الأمواج الهائجة، وهو يغني

خيراردو دييغو (م. 1896)

تأثر دييغو بكل التيارات الشعرية، التي هزّت بنية الشعر بين 1930 و1945. لكن
صوته، منذ نجح في أَنْسَنة صوره وأفكاره، توصل إلى امتلاك نبرته الخاصة، إنما
ظلت الغونغورية والسوريالية تدمغ مجمل أعماله.

النسيان

النسيان مُشبَع بإشراقات النسيان
والذاكرة اليتيمة تكدّرها الذاكرة
النسيان أيضا أبيض كالثلج في الوادي
والذاكرة سوداء كالثلج على التاريخ.

وهكذا تعبرين المتنزَّه دائماً في حداد
يا العصفورة الهابطة من كستنات الهند
تحت خطاك الخفيفة ترتعش الأوراق اليابسة
كالطائر العائد إلى الأغصان.

ساقاك العاريتان البيضاوان من كَثْرة النسيان
تطالبان بإلغاء اللمس البريء
- روحك مدثَّرة بحجاب البعيد -
ويدي اليمنى تجد نفسها في الحال مقفَّزة.

النسيان كآبة الذاكرة فَرَح
النسيان كئيبٌ كذلك الذاكرة
النسيان ينام نوم النسيان الذّاكرة
تنام نوم الذّاكرة لكني أجهل ذلك.

يسقط الثلج دائماً من رأسك المشتعل
- شعرك منفي - على حقول نسياني.
وأغرق حتى منتصف الجسم في ذاكرتك الطيبة
ذاكرتك المجلّدة. آه، ليتوقف هذا الثلج
أرجوك يا حبيبتي.

خوان رامون خيمينيث
(1886 - 1958)

حائز جائزة نوبل 1956. حمل في عينيه بياض الأندلس وزرقتها، وأرضها، وبحرها.
كان يصحح قصائده باستمرار، مسكوناً بوسواس الكمال. شعره غنيٌ بالصور
والمفردات.

لوحة ليليّة

تتلامس دمعتي ونجمة
وفي الحال تصبحان
دمعة واحدة،
ونجمة واحدة.

وبقيتُ أعمى من الحب
ومن الحب بقيَتْ عمياء السماء.
وبات كل الكون - ليس أكثر -
من عناء نجمة، وضياء دمعة.

هذه البذور
نعم، أيها النقّاد العُنُد: ليكن معلوماً. إني سأزرع بذوري في رؤوسكم، مليون
مرة، إذا لزم الأمر. وذلك لأرى إن كنتم يوماً ستعرفون ما تحمل لكم؛ إن الشعر
الصافي، لا علاقة له مع الصفاء المادي، ولا الصفاء الأخلاقي. وحده الشعر
يُولَدُ صافياً من الغريزة الصافية، من الإنسان الطبيعي.

بيدرو ساليناس
(م. 1891 - 1951)

الشعر عنده يقترن بالحب. والعالم والأشياء توابع له. نسيجه متراصّ. تميزه
الوحدة الموضوعية والثبات. وهو، وإن بدا في ظاهره ضيّق الأفق، يبقى مرتبطاً
بمسائل الإنسان الكبرى.

الليل: الشك الكبير

الليل هو الشك الكبير
بالعالم وحبِّك.
أنا في حاجة إلى النهار كي يكرّر لي
كل نهار انه نهار، وأنه
الضياء: وأنت حاضرة.
إنه انهيارٌ عظيم
للرخام والقصب،
إنه نصول ألوان
الأجنحة والأزهار:
الليل: الخوف
أخيراً من ضياع كل شيء
- أنتِ، والألوان -
يجعلني أرتجف. هل هو العدم؟
هل أحببتني بكل بساطة؟
عندما تصمتين،
والليل سائد، لا أعرف
إن يكن الحب والضياء يوجدان.
أنا في حاجة إلى هذه الأعجوبة الغريبة:
يوم آخر
وصوتك يؤكد لي
المعجزة أبداً.
حتى لو تصمتين،
في المدى الهائل، يبزغ
الفجر، على الأقل،
نعم، الفجر. والضياء
الذي يغمرني اليوم
هو امتثال العالم
للحب الذي أُكنّه لكِ.

