أربعاء الرماد

لأنني لا آمل أن أرجع مرّة أخرى

لأنني لا آمل

لأنني لا آمل أن أرجع

لأغبط نعمة هذا و أسعى إلى صحبة ذاك

ما عدت أسعى لأسعى في هذه اﻷمور

فلمَ يبسط النّسر القشعم جناحيه؟

لمَ أتحسّر لزوال سطوة الملكوت المعهود؟

لأنني لا أطمح أن أعرف مرّة أخرى

ألقَ سويعة الهناء المرتبك

لأنني لا أعتقد

لأنني أعرف أنني لن أعرف

تلكم القوة الخلاقة

الحقيقية،

لأنني لا أستطيع أن أشرب

ثمة أين يزهر الشجر و تنساب الينابيع

فلقد أضحت خلاءً بلقعا مرة أخرى

لأنني أدري أنّ الزمان هو الزمان منذ بدئه

أنّ المكان هو المكان ليس هنالك غيره

و أن ما هو كائن لا يكون إلا في زمان بعينه،

و مكان بذاته،

مبتهج أنا باﻷمور كما هي

كافر بالوجه المبارك

كافر بالصوت،

ﻷنني لا أستطيع أن أطمح إلى العودة مرة أخرى

مغتبط لذلك أنا

لزامًا عليّ أن أوجد شيئا أغتبط لأجله

أدعو الله أن ينزل علينا رحمته

أدعو لعليّ أنسى

هذه الأمور التي تحدثني بها نفسي كثيرا

و أحدثها،

أشرحها كثيرا،

دع هذه الكلمات تجيب

فأنا لا آمل أن أعود مرة أخرى

فما كان لا يكون مرة أخرى

و عسى ألا يكون الحساب عسيرا

لأنّ هذه اﻷجنحة ما عادت أجنحة للطيران

ما هي إلا مروحات تخفق الهواء

الهوء الذي غدا الآن قليلا، جافا تماما

أقلّ من المشيئة و أكثر جفافا

علمّينا أن نهتم و ألا نهتم

علمينا السكينة

ادعي لنا نحن الخاطئين الآن و حين الاحتضار

ادعي لنا الآن و حين الاحتضار

* *

سيدتي،

فهود ثلاثة جلست تحت شجرة عرعر

في برد المساء

اغتذوا حدّ الشبع

من أطرافي، قلبي، كبدي

و ما احتوته جمجمتي الخاوية ..

قال الربّ

أتحيا هذه العظام الرميم؟

أتحيا هذه العظام؟

غرّد ما حوت عظامي النخرة

لطيبة هذه السيّدة،

لحسنها ولأنها

تقدّس العذراء في صلاتها

نسطع في لمعاننا

و أنا المحتجب هنا

أمنح مآثري للنسيان

و حبي لعقب الصحراء،

لثمرة اليقطين

فهي التي ظفرت بحشاي،

أوتار مآقيَّ

 و أشلائي الممزعة التي لا تستاغ لهضمٍ،

قد نكفت عنها الفهود.

انصرفت السيدة،

في ثوب أبيض انصرفتْ، للتدبر

في ثوب أبيض

دع بياض العظام يصبو إلى كفّارة النسيان

فلا حياة بها

سأُنسى أنا المنسي و كما نُسيت سأَنسى

منقطعا في خلوتي متجردا لمبتغاي

قال الرب

أنبئ الرياحَ فوحدها الرياح تصغي إليك

غنّت العظام وهي ترزح تحت عبء الجندب:

سيّدة القنوت

الرصينة المفجوعة

الممزعة الكاملة

زهرة الذكرى

وردة النسيان

واهبة الحياة في الضنى

المهمومة في طمأنينتها

الوردة الفريدة

أضحت الآن الجنان

أين مآل المحبة

أين ينقضي عذاب الشوق

و اﻷدهى منه

عذاب الوصال

منتهى الأبد

رحلة بلا مقصد

و ختام كل ما لا له ختام

كلام دون كلم

و كلِم لغير كلام

مباركةٌ الأم في الجنان

منتهى كل مودة

تحت شجرة العرعر

غنّت العظام

وهي تلمع مبعثرة ..

