الموانىء الفينيقية(نماذج)

لم يعد الكشف الأثري مقتصراً كما كان سابقاً على الأبنية الأثرية الكبرى بشكل منفرد أو متكامل، أو الكشف عن مفقودات ولقىً من الفنون المختلفة التي تظهر ذهولاً وتدل على براعة الإنسان القديم، أو الكشف عن مفقودات ذكرت في نصوص أو وثائق أخرى أو مدن كبرى، بل تعدى ذلك الأمر سطح الأرض وجوفها للانتقال إلى قاع البحار.
ومع ذلك بقي الكشف الأثري معتمداً على دراسة الطبقات الأرضية وتنوع الطبقات التي تبين التوضع الطبقي للشيء المراد الكشف عنه ؛ بمعنى دراسة الطبقات الأرضية التي تبين التوضع الطبقي المتعاقب من التربة عبر الزمن أو التوضع المتعاقب في قاع البحر. وهذا المنهج يسمح بإلقاء الضوء على الأثر والمؤشرات للأبنية أو العناصر المفقودة عن طريق التحقق من كامل العناصر الهامة والضرورية وحتى في أصغر شيء لا يخطر على البال من كسر فخارية أو عظام حيوانات وغيرها من اللقى.
والمحصلات المحددة لم تقتصر فقط على تأريخ المكتشفات وإنما يشتمل الأمر على التحليل الحياتي والغذائي وكل ما كان يحيط فيها في ذلك التاريخ، وكذلك النشاط الزراعي والصناعي وغيره من مجريات كانت موجودة في تلك الفترة. وبالطبع تحال جميع هذه القضايا إلى المخابر المختصة وإلى الاختصاصيين في التقنية في مختلف القضايا وكل حسب تخصصه.
إلا أن الحفريات والبحث الأثري في قاع البحر لم يكن حظها أقل من ذلك، حيث أخذت الحفريات والأبحاث هنا تعتمد على أسبار من أجل التحديد الدقيق والمنهجي للمواد والأشياء المنوي البحث عنها، وكذلك الطبقات المتعاقبة والتي تلِفَت أو تخربت وتوضعت على شكل رسوبات. وبالطبع فجميع ما يتم التوصل إليه يحال إلى المخابر والمختصين في جميع العلوم ومنهم المختصون في المعادن وفي قاع البحار والموانئ والمرافئ.
ويستخدم الباحثون في قاع البحار جميع الأدوات والوسائل التي يستخدمها الأثريون فوق سطح الأرض من أدوات هندسية وأجهزة رفع هندسي وأدوات تثبيت الرسم والعلامات من أجل تحديد المعادن والتوضعات وبنفس المنهج المنفذ على سطح الأرض وبنفس الدقة، إضافة إلى استخدام الدراجات النارية الصغيرة تحت قاع البحر، بالإضافة إلى تجهيزات الغطس وغيرها. وقد سمحت وسائل التقنية المتطورة في الوقت الحاضر في البحث والتنقيب بدقة متناهية وتعطي محصلات دقيقة وكثيرة. (شكل رقم 1)

الميناء الفينيقي:
ميناء أبولونيا:2
نتيجةً للتحريات والأبحاث الأثرية التي تمت في هذا الميناء في عدة مواسم وعدة سنوات والتي تعتبر الأكثر دقة وتفصيلاً حتى الوقت الحاضر نأخذ هذا الميناء وما أسفرت عنه نتائج التحريات كنموذج للموانئ الفينيقية والذي كان يمتلك حوضين أحدهما للشحن والتفريغ وآخر كمأوى وملجأ للمراكب من العواصف والهيجانات البحرية العنيفة عند السواحل، ويفصل بين الحوضين معبر يبلغ عرضه 15م على الأقل وممر رئيس ضيق يسمح لدخول مركب واحد فقط. 3
وكان يحيط في الميناء مواقع دفاعية حصينة كان يتم بناؤها من كتل حجرية ضخمة وكبيرة يبلغ طول الواحد منها أحياناً أكثر من 4 م، إلا أنها غير مهذبة ومنظمة وكانت توضع بشكل مباشر فوق الصخر الطبيعي في قاع البحر بعد جرف ما تحتها من ترسبات. ويحيط في الميناء من الخارج خط دفاعي محيطي ومستمر ومزود بأبراج مراقبة ومنارة عالية مع حراس وحراسة مستمرة من جهة البحر وأخرى من جهة البر. (شكل رقم 2)

كما يوجد رصيف مهيأ بواسطة حجارة منتظمة ومهذبة ذات حجم متوسط بحوالي 40 سم، وله طرف منتظم بشكل جيد وبارز يتجه نحو داخل الحوض المائي. ونفذ الرصيف على شكل ممر ذي عرض ضيق نوعاً ما بحيث لم يتجاوز عرضه 15م، كما بلغ عمقه 2م. وكان يستعمل كمعبر إلى حوض آخر للميناء.
