كتاب إيلان بابيه.. (كوة) فـي جدار الإنكار الصهيوني

لم تهدأ الضجة الإعلامية والأكاديمية والسياسية التي أثارها الكتاب الجديد المثير للجدل والمتوفر على معلومات ''مذهلة'' وغير مسبوقة وخصوصا حول حقيقة ما حدث في الشهرين الأخيرين اللذين سبقا قيام دولة إسرائيل رسميا في 15 أيار 1948، الذي أصدره أستاذ قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة حيفا د.آيلان بابيه قبل شهور قليلة (الكتاب صدر بالإنجليزية أولا لأسباب خاصة بالمؤلف سنشير إليها لاحقا، ثم قامت مؤسسة الدراسات الفلسطينية بترجمته إلى العربية (ترجمة أحمد خليفة) وصدر عنها في بيروت في تموز 2007 بمناسبة الذكرى 59 للنكبة).
النقاش المحتدم الذي أججه صدور كتاب البروفسور آيلان بابيه لم يكن منفصلا بطبيعة الحال عن مجمل السجالات التي اندلعت في الأوساط الأكاديمية والعلمية والسياسية والحزبية وأيضا الدينية في إسرائيل منذ بروز ''ظاهرة'' المؤرخين الجدد في إسرائيل (والتي أطلق عليها بعضهم ''مرحلة ما بعد الصهيونية'') الذين اخذوا على عاتقهم مهمة ''إعادة'' قراءة، أو لنقل التدقيق الأكاديمي العلمي في الرواية الإسرائيلية (الصهيونية) حول عمليات طرد الفلسطينيين من أراضيهم..
هي إذن بدأت كمحاولة لمراجعة التاريخ إلى انحصر دائما إسرائيليا، يهوديا وصهيونيا، في رواية واحدة تريد إخفاء حقيقة الخطط والسيناريوهات التي نفذتها العصابات اليهودية المسلحة ضد الشعب الفلسطيني لاقتلاعه من أرضه عبر ترحيله قسريا وتوفير البيئة المناسبة لإقامة دولة يهودية خالية من الوجود الفلسطيني، ما عنى في جملة ما عنى تدبير عمليات تطهير عرقي ''منظمة'' لم يعد جزء من الأكاديميين الإسرائيليين يقبلون أن يستمر إنكار حدوثها وهم -كما الحال مع آيلان بابييه- يدعمون (استنادا إلى الأرشيف الرسمي الإسرائيلي وأيضا الروايات الشفهية اليهودية والفلسطينية لما جرى) إلى فتح الموضوع والاعتراف (الصهيوني بالطبع) بما حدث، وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني من خلال وضع حق العودة للاجئين الفلسطينيين موضع التنفيذ كسبيل وحيد لـ''المصالحة '' التي ستحول دون أي صراع مستقبلي كما يقول آيلان بابيه.
المؤرخون الجدد إذن، التي تبرز من بينهم ثلاثة أسماء شهيرة هم: بني موريس، وافي شلايم، وآيلان بابيه، حاولوا دحض المقولة الصهيونية لولادة الدولة العبرية رغم أن مؤرخاً مثل بني موريس تراجع عن مواقفه، بل إن آفي شلايم انقلب على ما كتبه وكل ما صرح به، وعاد ليقول إن القوات اليهودية ''أخطأت'' عندما لم تقم بترحيل كل الفلسطينيين عن كامل أراض إسرائيل. لكن د.آيلان بابيه هو الشخصية الأكثر بروزا بين المؤرخين الجدد، ويواصل في كتابه الجديد فضح الرواية الرسمية الإسرائيلية حول ما حصل قبل قيام إسرائيل وبعده بأشهر أيضا.

