المفتاح

أضعتُ مفتاحي، قُبّعتي، رأسي! المفتاحَ القادم من دكّان "راؤول في "تيموكو".
كانَ هائلاً، في الخارجِ، منسيّاً ويدلُّ علي الدّكان. مفتاح الهنود الحمر.
التمستهُ من "راؤول حينَ حللتُ شمالاً، انتزعته، سرقتهُ في غمرةِ رياحٍ
عاصفةٍ وضاريةٍ. وعلي صهوةِ حصانٍ حملتهُ صوبَ لونكوتشي". مذاكَ وهو يرافقني
قطار الليل كعروسٍ مجللةٍ بالأبيض.
أدركتُ بأنّ كلّ أشياءِ البيت التي في غير مواضعها سلبني إيّاها البحرُ.فعبر
ثقوب المفاتيح يتسرّبُ في الليل، منْ تحت نهايات الأبواب والنّوافذ ومن
فوقها.
وعندما يهبطُ الليلـ شاحبُ في العتمةِ هو البحرـ أرتابُ بلا يقينٍ في
اجتياحهِ الغامض. عندَ مشجبِ الشمسيّةِ أو فوقَ أذنيّ ماريّا سليستي
الوادعتينِ سأكتشفُ قطراتِ البحر الصُلب، ذرّاتِ قناعهِ الذهبيّ. وفي الليل
يجفُّ البحرُ. يُبقي أبعادَهُ، قوّتَهُ، أمواجَهُ العاليةَ ويستحيلُ إلي طاسٍ
ساحقٍ من هواءٍ عالٍ، إلي كتلةٍ غير محوزةٍ حرَّرتْ نفسها من مياهها. يدخلُ
بيتي ليعلمَ ماذا لديّ وكم. في الليل يعبرُ، قُبيل الفجر: كلُّ شيءٍ هامدٌ في
البيتِ ومالحٌ: الأطباقُ، السكاكينُ والأشياء النظيفةُ التي بتلامسِ وحشيتها
لا تخسرُ شيئاً؛ تأخذها الرّعشةُ حينَ يدخلُ البحرُ بكلِّ عيونهِ الصفراءَ
التي كعيونِ القطط.
هكذا أضعتُ مفتاحي، قُبَّعتي ورأسي.
سلبها المحيطُُ، في سيرهِ المتمايل. وذاتَ صباحٍ جديدٍ وجدتها. أعادتها موجةُ
موجةُ النَّذير التي عند بابي خلَّفتْ أشياءَ ضائعةً.
هكذا، وبإحدي عادتِ البحر، أعادَ الصباحُ مفتاحيَ الأبيضَ، قبّعتي المغطّاةِ
بالرّمل، ورأسي ـ الرأسُ الذي لبحّارِ سفينةٍ محطّمةٍ.