وكانت الأحواض تتعرض دائماً للتوسعة وحسب توسع عدد المراكب وحجم التجارة وتوسع المدينة والمنطقة التي يخدمها الميناء. وكل توسعة تحتاج إلى تغييرات في مسارات الحواجز والمداخل والخط الساحلي وبناء أماكن خدمات ومواقع دفاعية إضافية. وعندما كان الأمر يتطلب بناء حاجز يتم عزل الموقع وتجفيف المياه ومن ثم تهيئة الأرضية الصخرية بحيث تصبح صالحة لبناء جدار منتظم ومن ثم يتم بناء جدار ساتر حسب السماكة المطلوبة.
الأرصفة والقطاعات المتاخمة والملاصقة للشط:
عندما يكون الطرف البري صخرياً وذا انحدار بسيط تتم تهيئة الموقع بنحت الصخور بحيث تصبح ذات واجهة شاقولية وجاهزة لعمل رصيف يرتفع بحدود 70 سم عن مستوى سطح البحر ومن ثم إشادة الأبنية المطلوبة، أو يتم جلب حجارة من المقالع ونحتها ومن ثم بناؤها فوق أرضية مسطحة وخالية من أي تجويفات أو عوائق بعد أن تتم عملية تجفيفها وتنظيفها من كل الترسبات وذلك بوضع حواجز مؤقتة تتم إزالتها بعد الانتهاء من البناء.4
وبعد تراجع بحوالي 15م على الأقل تتم إشادة أبنية مكونة من مخازن ومطاعم ومستودعات وأماكن للنوم والراحة وحمامات ودورات مياه وغيرها من الخدمات المطلوبة وخاصة لحفظ المواد الغذائية والزيوت والحبوب ومخازن لمياه الشرب. وجميع هذه الأبنية تُبنى من الحجارة المنتظمة مع استعمال الإسمنت القرميدي الذي يعطي متانة وقساوة للأبنية. (شكل رقم3)

المركب الفينيقي:
في عام 1986 تمت عملية استطلاع في قاع البحر في موقع ميناء مدينة أبولونيا الفينيقي من قبل مختصين في الغوص البحري والأبحاث الأثرية في قاع البحار التابعين إلى مركز الأبحاث الأثرية في قاع البحار التابع إلى وزارة الثقافة الفرنسية وكذلك إدارة المتاحف الأثرية في مدينة أرل.
وتبين وجود أخشاب تالفة تمت دراستها، وتبين من خلال ذلك أنها تعود إلى هيكل سفينة قديمة، إلا أنها ذات أهمية بالغة تبين تركيب وشكل وبناء هذا المركب (شكل رقم4) لذلك اتُخذ قرار بمتابعة العمل بشكل مفصل وموسع في مواسم أعوام 1987- 1988م من قبل بعثة أثرية فرنسية مكونة من أثريين ومختصين في التنقيب الأثري في قاع البحر برئاسة البروفيسور أندريه لاروند.5
وتم تحديد الموقع على عمق 5م، حيث يقع في القسم الغربي من الحوض الشرقي من الميناء القديم وعلى مسافة 200م من رصيف الساحل. وتوضع الحطام باتجاه شمال شرق/ جنوب غرب وبشكل موازي إلى قناة مدخل الميناء في المدينة القديمة.