خورخي غِيِّين
(م. 1893)

يُعتَبر احد ممثلي الغنائية الاسبانية الأبرز في القرن العشرين. يقدم لنا
شعراً غنياً، مصقولاً، في نبرة محكمة، وهندسة شعرية أصيلة

الربيع الخفيف

لمّا الفضاء يختصر بدون صورة جانبية
في غيمة
حيرته الضالّة الكبرى
- أين الشاطئ؟ -

بينما النهر بتعرّجاته
يستمر

يفتّش، من منعرج إلى منعرج، راسماً
نهايته

بينما الماء، بخضرته القاسية،
يرفض أسماكه

في انعكاس جوٍّ مبهم
وعميق يرتعش...

لمّا الصباح يقود أروقة
حَوراته البطيئة

بفضل الرواسب المهتزّة
بين أوراق الأشجار

بعد تقدم مُتَلوٍّ
يجمع في خورس

تموّجَ السماء جدَّ الرائع
فوق ريحها

مع المجرى السريع للوقائع
التي تمر في اندفاع...

أيها الربيع جدَّ الخفيف
بين مجاذيف النوتيّة.
الحدائق
الزمن في العمق. أنظر إليه
كيف يتمدّد على الحدائق. كيف يتجوّف.
ها هو يكشف لك سريرته. يا شفافية
المساءاتِ الجمة الملمومة أبداً.
ارض وزمان
عطاءٌ فائق الحدّ: نجدٌ عالٍ
من أجيال النور
يندفع من الشرفات
بعطر مشهد طبيعي.

ينحفر فيكِ
مجرى نهري،
- بلذّة الجريان -
أيتها الأرض، الأرض، يا أرضي.

(ما هي تلك المجاهل،
تلك المظاهر الغامضة؟

وجهاً لوجه يتوافق
صمتي مع واديه.)

أعرف مثل هذه الجمالات،
جدّ الحية، جدّ الحقيقية،
التي لا تُسَلِّم إلا هذا المكان
صيغتها، مفتاحها.

كمثل حواراتك، والهواء،
أتشرّبكَ أيها الوطن،
يا قدَري! فارعَني
حتى أتكامل.

فيديريكو غارثيا لوركا
(1898 - 1936)

إنه أشهر الشعراء الاسبانيين في القرن العشرين. تختلف نفثاته عن سائر نفثات
عصره، برموزها الملونة البارقة، ودراميتها القاسية في رؤيتها للعالم
الأندلسي، وغنائيتها الغائصة الوريد في بطون الأرض الاسبانية.

الطفل الأبكم

الطفل يفتّش عن صوته.
(أخذه ملك الجنادب)
في قطرة ماء
كان الطفل يفتّش عن صوته.

لا أريد صوتي لأتكلّم.
فأنا سأصنع منه خاتماً
يَضَعه صمتي
في إصبعه الصغيرة.

في قطرة ماء
كان الطفل يفتش عن صوته.
(وكان الصوت الحبيس، في البعيد،
يلبس ثوب جندب.)

أغنية الجريح بالماء
أرغب في النزول إلى قعر البئر،
وفي تسلّق جدران غرناطة،
لأبصر القلب المثقوب
بمخرز الماء الأسود.
الطفل الجريح كان يئنّ
وعلى رأسه تاج جليدي.
وكانت الغدران، والصهاريج، والينابيع
تشهر سيوفها بوجه الريح.
آه، يا لها من سورة حب! يا له من حد جارح!
من ضوضاء ليلية! من موت أبيض!
ومن صحارى ضوئية كانت تمطر
مراملَ الفجر!
الطفل كان وحيداً،
والمدينة تغفو في حنجرته.
وكان نبعٌ يَنْبجس من الأحلام،
يحميه من جوع الطحالب.

كان الطفل واحتضاره، وجهاً لوجه،
مثل مَطَرين أخضرين متعانقين.
كان الطفل يتمدّد على الأرض،
واحتضاره ينحني فوقه.

أرغب في النزول إلى قعر البئر،
في أن أموت موتي، بجرعات صغيرة،
في أن أملأ قلبي بالطحلب
لأبصر الطفل الجريح بالماء.

الموت الأسود
أودّ أن أنام نومَ التفاح،
أن أبعد عن صخب المقابر،
أود أن أنام نومَ ذلك الطفل
الذي شاء أن ينتزع قلبه في عَرْض البحر
لا أُحب تردادَ أن الموتى
لا يفقدون دمهم؛
إن الفم البالي لا يزال يطلب الماء.
لا أحب أن اعرف شيئاً عن العذابات
التي يجود بها العشب،
ولا عن القمر بفمه الثعباني،
الذي يزاول عمله قبل طلوع الفجر.

