احذروا الدول الصغيرة-حرب تموز2006 الفشل (5)

لم يكن حالوتس أقل ارتباطا في ما يتعلق بالغلط الجوهري التي ارتكبته اسرائيل- وهو الاعتماد الحصري على القوة الجوية، من أجل "اقتناص" حزب الله مباشرة، و(واقتناصه) عن طريق اللبنانيين بشكل غير مباشر في آن واحد. وربما كان ذلك متوقعا من الطيار السابق الذي اجاب- عندما سئل عن شعوره عندما أسقط قنبلة وزنها طن على عمارة سكنية فقتل ١٧ من المدنيين، تسعة منهم أطفال- أجابةً شهيرةً او سيئة الصيت بقوله: "اهتزاز خفيف في الجناح الأيمن". كما كان أيضا العقل المدبر "للحرب الجوية على الإرهاب" التي خاضتها اسرائيل في الأراضي المحتلة، واغتيالاتها المستهدفة للقادة والناشطين الفلسطينيين. لكن ما كان سهلا نسبيا وناجحا في الصراع اللانهائي والمنخفض الوتيرة ضد "حماس" والجهاد الإسلامي- والمعلومات الاستخبارية الإلكترونية أو بلاغ من متعاون يعقبه صاروخ موجه وحيد من الأعالي- كان بعيدا عن ذلك في المواجهات الموسمية شديدة الكثافة مع حزب الله. (...)

كان الأمر، في عمقه، هو الغرور- وأحد منتجاته، الرضا عن الذات - وراء تلك الحالة التي وصلت إليها الأوضاع أيضا. لأن اسرائيل تبنت عبر سنين وجودها افتراضين حدسيين بشكل جوهري. الأول أن جيشها لن يخوض في أي مستقبل منظور حربا كبيرة من جديد لأنه، بفضل "قوة ردعه" التي تثير الرعب، لن تجرؤ أي دولة عربية على شنها. والثاني أن الدور الجاد الوحيد للجيش هو قمع الفلسطينيين. وهكذا، ومن خلال قيام "سلاح الجو بمطاردة أعداء اسرائيل إلى غرف نومهم"، وقصر دور الجيش على ان يكون "مقاولا للاستخبارات أو بديلا للشرطة"، فمن الذي يحتاج الدبابات والمدفعية وتشكيلات المشاة كثيرة العدد؟ (...)

وتغلغل الفساد أكثر في العمق. فبعد ظهر يوم ١٢ تموز (يوليو)، في اعقاب أسر غولدفاسر وريغيف، وبينما كان المزيد من الجنود يُقتلون في محاولة فاشلة لإنقاذهما، وجد حالوتس متسعا من الوقت ليتشاور مع مستشار الأسهم الخاص به ويطلب منه التخلص من محفظة استثمارية قيمتها ٣٦،٠٠٠ دولار مهددة بالتراجع نتيجة للحرب التي كان على وشك إرسال دولته إليها والتي لم يتوقعها مسبقا غيره. (...)

الحرب التي أخبر حالوتس اولمرت خلال الساعات الأولى منها أن اسرائيل ربحتها، كانت من الناحية الحقيقية تخسرها- أو ستخسرها بعد قليل. الجنرالات اعتقدوا أنهم يعرفون مكان وجود ترسانة حزب الله، وأنهم خلال أيام قليلة من "الصدمة والرعب" سيدمرون معظمها. لكنهم لم يكونوا يعرفون، ولو أنهم عرفوا، فما كانوا قادرين على تدميرها من الجو على أي حال.(...)

إلا أن الصواريخ كانت قضية كبرى. فـالـ ١٢،٠٠٠ منها التي أعلن نصر الله عن امتلاكها- ولكن كان يبدو ان لديه اكثر من ذلك بكثير- جاءت بأشكال مختلفة. أكثرها قوة كان الذي قدمته إيران، زلزال-٢ الذي يحمل رأسا حربيا زنته ٦٠٠ كيلوغرام ومداه ٢٠٠ كيلومتر ويمكنه الوصول إلى كل المدن الرئيسة في اسرائيل. ولو كان يملك فعلا عددا قليلا منها- لأن هناك شكوكا في ذلك- فلم يقم بإطلاقها أبدا.(...)