كما تم التعرف على حمولة المركب التي كانت في داخله عندما تحطم وارتمى في قاع البحر، وتم تثبيت المواقع لجميع العناصر بواسطة علامات تثبيت مكونة من مسامير وأوتاد خاصة وتحديد مربعات الرسم وصلات خط التأزير للسفينة وغلافها الخارجي والمعابر الازدواجية. (شكل رقم 5)
وتنحصر الأنقاض التي تم التوصل بعد الكشف عنها في نصف هيكل السفينة التي توضعت فوق الصالب أو العارضة الرئيسة والتي تمتد على طول قعر المركب والمحفوظة في الاتجاه الطولي وبطول كلي بلغ 13م وبعرض أقصى لم يتجاوز المترين. ويستثنى من ذلك المقطع القسم المناظر للسفينة والطرف الشمالي الشرقي المحفوظ في الموقع.
ويبقى النصف الجنوبي وهو الصدر الغاطس من السفينة الراقدة حيث وجد محفوظاً بشكلٍ جيد. ومن الواضح أن جنوح السفينة على هذا الجانب منذ الأصل سمح بالمحافظة على جميع العناصر التابعة لهذا الجزء وحمايتها. أما بالنسبة إلى الجهة المعاكسة فقد وجد الجدار الشمالي تالفاً ولم يبق منه شيء في الوقت الحاضر.
كما تبين أنه استطاع أن يقاوم وبصلابة إطباقات البحر ولفترة زمنية طويلة، ولكن في مرحلة معينة تحلل بشكلٍ سريع وانفصل عن جسم الالتصاق أي الصالب أو العارضة التي كان ملتصقاً بها، كما أنها بدورها مازالت راسية بطولها الكامل في قعر البحر.
وقد تم التوصل إلى معرفة كيفية جمع وتعشيق العناصر وأطراف الهيكل العام للمركب من خلال مسننات التعشيق لكل طرف في التأزير فوق الجسر الرئيس، وكذلك الإشارات والمعطيات التي توصِّل إلى معرفة ترابط العناصر وتركيبها والتي يتكون منها الهيكل الأساسي للمركب. (شكل رقم 6)
ومن جهة أخرى تبين من خلال الدراسة الدقيقة أن المراكب الكبرى يكون التعشيق أو التأزير والتبطين والحشية فيها مزدوجاً، كما أن الطول الكلي للمركب لم يتجاوز العشرين متراً والعرض حوالي 4م، وبما أن المركب لم يتجاوز هذه المقاييس لذلك تم تصنيفه حسب منهجه ومقاييسه من المراكب المتوسطة وذات الحمولة البسيطة.
وبالنتيجة فقد سمحت جميع العناصر التي تم التعرف عليها وخاصة التخطيط والتنظيم المتوازي لأسافين التثبيت واختلاف الألوان الخشبية فوق المركب والمجموع المتكامل للأعضاء والأطراف المزدوجة؛ فجميع هذه الأشياء سمحت في تصور طول المركب وعرضه وتركيبه الأصلي ومن ثم إعادة التركيب وإعطاء تصور عن التركيب وتثبيت التحديدات الدقيقة للهيكل الكامل للمركب.
الدراسة التفصيلية للعناصر المكتشفة:

الجزء الرئيس من الهيكل والبنية الرئيسة للمركب:
تم التأكد بأن الصالب وهو العارض الرئيس الذي يمتد على طول المركب جاء على شكل رباعي مضلع بلغ طوله 12,30م وارتفاعه 13 سم وسماكته 21 سم وهو بذلك ذو مقياس متوسط ؛ إلا أن الجزء الموجود غير مكتمل الطول عند النهاية الشرقية، ونحو الأعلى وعلى امتدادها الكلي يوجد تخديد على شكل مزلاق عميق.( شكل رقم 7)
أما من الجهة الغربية فهناك تجمع من الوصلات المركبة والمعشقة منها مجر جوبيتير (وهو مطول البحر في المركبة) بطول 36 سم وارتفاع 12 سم جاء على شكل حرف T مقوس ومتناظر مع حز على شكل مسند الإسكافي، كما توجد مساند على شكل شفرات فولاذية متحركة وظيفتها إيصال الأجزاء مع المحور.