أسعدنا التشتت

فما كان من خير لبعضنا في بعض

تحت الشجرة

في فيئ العشيّ، أو برد الضحى

بمباركة الرمال

قد نسي بعضهم بعضا و هم مجتمعون

في هدأة البيداء

هذه الأرض التي ستستهمون عليها

لتقتسموها

لا الاجتماع يغني و لا الافتراق

هذه اﻷرض

الميراث الذي حزنا.

* *

في أول انعطاف يفضي إلى الدرج الثاني

استدرت، رأيت في اﻷسفل

ذات الشكل ملتويا على الدرابزين

تحت البخار في الهواء العفن

و هو يصارع شيطان اﻷدراج

الذي يرتدي وجه اﻷمل الكاذب و القنوط،

في الانعطاف الثاني للدرج الثاني

تركتهما يلتويان

استدرت، ناظرا إلى أسفل

ما عادت هنالك وجوه

كانت السلالم دامسة

رطبة تكسوها النتوءات

كفم شيخ خرف

يستعصي على الإصلاح

أو فك مسنن لقرش عجوز

في أول انعطاف إلى الدرج الثالث

بدتْ نافذة بشبابيك كثمرة تين بطينة

تطلّ على نوار الزعرور و مرأى المروج

وراءها ذلك الشكل البارز الذي تزَيّا باﻷخضر و اﻷزرق

فاتنا أيار بترانيم ناي عتيق ..

الشعر المنسدل مليح

الشعر البني المنسدل فوق الثغر

الزنبق و الشعر البني،

ولَهٌ، رنيم الناي، خطى الذهن ووقفاته

فوق الدرج الثالث

تتلاشى و تتلاشى

قوى أبعد من مرمى اﻷمل

و من مهوى القنوط

تصعد السلّم

مولاي لست أهلا

مولاي لست أهلا

حسبكَ الكلمة

* *

من مشى بين البنفسجة و البنفسجة

من مشى

بين أنواع النبات المختلف

مرتديا اﻷبيض و اﻷزرق

ألوان أيار

متحدثا عن سفاسف اﻷمور

غافلا عن أسى الدهر و هو يعرفه

من مشى بين السائرين

من ذا إذن الذي جعل الينابيع تفور

والعيون الجارية عذبة

أم من جعل الصخر اليبس باردا و الرمال راسخة

في زرقة العائق، زرقة أيار

فانتبهوا و عُوا

هي ذي السنين تمر حاملة

معها الربابات و المزامير، باعثة

تلك التي تدب في الزمن الممتد بين وقت الهجوع

 و حين الحراك،

ملتحفةً بالنور اﻷبيض انتطقت به ثنايا

تمضي اﻷعوام الحديثة، تبعثُ

في غشاوة من الدموع وضيئة، اﻷعوامَ،

القافيةَ العتيقة في نظم جديد،

تُعْتق الزمنَ،

ترسل الرؤيا العصية على التأويل

في الحلم العُلوي

فيما تقترب مخلوقات أحادي القرن المرصّعة

من العرش المذَهّب.

الراهبة القانتة ذات النقاب اﻷبيض و اﻷسود

ثاوية بين أشجار الطقسوس

خلف ربّ الحديقة الذي سكنت أنفاس نايه

أشارت بلمحة منها، غير أنها لم تنبس ببنت شفة..

لكنّ النبع جاش

و الطائر شدا

لينعتق الزمن، لينبعث الحلم

أمارة كلمة ظلت حبيسة الفؤاد، غير منبوسة

حتّى تنثر الريح آلاف الهمسات من شجر الطقسوس

و لنا بعد ذلك المنفى.