وقد يكون نصر الله فوجىء بحجم الهجوم الاسرائيلي، لكنه كان مستعدا- أكثر بكثير من اسرائيل- لهذا النوع المعركة التي تقدمت اسرائيل لتفرضها عليه. وبالتأكيد، ومنذ البداية، أعلن عن استعداده لوقف إطلاق النار، ولمفاوضات غير مباشرة لتبادل الأسرى الذي كان هدفه بالدرجة الأولى. و"إذا"، على أي حال، "أراد العدو حربا شاملة" فقد كان "مستعدا لحرب كهذه- من دون خطوط حمراء". وبالنسبة إليه، كان للصواريخ دور انتقامي، فإذا ضربت اسرائيل مدنيين لبنانيين، فسيضرب حزب الله مدنيين اسرائيليين ردا على ذلك. وهذا، رغم أنه على نطاق غير مسبوق، سيكون الكيفية التي سستم بها الأمور الآن- "نحن لن نكون وحدنا الذين ندفع الثمن...ويقتل أطفالنا، ويصبح ابناء شعبنا بلا مأوى".

الصواريخ الأولى سقطت يوم 13 تموز (يوليو)، مباشرة بعد الغارات الجوية الاسرائيلية الأولى: سقط 150 صاروخا منها. وأسفرت عن مقتل اسرائيليين اثنين ردا على مقتل 55 لبنانيا، مكونةً نسبة أساسية، 25 إلى واحد، وهي نسبة ظلت ثابتة طيلة الحرب. عدد من الصواريخ وصل الى أماكن، بينها حيفا، في عمق داخل اسرائيل أكثر مما تم تحذير الاسرائيليين بتوقعه. كانت هناك صدمة. ولكن أثناء الأيام اللاحقة، ربما كانت الصدمة الكبيرة الأخرى بالإضافة للصواريخ، هي الطريقة التي كان يقدم بها نصر الله وعوداً ثم يفي بها باقتدار. كان تغيرا عظيما. فالتهديدات الفارغة جدا والتبجحات المغرورة أصبحت تاتي الآن بشكل رئيس من اسرائيل، وليس من الجانب العربي، و"الكذاب والمتبجح" أصبح يحظى بمصداقية أكبر، حتى في اسرائيل ذاتها، مما حظي به أولمرت أو حالوتس.

في اليوم التالي، الرابع عشر من تموز (يوليو)، أتت أولى المفاجآت التي تحدث عنها نصر الله من قبل. وأعلن نصرالله في أول خطاباته الحربية من مخبئه: "المفاجآت التي وعدتكم بها ستبدأ من الآن. البارجة العسكرية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وبيوتنا ومواطنينا، انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الصهاينة". ولم تغرق البارجة التابعة للبحرية الإسرائيلية "الحانيت". لكن صاروخا من نوع "سي-208" أرض-بحر مزودا من قبل إيران - ولم تكن إسرائيل تعلم أن حزب الله يملكه- أدى إلى تعطيل البارجة ومقتل أربعة من طاقمها بينما كانت على بعد 10 كيلومترات من الشاطئ.

"اقصفوا الضاحية وسنقصف حيفا"، كان ذلك التحذير الذي وجهه نصر الله بعد أن بدأت إسرائيل هجومها على الضاحية الجنوبية لبيروت. وبعد يومين، نفذ تهديده باطلاق صواريخ "فجر" التي قتلت 8 عمال في محطة السكة الحديدية في حيفا.