وهي بذلك تسمح في تسهيل عملية الاتصال والترابط مع حاملة الركاب، كما نفذ في وسط المركب من الأسفل حوض لتجميع المياه المتسربة بعمق متوسط بلغ 4سم ثم يأخذ في الارتفاع من الجهة الأخرى ليصل إلى 6 سم. وفي عمق المركب تم تثبيت صالب أو عارضة للتقوية امتدت على طول المركب من الأسفل.
وتمت دراسة التفاصيل الدقيقة للعناصر التي تم الكشف عنها أو عن أقسام وأجزاء منها وتثبيت مقاييسها ووظائفها كما تم التأكد من المقاييس الكاملة لكل عنصر مفقود جزئياً أو كلياً، وبالنتيجة تكوين شكل منظوري للمركب بشكل كامل.
وندرج هنا العناصر الرئيسة للمركب التي تم التعرف عليها وحسب ما وردت في الدراسة ومواقعها في المركب بموجب المخططات الأصلية المقدمة من البعثة وهي على الشكل التالي:
العناصر الرئيسة للمركب:
Ais de bordé: ألواح خشبية مندمجة مع بعضها بعضاً ويتكون منها المحتوى العام لهيكل المركب.
Anguiller : فتحة أو تخديد محفور وسط الأذرع المزدوجة في وسط السفينة من أجل جر المياه في أسفل الشفط.
Bande: وهو الذراع المنحني الذي يوجه المركب إلى الاتجاه المطلوب بفعل الريح أو في حالة جنوح المركب إلى اتجاه غير صحيح.
Bordage، bordé : مجموعة ألواح خشبية ملتصقة تشكل تصفيح المركب.
Borion: لوح خشبي يربط بين مقدمة المركب وأطراف أخرى.
Caréne : القسم المغمور بالمياه من المركب.
Chanfrein: صفيحة ذات سطح مقعر تستخدم في حال بتر أو قلع حجر أو قطعة حجرية أو معدنية.
Cheville: قطعة خشبية أسطوانية أو مخروطية تستعمل في حال إغلاق أو انزلاق المفاتيح.
Clavette: وتد خشبي أو معدني صغير مغروس داخل شج أو فرض ينطبق داخل قطعة أخرى من أجل إسنادها أو يوضع بين قطعتين للتقوية، أو لسد ثغر أو للجمع بين جسمين أو لإيقاف حركة.
Coupe en sifflet: قطاعة منحنية.
Couples: مجموعة من الأقفاص والأطراف المزدوجة تشكل الهيكل المحوري للمركب.
Doublage de plomb: الواقي الخارجي لغاطس المركب من العوائق البحرية.
Ecart : قسم من قطعة خشبية مشذبة على شكل اندماجي متناظر مع قطعة أخرى عندما يتطلب الأمر الدمج بين القطعتين.
Enture: تجميع قطعة مع قطعة أخرى من الخشب.
Eeambot: قطعة تثبت في مؤخرة المركب.
Entrave: قطعة تثبت في مقدمة المركب.
Fausse-quille: قطعة من الخشب تثبت أسفل ذيل المركب.
Galbord : إزار السفينة أو غلافها الخارجي المثبت في الذيل.
Gîte: ذراع منحن يوجه المركب إلى الاتجاه المطلوب بفعل الريح أو في حالة جنوح المركب إلى اتجاه غير صحيح.
Gournable: وتد خشبي سميك.
Maille:حيز مكاني بين مزدوجين.
Maître-couple: الحيز الأكثر اتساعاً في المركب.
Membrure: يأتي على شكل قطعة خشبية مركبة من طرف إلى طرف آخر، ويكون الهيكل المحوري للمركب.
Mortaise: قسم محفور في قطعة خشبية من أجل دمج أو ترصيع مفتاح أو لسان خشبي في فرض.
Quille: الجزء الجانبي من القسم الداخلي من هيكل المركب يعطي استطالة إلى مقدمة المركب بواسطة صدر المركب، وكذلك استطالة في المؤخرة بواسطة حاملة الركاب، وفوق هذا الجزء ترتكز الأقسام المزدوجة.