أحب أن أنام لحظة،
لحظة، دقيقة، قرناً؛
ولكن ليعلم الجميع أني لم أمت،
وأنّ على شفتيّ حظيرة ذهبيّة؛
وأنّي الرفيق الصغير للريح الغربية؛
وأنّي ظلّ دموعي اللاّيُحدّ.

غطّني بقناع عند الفجر،
لأن الفجر سيرشقني بحفنات من النمال،
ويبلل حذائي بماء جامد
كي تزلق كلاّبة عَقربه.

لأنّي أود أن أنام نومَ التفّاح،
لأتعلّم بكاء يُطَهِّرني من الأرض؛
لأني أود أن أحيا مع ذلك الطفل الكئيب
الذي شاء أن ينتزع قلبه في عرض البحر.

فيثِنْتي ألكسندري
(م. 1898)

تسنّم ألكسندري بين الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، سدّة من الإكبار
كالتي تسنّمها من قبلُ خيمينيث بين شعراء جيله. لقد عُدّ من أحر الحناجر
وأكثرها إنسانية، في غنائية عرفت أن تنقل بقوة، الانتفاضات الأصيلة للحب
والحياة، ورؤية الشاعر الديناميت للعالم.

في الساحة العامة

كم هو جميل، جميل بإدهاش، وبسيط يوحي بالثقة، وعميق ومثير،
أن تكون تحت الشمس، بين الناس الآخرين،
مدفوعاً، مخطوفاً، مجذوباً، وعَجولاً، في تفجّر الحياة.
لا يجدر بك أن تبقى على الشاطئ،
كحاجز،
أو صدفةٍ في تكلّسها
تحاول أن تشابه صخرة.
بل يَجمُل بك في صفاء نيّة،
أن تنزلق في الفَرح، تنغمس فيه، تضيع،
كي تعثر على ذاتك في الحركة،
حيث قلوب الناس تخفق، متبدّدة،
كذلك الرجل الذي رأيته ينزل السلّم (لا أعلم في أيّ طابق يقيم)،
ويَنغلّ بشجاعة بين الجموع، ويضيع.
وكانت الجموع تعبر. ولكن كان يُلاحَظ
ذلك القلب الصغير الذي ارتمى بينها.
مَن يعرفه؟ لقد اختلط بها، في أمل، وثقة، وإيمان، وجُرأة مرتعشة، وتواضع
صامت.
كان ذلك في الساحة العامة الكبرى، التي تفوح بالحياة،
برائحة الشمس الطليقة، حيث الريح كانت تُدوّم،
الريح التي كانت تبسط يدها على الناس،
وتُداعب وجوههم المتوحِّدة، مشدّدةً عزمهم.
كانت تلك أفعى الحياة التي كانت تتقدّم،
شِبه كائنٍ وحيد، مضطرب، وقدير معاً،
لكنّه حقيقي، وملموس،
كان يُغطّي الأرض.
كان الجميع يتبادلون النظرات، فَرِحين بأن يتعرّف بعضهم إلى بعض.
فإنْ شئتَ أن تسأل صورتك،
في ليلةٍ دافئة، في سكون مكتبك،
بعينين غامضتين، والسؤال على الشفتين،
فلا تبحث عن ذاتك في المرآة:
إنّه حوارٌ مخنوقٌ، لا تسمع منه شيئاً.
بل انزل إلى الشارع في بطء، وابحثْ عن ذاتك
بين الآخرين؛
هنا تجد الجميع، وأنت بينهم.
فتجرّد واختلطْ بهم، تعرفْ ذاتك.
تغلغلْ بينهم في بطء، كالسابح الذي يخاف الماء
بحب وتوقير،
فيغطّس أوّلاً قدميه في الزّبد،
وإذ يشعر بالماء يرتفع، يتجرأ أخيراً ويُصمّم.
ولكن برغم بلوغ الماء خصره، لا يزال يتردّد.
ثمّ يمدّ ذراعيه، ويفتحهما مستسلماً كلياً للبحر.
وهكذا يعرف ذاته تماماً، وتنمو قواه.
ويمضي يركب الزبد في ثقة،
شاقاً الأمواج الهائجة، وهو يغنّي، تغمره حُميّا الشباب.
كذلك أنت. فلتَدخلْ فورة الحياة، بقدمين عاريتين!
فلتدخل الساحة العامة، ودَفْقَ الحشود الذي ينتظرك، وكُنْ ذاتك!
آه، أيها القلب الصغير، يا القلب التواق إلى الخفقان
في اتحاد تام مع ذلك القلب الجماعي الذي يغذّيه!