بالطبع، فقد كانت إسرائيل تتوقع التعرض للعديد من الصواريخ، لكن ليس بهذا المدى وبهذا الشكل. ولم تكتف هذه الصواريخ بالانهمار بمعدل 150 إلى 180 يوميا، بل كانت تفعل ذلك بسرعة في التنفيذ، وبتنسيق مثير للإعجاب مع الصليات الانتقاميةا،التي كان واضحاً انها تنفذ بأوامر صادرة من الاعلى ومن دون إظهار أي إشارة على الانهيار في مركزية القيادة والسيطرة كما كان يتوقع المسؤولون الإسرائيليون أو كما كانوا يدعون أنهم يلاحظون. واستمرت الصواريخ في الزحف إلى الجنوب، من حيفا إلى طبريا، من الناصرة إلى بيسان، وأخيرا، في الرابع من آب (أغسطس)، إلى الخضيرة، على بعد 90 كيلومترا من الحدود، وقد ضربت هذه البلدة الساحلية باثنين أو ثلاثة من صواريخ "خيبر"- وهو الاسم الذي أطلقه حزب الله على صاروخ "أوراغان" السوري الصنع، وذلك في رد شبه فوري على غارة جوية إسرائيلية قتلت 23 عاملا سوريا كانوا يحملون الفاكهة والخضراوات إلى مستودع تجميد في سهل البقاع. وقرب نهاية الحرب، قال نصر الله إنه إذا قصفت إسرائيل وسط بيروت، كما كانت تهدد، فإنه سيقصف تل أبيب- وهو عهد ما زال الإسرائيليون يعتقدون لأسباب عدة أنه سينفذه، على الأرجح باستخدام صواريخ "زلزال-2س" التي لم يستخدمها.

بعد انتهاء كل شيء أدرك الإسرائيليون ما كان حزب الله يحشده لهم، خاصة ما أطلقوا عليه "المحميات الطبيعية". كانت هذه مناطق تقع في العادة في وديان صخرية منعزلة أو ذات غطاء نباتي كثيف، حيث أنشأ حزب الله شبكة مذهلة من المنشآت العسكرية ووضعها بعيدا عن مجال رؤية اللبنانيين وقوات حفظ السلام الدولية على حد سواء. وكانت تتكون من عشرات، إن لم يكن مئات الخنادق والأنفاق تحت الأرض. وكلها تقع جنوب نهر الليطاني، في ما كان يوصف سابقا بـ "الحزام الأمني" الاسرائيلي، وكان معظمها في نطاق ثلاثة أو أربعة كيلومترات عن الحدود.

أحد الاستحكامات كان، في الواقع، على بعد 300 متر فقط من موقع اسرائيلي في الجانب الحدودي الآخر، و100 متر من موقع للقوات الدولية في الأراضي اللبنانية، ولكن درجة التكتم والسرية التي حفر بها وتم تجهيزه بلغت حداً لم يعرف معه الجانبان حتى بوجوده. كان عمقه 40 مترا تحت الأرض، وكان محصناً بسقوف من الاسمت المسلح سمكها متر، ومجهز بتسهيللات للنوم

وحمامات ، ومياه ساخنة وباردة، ومنشأة طبية، وتهوية وتكييف هوائي ومخزون من الاغذية يكفي لتموين مريح لعدد كبير من المقاتلين طيلة أسابيع عديدة. (...)

شمال اسرائيل يعاني أيضا

ما كانت صواريخ "كاتيوشا" تقوم به في شمال اسرائيل لا يقارن بما تفعله طائرات "ف-16" ومروحيات "أباتشي" في لبنان عامة. ومع نهاية الحرب قُتل ما يزيد عن 1000 لبناني، ثلثهم من الأطفال، وقد أجبر نحو مليون لبناني، أي ثلث السكان، على الفرار، وقد تحولت قرى وضواحي بأكملها إلى ركام، ودمر 77 جسرا، وضربت 900 مؤسسة تجارية، كما تم تدمير 30 ألف مبنى من ضمنها منشآت سكنية، ومكاتب ومتاجر، إضافة إلى مستشفيين، ودمرت أو تضررت 31 منشأة خدمات عامة منها موانئ ووحدات لمعالجة مياه الصرف الصحي. وقد حددت الحكومة اللبنانية الخسائر الإجمالية بنحو 6 مليارات دولار. لكن شمال إسرائيل دفع الثمن أيضا، فقد قتل 43 مدنيا، ودمر 300 مبنى تقريبا وربما تضررت المئات من المباني الأخرى. وقد هرب نحو نصف مليون شخص. أما الأشخاص الأكثر ثراء والذين يمتلكون ملاجئ مريحة خاصة بهم فقد فضلوا البقاء في الفنادق- على بعد آمن، وإن كانت أجورها باهظة، أو مع الأصدقاء والأقارب الذين استعدوا لإيوائهم. أما الـ300 ألف شخص الذين بقوا هناك، وهم بشكل رئيسي الفقراء وكبار السن والمرضى، فكان عليهم أن يتدبروا أمورهم في الملاجئ العامة. وفي المناطق التي تعرضت لأكبر عدد من الضربات مثل كريات شمونة، كان عليهم أن يبقوا فيها على مدار الساعة لمدة شهر على الأقل. (...)