اثنا عشر فصلاً

من هنا يمكن التوقف طويلا عند هذا الكتاب/الوثيقة الذي جاء معززا بالحقائق المكتوبة (المؤرشفة) وبروايات شفهية لشخصيات يهودية شاركت في عمليات التطهير العرقي وبالأسماء ''الكودية'' للخطط والسيناريوهات التي اعتمدت وتمت المصادقة عليها رسميا من قبل قيادة الهاغاناة (الميليشيات الصهيونية الرئيسية في فلسطين، كذلك الهيئة الاستشارية التي كانت يرأسها دافيد بن غوريون المؤسس الفعلي لدولة إسرائيل).
وإذا كان المجال لا يتسع هنا لعرض الفصول الاثني عشر لكتاب أو لوثيقة الإدانة الشاملة التي عرض فيها بابيه صورة متكاملة عن عمليات التطهير العرقي المنظمة التي قامت بها العصابات الصهيونية المسلحة ضد الفلسطينيين والتي شهد عليها مراقبو الأمم المتحدة، ومراسلو الصحف الأميركية، فإن من الضروري التوقف عند بعض المحطات والإشارات والأحداث اللافتة لوضع بعض أجزاء الصورة ''الأصلية'' لما جرى، وخصوصا في شأن التعريف الإجرائي والقانوني لمعنى مصطلح ''التطهير العرقي''، كذلك طبيعة الجهود والعمليات الميدانية (الاستخبارية) التي قامت بها القوات اليهودية (كما يسميها بابيه) قبيل الإعلان الرسمي عن قيام إسرائيل، وكيف كان التنظيم والعمل الموثق وجمع المعلومات والالتزام بالتعليمات هي الصفات المميزة لعمل هذه العصابات؛ فيما كانت العشوائية والبدائية وغياب القيادات السياسية والوعي عن العمل الفلسطيني غير الموحد أصلا، وكذلك العمل العربي المتسم بالعاطفية والانفعال وردود الفعل وانعدام المبادرة...

معنى التطهير العرقي

يقول د.بابيه في الفصل الأول تحت باب ''تعريفات'':.
''... وأصبح للتطهير العرقي حاليا مفهوم معرف جيدا، فمن فكرة تجريدية مرتبطة حصرا، إلى حد كبير، بالأحداث فيما كان يسمى سابقا (يوغسلافيا)، صار الآن يعرّف انه جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون''. وذكر أسلوب استخدام بعض الجنرالات والساسة الصرب لتعبير (التطهير العرقي)، كالعلماء المختصين بأنهم سمعوا هذا التعبير من قبل، إذ استخدمه النازيون وحلفاؤهم في يوغسلافيا كالميليشيات الكرواتية، في الحرب العالمية الثانية، لكن جذور الطرد الجماعي ضاربة في القدم. فقد استخدمه الغزاة الأجانب (أو مفردات مرادفــة له) وطبقوا مضمونه بمنهجية ضد السكان الأصليين منذ زمن التوراة حتى زمن أوج الاستعمار''.
أما موسوعة ''هاتشينسون'' فتعرف ''التطهير العرقي'' بأنه طرد بالقوة من أجل إيجاد تجانس عرقي في إقليم أو ارض يقطن فيها سكان من أعراق متعددة. وهدف الطرد هو ترحيل اكبر عدد ممكن من السكان، بكل الوسائل المتاحة لمرتكب الترحيل، بما في ذلك وسائل غير عنيفة، كما حدث بالنسبة إلى المسلمين في كرواتيا الذين طردوا بعد اتفاقية دايتون في تشرين الثاني 1995.
يتوقف د.إيلان بابيه هنا عند ''قبول'' وزارة الخارجية الأميركية بهذا التعريف فيقول: ''إن خبراءها يضيفون على تعريف الموسوعة، بأن جزءا من جوهر التطهير العرقي هو اقتلاع تاريخ الإقليم المعني بكل الوسائل الممكنة. والطريقة الأكثر استخداما هي إخلاء الإقليم من السكان في سياق أجواء تضفي شرعية على أعمال المعاقبة والانتقام''. وتكون النتيجة النهائية لمثل هذا العمل خلق مشكلة ''لاجئين''. وقد تفحصتْ (يقول بابيه) وزارة الخارجية الأميركية، بصورة خاصة، ما حدث في أيار 1999، في مدينة ''بيك'' في كوسوفو الغربية. فقد تم إخلاء هذه المدينة في غضون 24 ساعة، وهذا لم يكن ممكنا إنجازه إلا من خلال تخطيط مسبق أعقبه تنفيذ منهجي. وقد حدثت مجازر متفرقة من اجل تسريع العملية، وما حدث في مدينة بيك في سنة 1999، حدث بالطريقة نفسها تقريبا في مئات من القرى الفلسطينية في سنة 1948,,,. يخلص إلى ذلك د.بابيه.
إذن، ''قصة'' 1948 ليست طبعا، معقدة على الإطلاق، ولهذا فان هذا الكتاب يتوجه (كما يقول كاتبه نفسه) إلى القادمين الجدد إلى هذا الحقل (حقل دحض الرواية الرسمية الصهيونية الإسرائيلية والتي تقول إن السكان المحليين غادروا البلد طوعا)، وفي الوقت نفسه إلى الذين كانوا لأعوام كثيرة ولأسباب متعددة، معنيين بالمسألة الفلسطينية، ويفتشون عن طريق للاقتراب من إيجاد حل لها، إنها القصة -يكتب بابيه- البسيطة والمرعبة لتطهير فلسطين من سكانها الأصليين، وهي جريمة ضد الإنسانية، أرادت إسرائيل إنكارها وجعل العالم ينساها.. إن استردادها من ''النسيان'' -والقول ما يزال لبابيه- واجب علينا، ليس فقط من اجل كتابة تاريخ صحيح، كان يجب أن يكتب منذ فترة طويلة، أو بدافع من واجب مهني، إن ذلك كما أراه، قرار أخلاقي وبالذات الخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها، إذا أردنا أن نعطي المصالحة فرصة، وان نتيح للسلام أن يحل ويتجذر في فلسطين وإسرائيل.