Râblure : أخدود منفذ على طول المركب وعلى طرفي الذيل وفي الصدر وفي حاملة الركاب من أجل احتضان أطراف الحشيات والتأزير وتبطين القعر.
Ribord: خط التأزير الجانبي مثبت في الانحناء الجانبي.
Sentine: حيز على شكل مجرور يقع في قعر المركب يسمح بجريان المياه الراشحة أو المتسربة إلى المركب ويقودها إلى الشفاط.
Tenon: قطعة من الخشب على شكل إسفين أو مفتاح يندمج كتعشيقة أو حباسة داخل قطعة أخرى.
Trait de Jupiter: مجموعة من القطع المركبة والتي تأخذ شكل حرف Z.
Varangue: قفص مركب مستعرض في ذيل المركب.
Virures: خط من الألواح الخشبية المتواصلة على كامل طول المركب.
تحليل أخشاب المركب:
لقد جرت دراسة تحليلية للأخشاب وأقسامها وأجزائها وعناصرها والتي تكون منها المركب في مخابر علم النبات الإحيائي والمستحاثات والنباتات التاريخية المتحجرة (باليوبوتانيك Paléobotaniques) في كلية القديس جيروم في مدينة مارسيليا.
وتبين من خلال هذه الدراسة أن الأقسام التابعة لعمق المركب وخاصةً الغاطس والصالب وحوض الماء وكذلك "الإكساءات" الخشبية الخارجية للمركب فهي جميعها قُطعت من شجر الصنوبر الموجود في جبال الألب. وقد تم استعمال هذه الأخشاب في جميع المراكب البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط القديم منذ العهد الفينيقي ومن ثم العهد اليوناني والروماني.
أما الأوتاد والأسافين ومسامير الربط التي استعملت للربط بين العوارض والأقسام الرئيسة فهي من شجر البلوط الأخضر, أما أسافين الحواف فهي من شجر البلوج ذي الأوراق الكثيفة.
كما أظهرت الدراسة وجود تجانس وتطابق ومنهجية موحدة في جوهر وماهية الاستعمال الذي كانت تتبعه الهندسة البحرية القديمة، وقد استمر استعمال نفس المنهجية في المراحل التاريخية التي ذكرت قبل قليل وفي جميع المواقع البحرية القديمة ؛ بمعنى بنفس التوزيع التاريخي والجغرافي.
أما بالنسبة إلى دراسة وتحليل التسلسل التاريخي لعمر الأشجار (دندروكرونولوجي Dendrochronologiques) فقد تم تنفيذها في مختبرات علم التسلسل التاريخي للبيئة والأحياء في كلية بوبيه في مدينة بيزنصون حيث قدمت الدراسة نتائج جيدة ومفيدة تطابقت مع الدراسة السابقة.

المادة الأثرية التي تم الكشف عنها:
في موسم عام 1988 تم تنفيذ أربعة أسبار في الموقع وفي أسفل خشب المركب من أجل الدراسة الأثرية للموقع وكذلك للوصول إلى التسلسل التاريخي للموقع من خلال دراسة المنهج الطبقي (استراتغرافي) وتبين أن المادة الأثرية في الموقع تتدرج تاريخياً بين القرن السادس والثاني ق. م.
وتم الكشف والتعرف على العديد من اللقى الأثرية فوق حطام المركب وداخله وفي أسفله، وظهر ذلك من خلال البحث والتحري عن التقعر والتوضع المكاني للمركب، وقد أحصيت المكتشفات الكثيرة وتبين أنها تعود إلى 169 قطعة من الجرار الفخارية المتنوعة. كما تبين أنها ليست متحدة الحجم أو الشكل أو المقاييس، كما أن المواد التي كانت موجودة في داخلها مختلفة.
ومن بين المكتشفات جرار جرسية الشكل وجرار على شكل أقداح وأمفورات وجزء من قدح مزين بسعف النخيل وكسر من مرجل على شكل قدر مصنوع من التراب المشوي المحلي ورقبة قارورة مغولية مزينة بأوراق زهرية 6وطبق شراب وكأس بعروتين ومسكوكات نقدية متخثرة ومكتفة كثيراً من المرجح أنها تعود للعهد البطلمي والعهود السابقة.