رافاييل ألبرتي
(م. 1902)

صوتُ شعريّ بارز. يتردّد بين التهكم والتّمزّق، بين الشعبي والتصفية
الأريستوقراطية، في تفنّن شكلي قادر على إنجاز أصعب الحركات بأحسن البداهات.
إنما شعره، مع طيبته وقسوته، بقي بعيداً عن التأثّر الصحيح الصادر من القلب.
وهو يذكّرنا بفنّ غونغورا في القرن السابع عشر. على أن إنتاجه بعد الحرب،
يشير إلى غنى في مجال الشعور الإنساني، والى يأس حزين، وحنين رقيق إلى أرضه،
أثناء إقامته في أميركا.

أغنية امرئ لم يرَ قطّ غرناطه

( مهداة إلى لوركا)

كم هي بعيدةٌ تلك الحقول والجبال، عبر البحار!
الآن يعرف رأسي الأشيب سموات أخرى.
لكني لم أزرْ قطّ غرناطه.

رأسي أشيب، عمري ضائع.
أودّ لو استعيد الدّروب القديمة المطموسة.
فأنا لم أرَ قطّ غرناطه.

أَعطِ يدي غصنَ ضياء أخضر.
واللجام القصير، والعَدْوَ الطويل.
فأنا لم أَلِجْ قط غرناطه.

أيُّ عدوٍّ في متاريسها يقيم؟
مَن يعكّر صَفوَ الأصداء الحرّة في سمائها؟
فأنا لم آتِ قطّ غرناطه

مَن اليومَ يعتقل حدائقها،
ويخنق صوت نوافيرها؟
فأنا لم أرَ قطّ غرناطه.

تعالوا، أنتم الذين لم تعرفوا غرناطة.
ثمة دمٌ يُراق، دم الأخ الأحبّ.
الدّمُ على الآس، وفي مياه المعابر.
فأنا لم آتِ قطّ غرناطه.

دم الصديق الأعزّ، على الآس.
الدّم في دارّو، الدم في خينيل.
فأنا لم أرَ قطّ غرناطه.

الأبراج جدّ عالية، والشجاعة فائقة.
فتعالوا، عبر البحار، والحقول والجبال.
تعالوا، فأنا ماضٍ إلى غرناطه.

أغنية

ليَخْضرَّ الفرح مجدّداً
مع شمس الربيع.

ثمّة أسبابٌ كافية لتكون حزيناً
برغم الربيع.

الدم يسيل عبر العالم
وقد وصل الربيع.

والموت يمضي طليقاً
برغم الربيع.

فأين يمكن الخُضرة أن تفرح،
إن تكن ريحُ الأذى تلفّها بالسواد؟

هل الموت ضروري
لتأصيل الربيع؟

ثورٌ في البحر
(مقاطع)

-1-
من زمان طويل
قالوا لهذه البلاد:
أنظري نفسك، تري أنكِ
في شكل ثور،
في جلد ثورٍ منشور
مُدّ على البحر،
(ثور ميتٍ أخضر)

-2-
كنتِ بستان ليمون،
غيضةً من بحارٍ طليقة،
قرناكِ الأخضران يهتزّان
من ثقل الزيتون والعنب.
لكنهم غطّوكِ بالبارود،
فصرتٍ ثوراً من نار.

-3-
فَلْنذرفِ الدموع.
لم يبقَ غير الشوك والقرّاص.
طينٌ حزين بارد،
عالقٌ بالأحذية إلى الأبد.
وإذ هوى في البعيد، جنديّ،
تسلّق البحر إحدى النوافذ،
وراح يبكي قرب صورته.

نعم! يجب أن نحكي ذلك!

لويس ثرنودا
(1902 - 1963)

في شعر ثرنودا تحترز الصورة من كل إبهام وعدم دقّة، مستجيبة حقيقة شعرية
حسيّة خالصة. وتتجلى القصيدة لا كبناء بيانيّ جميل وحسب، بل كانعكاسٍ رثائيّ
معيش بكثافة. ومن هنا، كان هذا الثقل النوعي لأشعاره، التي تقدم لنا في شكل
غاضب فائر أو حزين عذب، عاطفته السوداوية.