* *

إن كانت الكلمة المفقودة مفقودة،

و المجترَحةُ مجترحةً،

إنْ الكلمة المكنونة ظلت مكنونة،

ما نُبست ولا سمعتْ،

غيرَ منبوسة ولا مسموعة ظلت

مكنونةً هي

الكلمة دون كلم

الكلمة في العالم للعالم

سطع الضياء في غيهب العتمة

إزاء الكلمة

ظلّ العالم المضطرب في اضطرابه

دائرا في دوامة

حول مركز الكلمة الصامتة

يا لقومي ماذا صنعتُ بكم

أين تُلفى الكلمة

أين يتردد رجعها؟

ليس هنا .. فليس هنا ما يكفي من الصمت

ليس في البحر و لا في الجزر

لا في البرّ و لا في الصحراء

أو أرض المطر

لأولئك الذين يمشون في الظلمات

آناء الليل و آناء النهار

ما هذا الزمن المناسب و لا هذا المكان

لن تحلّ النعمة بمن يتجنبون الوجهَ المبارك

لا وقت للابتهاج للسائرين في الضوضاء

من ينكرون الصوت المبارك

أتصلي الراهبة ذات النقاب للسائرين في الظلام

و هُمُ من اختاروك و حادّوك

من تمزقوا كلَّ ممزّقٍ عند النائبات

بين الموسم و الموسم، الحين و الحين،

الساعة و اﻷخرى، الكلمة و الكلمة

القوة و القوة،

أولئك الذي ينتظرون في الظلمات،

أتصلي الراهبة ذات النقاب للأطفال عند الباب؟

الذين لا يبرحون أماكنهم ولا يستطيعون الدعاء،

صلي للذين اختاروا ثمّ حادّوا

يا لقومي ماذا صنعت بكم

أتصلي الراهبة ذات النقاب

بين أشجار الطقسوس الدقيقة

لأولئك الذين يؤذونها

مروعون هم لا يستطيعون أن يخضعوا

يشهدون أمام العالم ليكفروا بين الصخور

في آخر الصحارى قبل آخر الصخور الزرقاء

صحراء الجنان، الجنان في صحراء القحط

تمج من فيها بذرة التفاح الذابلة

يالقومي!

* *

على الرغم من أنني لا آمل أن أرجع مرّة أخرى

على الرغم من أنني لا آمل

على الرغم من أنني لا آمل أن أرجع

متقلبًا بين المغنَم و المغرم

في هذا المعبر الوجيز أين تجتاز اﻷحلامُ

الشفقَ الوسنانَ الممتدّ ما بين الميلاد و الردى

(باركني يا رب) بيد أنني لا أرغب أن أرغب في هذه اﻷشياء

تحلِّق القلوع البيضاء صوب البحر

صوبَ البحر تحلّق بأجنحة لم تنكسر

يقسو القلب المتبول و يبتهج

بالزنبقة المفقودة بأصوات البحر التائهة

تسارعُ النفس الضعيفة إلى النسيان

مسارعةَ نباتِ العود الذهبي الحاني إلى الردة عن انحناءته،

و رائحةِ البحر المفقودة إلى استرجاع صراخ السمان

و التفاتة طائر الزقزاق،

تخلق العين العمياء اﻷشكال الخواء عند اﻷبواب العاجية،

تبعث الرائحة مذاق اﻷرض الرملية المالح من جديد

إنّه الوقت المأزوم بين المنية و الميلاد

مكان الوحدة أين تتقاطع رؤى ثلاث بين الصخور الزرق

و عندما ترحل اﻷصوات المتساقطة من شجرة الطقسوس بعيدا

هزي إليك يشجرة الطقسوس اﻷخرى لتجيب

أيتها اﻷخت المباركة، اﻷم الطاهرة

روح النبع، ريحانة الجنان

لا تكلينا إلى أنفسنا فنخدعها بالبهتان

علمينا أن نهتم و ألا نهتمّ

أن نظلّ ساكنين حتى بين هذه الصخور

السلام لنا في مشيئته

و حتى بين هذه الصخور

أختاه، أماه

روح النهر، صدى البحر

لا تجعليني بمنأى عنك

لا تحجبي عنك صريخنا إليك.

 

ت.س.اليوت

ترجمة :عبد الهادي السايح