجربة المغادرة والفراق، إذ أشعر بوطأة الزمن يتسارع
وينقضي. ولما كنت قد عشت فى نيويورك باحساس موقت، على الرغم من إقامة دامت
سبعة وثلاثين عاما، فقد فاقم ذلك من ضياعي المتراكم، بدلا من مراكمة
الفوائد"!

ترجمة:فواز طرابلسي(الآداب)

ادوارد سعيد