قصيدة

كما الحلم
يَفصل النّفس عن الجسد
هكذا الضباب
يفصل بين الأرض والنور.

كل شيء غريبٌ وغامض.
لا صوتَ يُسمع، لا عَصْفَةَ ريح،
ولا اختلاجَ في المياه،
ولا حرارة على الأرض.

هل تعرف ما يأمل
الطائر الساكن
على غصنٍ يابس
مذهولاً في طويّته؟

في البعيد، خَلف نافذة،
يشعّ نور،
يُذكّر بالساعة
الأكثر ريبة.

ثمّة الحياة، وأنت وحيد،
لا ميتٌ ولا حيّ،
تتسمّع إلى نبضات
قلبك الضعيفة.

وعبر الضواحي القذرة،
تمضي بلا هدف،
كمثل قدَر البشر
الباطل.

وتبحث في ذهنك،
عن النور والإيمان،
بينما في الخارج الظلام
يحتفل بانتصاره.
وَحدة
لماذا تُقدّم أشعارك،
حتى وإنْ تكن قليلة القيمة،
إلى أناسٍ أقل منها قيمة؟

وأنت، الذي تتفوّه بذلك،
أقلّ قيمةً من أي شخص،
لأنك لم تتعلّم الصمت.

إنّها كلماتٌ في الريح،
حتى وإن يكن لها صدى،
فالصدى يردّد ما يجهله.

ميغيل ارنانديث
(1910 - 1942)

من رعيل الكبار في الشعر الأسباني الحديث. موهبة متوقّدة، تختلف عن لِداتها
من بعض نواح، لا من حيث منبتها الريفي الواهن، في بلدته أوريولا، حيث كان
الشاعر راعياً في حقولها، أو من حيث تطوّرها اللاحق الأيديولوجي في مدريد،
والذي امتاز باشتراك الشاعر في الحرب الأهلية، وموته سجيناً في اليكانتي،
وإنّما بالصّفة العامة لغنائيته المغلَّفة بشعلة من السورة العاطفية،
المطابقة لبيانٍ وثّابٍ رفيع. كلّ أعماله، ليست سوى قلب شعريّ للواقع المخيف،
القاسي والحامز، في بداهةٍ أنضجها السجن والألم والموت.

أدعو نفسي الوحل
(مقطع)

أدعو نفسي الوحل، وإنْ دُعيت ميغيل.
الوحل مهنتي. وقدَري
إذ يلعق بلسانه، يترك القذَر.
أنا آلة الدرب الحزينة.
مطروحٌ عند قدَمَي معبودي.

كثَورٍ ليليّ من الماء والأرض البور،
يبغي أن يكون مخلوقاً معبوداً،
أهاجم حذاءك وحاشيته،
وأُقبّل عقِبك وأزرعه بالزهور،
عَقِبك المصنوع من الطنافس، من القُبَل.
عقبك الذي يشتمني.
أغنية
أودّ مرافقتكِ بالقرب من الماء،
لأسمع غناءَكِ ينبجس من البحر.

بالقرب من الماء أودّ الإمساك بكِ،
لعلّ الماء يمنحكِ حيويته.

بالقرب من الماء أودّ الإحساس بكِ،
فسيعلّمك الزبدُ الضحك.
بالقرب من الماء، أودّ يا امرأة، رؤيتكِ،
وضمّكِ، وإخصابكِ، والتعرّف إليكِ.

بالقرب من الماء، يا شريدة البحر
التي لا يمكنها الانوجاد أو الضيّاع.
الحرب
الشيخوخة؟ في القرى.
القلب؟ بلا سيّد.
الحبّ؟ بلا هدف.
العشب، الغبار، الغراب...
والشباب؟

في القَبر.

الشجرة؟ وحيدة ويابسة.
المرأة؟ أشبه بحَطَبة.
والأرملة في فراشها.
والحقد؟ آمرٌ ناهٍ.

والشباب؟ في القبر.
المقبرة قريبة
المقبرة قريبة،
حيث يرقد كلانا، أنا وأنتِ،
بين تين الهند الأزرق،
والصبّار الأزرق، والصغار
الذين يحتجّون بشدّة،
حين يُغطّي الدربَ ميتٌ بضبابة.

من هنا إلى المقبرة،
كلّ شيء أزرق، صافٍ، ذهبيّ.
أربع خطواتٍ، الموتى.
وأربع خطواتٍ: الأحياء.

صافياً، أزرق، ذهبياً،
يشبّ الطفل هناك في البعيد