"لم يمض وقت طويل قبل ادراك القيادة الاسرائيلية ان سلاح الجو لم يتمكن، وحده، من تحقيق النصر في الحرب. وفي 17 تموز (يوليو)، أي بعد اربعة ايام من تأكيدات الجنرال حالوتس لرئيس الوزراء اولمرت ان الطيران الاسرائيلي حقق معادلة الانتصار، جاء الدور على القوات البرية لتذوق ما ينتظرها. كان ثمانية عشر من رجال وحدة الاستطلاع "ماغلان" اول من توغلوا لمسافة كيلومتر واحد داخل الاراضي اللبنانية على مقربة من قرية مارون الراس الاستراتيجية التي تقع على تلة مرتفعة. وكانوا يعرفون اشياء، لكن لم تكن لديهم معلومات كافية، عن "المحميات الطبيعة ". اذ ما لبثوا ان اكتشفوا انهم في وسط احداها. وقال الجندي غاد: "كنا نتوقع خيمة وثلاث بنادق كلاشنيكوف، حسب ما ابغلتنا به ادارة الاستخبارات". وبدلا من ذلك اكتشفوا وجود بوابة فولاذية هيدروليكية تحت الارض، وخلفها شبكة انفاق. "لم نعرف من الذي اطلق علينا النار، وخلال ثوان قتل اثنان من فريقنا" - نتيجة انطلاق قذائف من تحت ارجلهما. ومع انفلاج ساعات الصباح تعرضت وحدات "ماغلان"، وهي من افضل وحدات الجيش الاسرائيلي، لهجوم من كل الجوانب شنَته قوات حزب الله التي اذهلتهم بنيرانها وقوتها. ومضى غاد يقول ساخرا: "من الواضح انهم لم يسمعوا ما يقال من انه يفترض في الجندي العربي ان يعمد الى الفرار بعد اشتباك قصير مع الاسرائيليين". ومع وصول تعزيزات من وحدة مختارة اخرى هي وحدة "ايغوز" لتأمين انسحاب زملائهم، وقع المزيد من الافراد في كمين اخر. وتواصلت ساعات المعركة قبل ان تنجح وحدتا "ماغلان" و "ايغوز" في سحب قتلاهما وجرحاهما الى اسرائيل. وقد ظهر بوضوح تام بالنسبة الى القيادة المركزية العسكرية في تل ابيب: ان هذه المواجهة ستكون قتالا اكثر صعوبة مما تبجح به حالوتس. والحقيقة هي كما قال الجنرال غاي زور، الذي قاد وحدة مدرعة في الحرب، ان ما واجهته اسرائيل كان "بفارق كبير اعظم مجموعة مسلحة في العالم".

- 20 رجلا. والثاني "حرس القرى"، وكثير منهم من قدامى حرب "التحرير" التي اشتعلت في التسعينات ويعملون بدوام جزئي، ويظلون في الخلف ليدافعوا عن قراهم التي فر منها معظم سكانها.

بالاضافة الى المحافظة على استمرار وصول الـ"كاتيوشا" كان لهم هدف رئيسي، وهو ليس كما ذكر نصر الله، التوجه "للاستيلاء على شمال فلسطين"، وانما التسبب بنزيف للجيش الاسرائيلي "والحاق افدح الاصابات والخسائر بقدراته". ولهذا السبب فانهم لم يحاولوا قط مواجهة عدوهم الاكثر تفوقا وجها لوجه، وانما سعوا الى استهداف نقاط ضعفه، وليس احتلال الاراضي، وانما لاغرائه بالتقدم ومفاجأته في الاوقات والاماكن التي يختارونها.(...)

