على ضفاف الفرات

تنداح المسافات وتنكشف شرقا , تتشابه الأشياء حتى أنك تبحث عن المختلف فتكاد لاتجد .
تجد جسرا وحيدا يعبر الفرات تدلف منه , والجسر الآخر القديم أصبح خطرا .
تتوقع أن تكون جارة الفرات مثله , حدائق غناء وأبنية جميلة منسجمة مع بيئة النهر , ولكن لا يلبث اللون الصحراوي والحيطان المرشوشة برشة المسمار أن تقطع عليك هذه الآمال .

كالحة هي الرقة وكئيبة , ذنبها أنها لا تنتمي لتلك الحواضر التجارية الكبرى في سوريا مثلها مثل كل الحواضر الإنتاجية , لا تجد فيها معالم مميزة أو تنظيما يوحي أنك تدخل إلى مركز محافظة , أو مركزا زراعيا مهما .
وماذا فعل المحافظون المتعاقبون هنا يا أحمد ؟
كما ترى , أشاد محمد سلمان مركزا ثقافيا ومبنى للمحافظة وسوّر حدائق ولكنه لم يزرعها .
كنيسة ..هنا بالرقة ؟!
أجاب عبد الحميد فياض الفنان التشكيلي نعم , لم الإستغراب , لقد كانت الرقة الموطن الأول الذي التجأ إليه الأرمن بعد نزوحهم الكبير ومنه انتشروا إلى باقي الأماكن في سوريا , ثم هل ننسى أن شرق سوريا قد ضم تنوعا فريدا ضم الآشوريين والكلدان والسريان والأرمن وسواهم .
أما الآن فالله وحده يعلم لماذا يتم تفريغ هذا النسيج من مفرداته تلك ولماذا أصبح السريان في السويد مثلا يساوي أو أكثر تعدادا من الجزيرة , لمصلحة من يتم ذلك .

لو مرّ الشاعر الإنجليزي كوليردج الذي قال :الماء ..الماء في كل مكان , وليس من قطرة واحدة لنشرب . لو مرّهنا لقال : الماء الماء في كل مكان وليس هناك شجرة أو بستان .
حتى بجوار بحيرة الأسد , لا تجد من يبالي بزرع الأشجار , وترى البحيرة وقلعة جعبر التي تأكلها الرمال ويختلط فيها القرميد المشاد حديثا ببقايا حجارة تنهار شيئا فشيئا , والإحساس الوحيد الذي ينتابك فيها هو شعور بالعطش على الرغم من أنك على ضفاف البحيرة !

سأحدثك عن أحد الملاكين هنا قال, كان يملك 500 دونما يزرعها قمحا , ثم وبعد أن تم رفع سعر المازوت وإجبار الفلاحين على شراء نوع قمح معين أصبح الدونم يكلّف 6000 ليرة وإذا علمنا أن إنتاجية الدونم قد انخفضت إلى 200 كيلو بفضل نوعية البذار السيئة وكان كيلو القمح ب 20 ليرة لك أن تعلم لماذا أفلس هذا وذهب ليعمل نادلا في أحد المطاعم البعيدة .

 

يذهب بك التفكير بعيدا إلى الصحراء , هنا الماء ومع ذلك يفاجئك الرمل في كل مكان , فكيف هناك حيث لا ماء , لقد جاهد الرسول العربي محمد لكي ينظم أهل الصحراء وهم الذين يؤمنون بالحرية ولكنهم يفهمون منهاالحرية الشخصية فقط ,تجعل العربي لا يذعن بالطاعة لأي سلطة .تاريخه هو تاريخ غزوات فكيف يذعن لأي سلطة دينية وسياسية , لقد كافح لكي يطوع هذا ويجعل العربي الذي لسانه أمهر من عقله إلى عربي عقله أمهر من لسانه , وكان التحدي دائما هو :
كيف يفتح أفاق الخيال المحدود بشظف العيش الصحراوي والضرورة ويضعه على أعتاب أفاق العمل والإبداع والإرتقاء.

عندما قال أنجلز:(الحرية هي وعي الضرورة),فإنه عنى بذلك فهم قوانينها من أجل السيطرة عليها وتجاوزها.

.
لقد كان كفاحا مرا , لم تلبث الصحراء أن فرضت قوانينها بقسوة  , حيث عاد اللسان إلى عادته وانغمس العرب في الكلام واللعب على الألفاظ , ولا تجد في اللغات لغة حمالة أوجه كما العربية , حيث أن للكلمة أحيانا المعنى ونقيضه , كم ذهبت دماء ونصبت مشانق وحرق مفكرون وأفكارا وكفر آخرون بجريرة اللسان وذنب الكلام , ونتيجة عدم القدرة على الخروج من تلك الضرورة .

يحاصرك الغبار , يتعبك , يتسلل كالنمل إلى خلاياك الرطبة , فتكاد تستسلم له بكسل لذيذ , ينتشلك منه صوت آت من بعيد عمره آلاف السنين , صوت "بعل":
أن أقيمي في الأرض وئاما

وابذري في التراب محبة

واسكبي السلام في كبد الأرض

وليهطل الحب مخترقاجوف الحقول

وإليّ فلتسرع قدماك، تسابقي إلي تحملك ساقاك

فعندي كلمة أقولها لك

عندي قصة أسردها عليك

إنها كلمة الشجر ووشوشه الحجر

همسة السماء إلى الأرض

ونجوى البحار إلى النجوم

فأنا أفهم البرق الذي لا تدرك السماء كنهه

وعندي من الأسرار ما لا يدركه البشر

هلمي إليّ فأكشف لك كل ما لديّ.