كما تبين أن مصادر الجرار مختلفة ؛ فمنها ما جاء من إيطاليا وأخرى من اليونان وكذلك من منطقة قرطاج ومن الساحل السوري ومن أواسط آسيا، وقسم منها مصنوع من تربة ذات فلزات فضية، وأخرى من التربة الحمراء المطلية, كما أنها مختلفة في تواريخ صنعها؛ فمنها تعود إلى الفترة الأخيرة من التاريخ الفينيقي في شمال إفريقيا، ومنها ما تعود إلى العهد الهلينستي، وأخرى إلى العهد الروماني.
وتبين أن السبب في المحافظة على هذه المكتشفات حتى تاريخ الكشف وجود طبقة من الرمل المعزول عن الخشب مع قشرة حماية ووقاية وجدت فوق طبقة سفلية مرصوصة، ويضاف لذلك بقايا نباتات بحرية شاردة وهائمة وجدت في وضعية الانحلال والتعفن.
وبدراسة هذه النباتات تبين وجود عشب نباتي بحري كان موجوداً في قاع الميناء، وبعد غرق المركب شكلت هذه النباتات طبقة محيطة فوق كامل المركب وكذلك الترسبات المتناثرة في المحيط.

الهوامش:
1 - تم الارتكاز في هذا البحث على نتائج الحفريات الأثرية في قاع البحر التي أجرتها البعثة الأثرية الفرنسية برئاسة البروفوسور أندرية لاروند في العديد من المواقع البحرية في ليبيا وبشكل خاص في مدينة لبدا الكبرى ومدينة أبولونيا (سوسة) بين أعوام 1993- 2000م وهي بالطبع مواقع مدن فينيقية، والمكتشفات تعود في قسمها الكبير إلى العهد الفينيقي، ومنها المركب الفينيقي الذي نتكلم عنه في هذا البحث. وكان لي الشرف في التعاون مع هذه البعثة وتكليفي من قبل رئيسها صديقي وأستاذي البروفوسور أندريه لاروند في ترجمة نتائج الأبحاث والتي نشر قسم منها في الحوليات الأثرية الليبية.
2 - أبولولونيا هي مدينة سوسة حالياً وتتبع منطقة الجبل الأخضر في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، وكانت واحدة من المدن الخمسة الكبرى التي تشكل منها هذا الإقليم في الفترة الهلينستية والتي عرفت بولاية سيرينائيك. وكانت مدينة أبولونيا هي الميناء الرئيس إلى مدينة قورينا أو سيرين (شحات حالياً) والتي كانت عاصمة هذا الإقليم.
3 - تم التعرف على ثلاثة موانئ فينيقية في شمال إفريقيا حتى تاريخ نشر البحث وهي ميناء مدينة لبدا الكبرى وميناء مدينة أبولونيا وميناء مدينة قرطاج.
4 - للتوسع في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى تقرير بعثة الآثار الفرنسية العاملة في سوسة (أبولونيا) موسم شهر الفاتح (أيلول) 1996 ترجمة الدكتور خليل المقداد في الحولية الأثرية الليبية عام 1198 ص88 - 94. أما بخصوص ميناء مدينة لبدا الكبرى فيمكن الرجوع إلى مجلة GEO Doucument 1995 -Paris - France وهو عدد خاص عن مدينة لبدا الكبرى تحت عنوان:
Des archeologues francais ressuscitent les fastes des cites - Une Rome africane sortie des sables ))
5 - للاطلاع على التفاصيل والتوسع في المعرفة يمكن الرجوع إلى المرجع الأصلي:
" Les dossiers d,archeologie numero167 - janvier 1992.Paris - France "
6 - وهذا الأمر يؤكد أن النشاط التجاري الفينيقي لم يقتصر على مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط وإنما انتشر في مناطق عالمية كثيرة ومنها منطقة منغوليا شمال الصين وفي أواسط آسيا الشرقية.

د. خليل المقداد (الباحثون )