الخطة دالِت

بداية القصة، أو: ما هو التاريخ الفعلي لبدء تنفيذ خطة التطهير العرقي في فلسطين؟.
''.. في عصر يوم أربعاء بارد، في 10 آذار 1948، وضعت مجموعة من احد عشر رجلا، مكونة من قادة صهيونيين قدامى وعسكريَّين شابَّين، اللمسات الأخيرة لتطهير فلسطين عرقيا، وفي مساء اليوم نفسه، أرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض بالاستعداد للقيام بطرد منهجي لفلسطينيين من مناطق واسعة في البلد، وأرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لإخلاء الناس بالقوة: إثارة رعب واسع النطاق، محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية، حرق منازل وأملاك وبضائع، طرد، هدم (بيوت ومنشآت)، وأخيرا، زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان من العودة إلى منازلهم. وتم تزويد كل وحدة بقائمة تتضمن أسماء القرى والأحياء المحددة كأهداف لها في الخطة الكبرى المرسومة. وكانت هذه الخطة، التي كان اسمها الرمزي الخطة دالِتْ (أي الحرف ''د'' بالعبرية) هي النسخة الرابعة والنهائية عن خطط اقل جذرية وتفصيلا عكست المصير الذي كان الصهيونيون يعدونه لفلسطين، وبالتالي لسكانها الأصليين، وقد كانت الخطط الثلاث السابقة، تعكس في شكل مبهم تفكير القيادة الصهيونية بالنسبة إلى كيفية التعامل مع تلك الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين القاطنة في الأرض التي كـانت الحركـة القوميـة اليهوديـة (تشتهيها) لنفسها.
أما هذه النسخة الرابعة والأخيرة، فقد بينت ذلك بوضوح، وعلى نحو غير قابل للتأويل: (الفلسطينيون يجب أن يرحلوا!)''.

