الشاعر والطائر

كثيراً ما يمسك بحّارة السّفن، وهم يلهون،
بعض طيور "القوطرس"، تلك الطيور البحرية الضخمة،
التي تتبع السفن ماخرة العباب، وترافقها محلّقة بخمول،
ولا يكاد البحّارة يضعونها على ظهر السفينة،
حتّى تترك هذه الطيور، التي كانت ملوك الأجواء،
أجنحتها الكبيرة تتدلى كالمجاذيف وتزحف على جانبيها،
هذه الطيور المهاجرة، كم تبدو عند ذلك،

ضعيفة وفاقدة الحيلة،
هي التي كانت في الجوّ، ساحرة الجمال،

لكم أصبحت مضحكة وقبيحة يلهو بها البحّارة،

هذا بمشربه، وذاك بتقليده الطائر العاجز عن الطيران.
وأنت، أيها الشّاعر، مثلك في ذلك مثل أمير الأجواء، هذا
الذي يتحدّى العاصفة في الجوّ ويهزأ بالصيّاد،
ولكنّه عندما يقع على الأرض، منفيّاً،

تعيق ذلك العملاق أجنحته الضخمة،

وتمنعه من المشي.

ـ العدوّ
لم يكن شبابي سوى عاصفة مظلمة هوجاء،
تتخلّلها هنا وهناك بعض أشعّة الشمس السّاطعة،
وقد أحدثت فيه الرعود والأمطار تشويهات كبيرة،
بحيث لم يبق في بستاني سوى القليل

من الثمار الناضجة،
وها أنا قد بلغت خريف العمر.
وعليّ أن أستعمل الرفش والمجرفة،
لكي أرمّم من جديد التراب الذي غمرته المياه،
وأحدثت فيه حفراً عميقة، كحفر القبور.
ومن يدري فيما إذا كانت الزهور الجديدة التي أحلم بها،
ستجد في تلك التربة التي جرفتها المياه وأصبحت كالحصى،
الغذاء الروحاني الذي يمنحها القوّة.
ياللألم! ياللألم! إنَّ الزمن يلتهم الحياة!...
وهذا العدوّ الغامض والمجهول، الذي يقضم قلوبنا،
من الدّم الذي نفقده نحن، ينمو، هو، ويقوى.

ـ تواصل
الطبيعة معبد يزخر بالأعمدة الحيّة،
التي تطلق أحياناً كلاماً مبهما،
والإنسان يمرّ عبر غابات من الرموز،
التي تراقبه بنظرات أليفة.
وكالأصداء البعيدة التي تختلط ببعضها،
عبر وحدة غامضة وعميقة،
واسعة الأرجاء كالليل وكالضياء،
تتجاوب العطور، الألوان والأصوات.
هنالك عطور ناعمة كبشرة الأطفال،
عذبة كألحان المزامير، خضراء كالبراري في الربيع،
وهنالك عطور أخرى، فاسدة، قويّة وغالبة،
تشبه بانتشارها ماهو لا نهائي.
كالمسك والعنبر، عطر الشّرق والبخّور،
التي تنشد تحليق الأرواح والحواسّ.

ـ الإنسان والبحر
أيها الإنسان الحرّ، سيظلّ البحر عزيزاً على قلبك،
البحر مرآتك، تتأمّل بإعجاب روحك في تموّجاته الأبدية.
ونفسك ليست أقلّ عمقاً من أغواره.
يحلو لك أن تغوص في أحضان صورتك،
وتعانقها بعينيك وبذراعيك، بينما يلهو قلبك أحيانا
عن أهوائه، بالاستماع إلى صخب وهدير أمواج البحر، العاتية،
أنتما الاثنين، غامضان ومتكتّمان.
أيها الإنسان، لم يستطع أحد سبر خفايا نفسك.
أيها البحر، لا يعرف أحد كنوزك الخفيّة،
لشدة حرصكما، على كتمان أسراركما.
ومع ذلك، فقد مرّت قرون لا تحصى،
وأنتما تتصارعان، دون ندم ولا شفقة،
لفرط ما تحبّان المجازر والموت.
فيالكما من متصارعين أبديين، أيها الأخوان المصرّان على الشراسة والعناد.

 

شارل بودلير