وثائق وروايات شفهية

قد يسأل بعض القراء عما إذا كان هناك ما يسند مثل هذا الكلام من الوثائق الرسمية؟.
الجواب بالتأكيد: نعم، وقد استفاد بابيه (كما غيره من الباحثين والأكاديميين والمؤرخين الجدد الصهاينة) من قانون ''السرية'' الإسرائيلي الذي يسمح بنشر معلومات أو الاطلاع على وثائق مضى عليها 40 سنة، ولأن بابيه يحرص على احترام الحقيقة والرصانة العلمية والفكرية والأكاديمية فإنه مضى بعيدا في توثيق كتابه، فقام بمقابلة من بقي على قيد الحياة من الذين شاركوا في الأحداث، سواء أولئك الذين مارسوا التطهير العرقي أو ساهموا فيه بشكل أو آخر، أم ضحايا هذه الجريمة ضد الإنسانية من الفلسطينيين، فاعتمد الوثائق والروايات الشفهية أيضا.. وهو يذكرها في كتابه بالأسماء والتواريخ والوقائع..
إذن، يواصل بابيه تعرية ما ارتكبته القوات اليهودية (كما يصفها دائما) فيقول: ''بعد أن اتخذ القرار (أي قرار البدء بتنفيذ الخطة دالت)، استغرق تنفيذ المهمة ستة اشهر، ومع اكتمال التنفيذ، كان أكثر من نصف سكان فلسطين الأصليين، أي ما يقارب 800 ألف نسمة، قد اقتلعوا من أماكن عيشهم، و531 قرية دمرت، و11 حيا مدنيا أخلي من سكـانه. إن هذه الخطة التي تقرر تطبيقها في 10 آذار 1948، والأهم من ذلك تنفيذها بطريقة منهجية في الأشهر التالية، تشكل مثالا واضحا جدا لعملية تطهير عرقي، وتعتبر اليوم في نظر القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية''.
نعود إلى طرح الأسئلة من جديد..
هل كان كل ذلك ممكننا ومتاحا أمام القوات اليهودية، لمجرد وضع خطط وسيناريوهات يقوم بإعدادها نفر من القيادات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أم إن الأجواء والمعطيات والمعلومات والخرائط كانت جاهزة ومتوفرة، ما سمح بتنفيذ خطة ابادة جماعية، كالخطة ''دالت''، على تلك الدرجة من الكفاءة والسرعة وإبقاء السيطرة الكاملة على الأوضاع الميدانية والسياسية أيضا؟
نعم،
فقد تم إعداد ''سجل'' مفصل للقرى العربية بناء على ''اقتراح'' من مؤرخ شاب متخرج في الجامعة العبرية اسمه ''بن تسيون لوريا'' الذي كان موظفا في الدائرة التعليمية التابعة للوكالة اليهودية، وقد اقترح أن يقوم الصندوق القومي اليهودي بإعداد هذا السجل، ''لأن هذا سيساعد جدا في تحرير البلد''!.
تم الأخذ بالاقتراح، وكانت المهمة الرئيسية -كما يقول إيلان بابيه- رسم خرائط القرى، لذا تم تجنيد خبير طوبوغرافي من الجامعة العبرية، كان يعمل في دائرة رسم الخرائط الانتدابية للعمل في المشروع، واقترح هذا الخبير القيام بمسح فوتوغرافي جوي للقرى، وأطلع بن غوريون على خريطتين لقريتي السنديانة وصبارين (الخريطتان موجودتان حاليا في أرشيف دولة إسرائيل، وهما كل ما تبقى من هاتين القريتين بعد سنة 1948). ثم دُعي أفضل المصورين المحترفين في البلد للانضمام إلى المبادرة.

الفلسطينيون ''مكشوفون'' بالكامل

هل جاء هذا العمل الخطير الذي قام به الصندوق القومي اليهودي متأخرا في التوقيت؟.
ليس الأمر كذلك بالتأكيد. كانت المحصلة النهائية لجهود الطوبوغرافيين والمستشرقين ملفات لكل قرية من قرى فلسطين، عمل الخبراء الصهيونيون على استكمالها بالتدريج بحيث أصبح (الأرشيف) مكتملا تقريبا في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي. وتضمن ملف كل قرية تفصيلات دقيقة عن موقعها الطوبوغرافي، وطرق الوصول إليها، ونوعية أراضيها وينابيع المياه، ومصادر الدخل الرئيسية، وتركيبتها الاجتماعية والانتماءات الدينية للسكان وأسماء المخاتير والعلاقات بالقرى الأخرى وأعمار الرجال (من سن 16 إلى سن الخمسين) ومعلومات كثيرة أخرى.
ومن فتات المعلومات المهمة كان هناك مؤشر يحدد درجة ''العداء'' للمشروع الصهيوني، بناء على مدى مشاركة القرية في ثورة 1936. وكانت هناك قائمة بأسماء الذين شاركوا في الثورة، والعائلات التي فقدت أشخاصا في القتال ضد البريطانيين. وأعطي الأشخاص الذي زعم أنهم قتلوا يهودا اهتماما خاصا.. هذه الأجزاء الأخيرة من المعلومات نجم عنها في سنة 1948، اشد الأعمال وحشية في القرى وقادت إلى إعدامات جماعية وتعذيب للضحايا.

شهادة حية

وكي لا تبدو الأمور وكأنها من نسيج الخيال أو محاولة لحشد المزيد من القضايا الاتهامية، فإن المؤلف يورد شهادة لأحد هؤلاء الذين شاركوا في تجميع هذا ''الأرشيف'' الضخم والشامل عن كل قرية فلسطينية، يقول:.
''أدرك الأعضاء النظاميون، الذين كلفوا جمع المعلومات من خلال رحلات (استطلاعية) إلى القرى منذ البداية، أن المهمة لم تكن تمرينا أكاديميا في الجغرافيا. وكان واحدا من هؤلاء موشيه باسترناك، الذي شارك في إحدى رحلات الاستطلاع وجمع المعلومات المبكرة في سنة 1940، وروى بعد أعوام:.
(كان علينا أن ندرس البنية الأساسية للقرية العربية، ويعني ذلك البنية وما هي أفضل طريقة لمهاجمتها، في الكليات الحربية -والقول لموشيه- علمونا كيف نهاجم مدينة أوروبية حديثة وليس قرية بدائية في الشرق الأدنى. لا نستطيع أن نقارنها (يقصد القرية الفلسطينية) بقرية بولندية أو نمساوية. القرية العربية، خلافا للقرى الأوروبية، كانت مبنية طوبوغرافيا على هضاب، وذلك يعني انه كان يتعين علينا أن نجد الوسيلة الأفضل للاقتراب من القرية من الأعلى أو دخولها من الأسفل، وكان علينا أن ندرب (عرَبنا) (يقصد اليهود المستشرقين الذي كان يُشغِلون شبكة من المتعاونين) على الطريق الأفضل للتعامل مع المخبرين''.
***
نظلم مؤلفا شجاعا من قماشة الدكتور إيلان بابيه وكتابه المهم ''التطهير العرقي في فلسطين'' إذا ما توقعنا في عرضنا له عند هذا الحد، وخصوصا أننا لم نتحدث إلا قليلا عن بقية فصوله، سواء في الدفع باتجاه دولة يهودية حصريا بما هي أساس في الفكر الصهيوني وليس بسبب رفض الفلسطينيين لقرار التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947 (الفصل الثاني)، أو ما جاء في الفصل الثالث تحت عنوان ''التقسيم والتدمير: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181''، كذلك الفصل التاسع حول الاحتلال ووجهه البشع، وخصوصا مسح النكبة من الذاكرة، وهو عنوان الفصل العاشر المخصص لعرض عمليات تهويد أسماء المواقع الفلسطينية وتاريخها في سعي واضح لطمس، بل لمحو الحقيقة التاريخية دون أن نهمل ما جاء في الفصليين الأخيرين (الحادي عشر والثاني عشر) حول إنكار الحركة الصهيونية والولايات المتحدة خصوصا والغرب على وجه العموم للنكبة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، والحديث عن اتفاق اوسلو وملاحقه والمحاولات لوضع وثائق أو مقترحات بديلـة بعد فشـل ''اوسلو'' الواضح مثل وثيقة جنيف بين عامي ايلون وسري نسيبة.

بالإنجليزية وليس العبرية

من المهم في النهاية الإشارة إلى مسألتين على درجة عالية من الأهمية كي نستدرك ما تم التقصير في تغطيته عن المؤلف والكتاب، ونقصد بذلك التنويه إلى الأسباب التي حدت بالمؤلف إلى كتابة كتابه باللغة الإنجليزية وليس بالعبريـــة: ''كي يقرأ الطلاب الجامعيون والباحثون وعامة الشعب في الغرب الحقيقة الكاملة والعارية وحتى ينشطوا للتأثير على صانعي القرار والرأي العام في بلادهم''.
أما أنه لم يطبع كتابه بالعبرية، فذلك لأنه وصل إلى مرحلة اليأس من المجتمع الإسرائيلي مضيفا: ''إن لم يتعامل العالم مع إسرائيل كما تعامل في حينه مع نظام الابارتهايد في جنوب إفريقيا فلن يكن سلام في الشرق الأوسط (نقلا عن مقالة لسالم جبران تحدث فيها عن محاضرة للدكتور إيلان بابيه استضافته فيها '' جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين '' في مدينة الناصرة).

ويكيبيديا

كذلك نود الإشارة إلى تعريف مصطلح ''المؤرخون الجدد'' كما ورد في الموسوعة الحرة المعروفة باسم ''ويكيبيديا'':.
''المؤرخون الجدد هم مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين، الذين قاموا بإعطاء رواية لما حدث في السنوات الأخيرة والأحداث الحقيقية التي رافقت قيام دولة إسرائيل واختلفت هذه الروايات عن الرواية الرسمية''.
* ظهور المؤرخين الجدد.
بدأت ظاهرة المؤرخين الجدد في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ويعود ظهورهم إلى اطلاعهم على الوثائق الموجودة في الأرشيف الوطني الإسرائيلي. يقول جواد الجعبري الباحث الفلسطيني المختص في الشؤون الإسرائيلية: ''في العام 1988، وبعد أربعين عاما من إنشائها، كشفت إسرائيل عن أرشيفها الوطني بموجب القوانين، وهكذا أصبح أمام جيل جديد من الباحثين الإسرائيليين إمكانية الاطلاع على وثائق رسمية عما جرى سابقا، وأدى ذلك إلى أن يراجع بعض المؤرخين مثل بني موريس ما قدمه من رواية حول تهجير الفلسطينيين العام 1948''..
ظهر معظم المؤرخين الجدد، خارج إسرائيل وبعيدا عن المؤسسة الأكاديمية الصهيونية، كما ظهر معهم مفهوم ''ما بعد الصهيونية''. تزامنا مع ظهور المؤرخين الجدد، ظهر ''علم الاجتماع الجديد'' المتماهي مع ما بعد الصهيونية، والذي اقترح أن تتم إعادة فحص المصطلحات الأساسية للمجتمع الإسرائيلي.

أسباب ظهورهم.. أسئلة جديدة

يعتقد غال ليفي، وهو باحث شاب يدرس في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية، إن فتح الأرشيف الوطني ليس السبب الوحيد الذي يفسر صعود المؤرخين الجدد ويقول: ''إن سفر هؤلاء المؤرخين ودراستهم في الخارج غيرّت نظرتهم وجعلتهم يطرحون أسئلة جديدة''. يعلل غال قوله: ''أعتقد أن فتح الأرشيف الوطني الإسرائيلي، لم يكن العامل الأهم، وبرأيي انه خلال سنوات سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي طرأ تغيير على معاهد البحث العلمي بشأن التحليل التاريخي. وهذا أثّر على المؤرخين الإسرائيليين الذي درسوا في الخارج، فاخذوا يطرحون أسئلة جديدة ولم يكن ذلك نابعا من الكشف عن وثيقة جديدة بقدر ما هو ناتج عن أسئلة جيدة''، وأضاف: ''إذا افترضنا أن باحثا صهيونيا وآخر غير صهيوني، توجها إلى الأرشيف الوطني واطلعا على الوثائق، فهل سيتوصلان إلى النتائج نفسها؟ الإجابة هي: لا؟ ولذلك فان عوامل عديدة غير الأرشيف كانت سببا في ظهور المؤرخين الجدد''..

الثمن الذي يدفعه بابيه

بعد حملة التحريض والتضييق التي مورست ضد إيلان بابيه اثر صدور كتابه الجديد (وقبله بالطبع)، كذلك اتهامه بالعمالة والخيانة من قبل المتطرفين وغير المتطرفين في إسرائيل، قرر بابيه مغادرة إسرائيل إلى بريطانيا والعمل في إحدى جامعاتها بعد أن تم فصله من جامعة حيفا بحجة انه يحث طلابه على البحث في قضايا مضادة للرواية الإسرائيلية الرسمية. يقول في مقابلة صحفية:.
''نعم، أنا ادفع ثمن مواقفي، ولكن إذا كنت تؤمن بشيء ما وكما قال لي أبي: إذا نظرت إلى المرآة وقلت أنا أفعل ذلك لأنني أؤمن به وليس من أجل الحصول على شيء منه، عندها فإن ذلك يعوضني عن الحملة الشخصية ضدي، الكراهية والتهديدات وغيرها، أما النقطة الثانية فأنا أعتقد أن لدي الكثيرين من الأصدقاء الفلسطينيين وأعتقد أنني محل تقدير خارج إسرائيل فلدي الكثير من الدعم ولهذا فإنني أحاول التعويض''.

* كاتب أردني