وقد زرعوا الغامهم والشراك الخداعية، واعدوا كمائنهم بالشكل المناسب. وكانت لديهم كاميرات دائرة تلفزيونية مغلقة لمراقبة كل خطوة يتقدم بها الجيش الاسرائيلي. وفوق هذا كله، لديهم الاستخبارات اللازمة. ومع وجود "المحميات الطبيعية" ايضا، فان قدرتهم على فك رموز الانظمة المتقدمة للترددات التي يستخدمها القادة الاسرائيليون في اتصالاتهم بعضهم مع بعض كانت احدى اهم المفاجئات في الحرب بل والاكثر بغضاً لدى الاسرائيليين. وقد امكنهم بواسطتها التنبؤ بالنوايا الاسرائيلية مقدما، وهو ما مكنهم من حرمان الاسرائيليين من عنصر المفاجأة. وقد خلف ذلك اثرا على مسار الحرب باكمله. وكان هناك مكسب نفسي اوسع كذلك: وهو ان العاملين في حزب الله الذين تمكنوا من فك الرموز حصلوا على اعداد القتلى الاسرائيليين واعلنوا عنها على تلفزيون "المنار" حتى قبل ان تعلنها السلطات الاسرائيلية.

ولم تكن اقل مزايا رجال حزب الله شأناً تلك الميزة الاعز لديهم: ايمانهم الاسلامي القوي، والاستعداد "للاستشهاد". (...)

على ان قوات حزب الله تفوقت فوق كل شيء بصواريخها المضادة للدبابات. اذ كان لديها مجموعة كاملة منها، ما بين تلك العتيقة الروسية الصنع "صقر 3" التي استخدموها كثيراً ما استخدموها من قبل، وتلك وهي الاحدث الموجهة بالليزر "كوميت - اي" التي كانوا قد حصلوا عليها للتو. وقامت وحدة صواريخ الاصطياد القاتل "كتيبة نصر" باستخدامها كلها باساليب متعددة، وليس فقط ضد احدث دبابات ميركافا 3 و4، وضد عربات مدرعة اخرى، حطموا منها على الاقل اربعين. (...)

معركة بنت جبيل

في نهاية الامر احتلت فرق "ماغلان" و"ايغوز" مارون الراس، او على الاقل هذا ما حصل حسب ادعاء الاسرائيليين في 22 تموز (يوليو). وقتلت العديد من حزب الله في العملية. بينما قتل حزب الله سبعة منهم. وكان هذا في ميزان الخسائر مقياسا لم يعتادوا عليه.. واذا كان ذلك ثمنا كبيرا للاستيلاء على مجرد قرية واحدة، فكم ستكون الخسائر بعد أن تبين خلال وقت قصير انهم لم يستولوا عليها قط؟ (...)

قال ضابط برتبة رائد في احتياطي المشاة ان "قادتنا وقعوا بطريقة غبية في مصيدة حزب الله بارسالنا لمهاجمة اكبر عدد ممكن من القرى دونما سبب معقول". وقاموا بسلسلة من الحملات الصغيرة التي بددت كل المكاسب الموروثة لجيش نظامي - من رجال واسلحة وتقنية - لصالح من هم على الجانب الاخر. (...)

غير ان الاهداف الاقل لتلك الاجتياحات الاسرائيلية، كما وضعتها الهيئات الرسمية، لم تكن واضحة امام الجنود الذين استدعوا لتنفيذها. فتدمير ما اطلق عليه "الرموز"، بهدف الحاق الاذى بمعنويات العدو، كان هو الهاجس الرئيس المرجو والمسيطر. وكانت بنت جبيل الرمز الاول. وقال الجنرال بيني غانتز، احد اعضاء القيادة لـحالوتس ان "نصر الله القى خطاب النصر" (بعد الانسحاب الاسرائيلي العام 2000 في بنت جبيل) "ولا بد لنا من ان ندمر ذلك المكان. وافكر في هجوم أرضي محدود داخل تلك المنطقة وساخصص فريق تصوير لتفنيد الخطاب ونتائجه الحالية، وهذ يعني - تسجيل الحكاية حتى نهايتها".

وقد راقت الفكرة لحالوتس، وفي اليوم التالي لسقوط مارون الراس، امر قوات خاصة بالقيام بعملية للاستيلاء على بنت جبيل- اطلق عليها اسم عملية "الشبكة الفولاذية" ردا على جملة نصر التحقيرية "شبكة العنكبوت"- التي كان يفترض ان تكتمل خلال 48 ساعة بقتل ما امكن من حزب الله واسر الباقين. وكان على المظليين ان يهاجموا البلدة من الغرب، بينما تقوم نخبة كتيبة "غولاني" بالهجوم من الشرق. لكن عندما استعدوا للتقدم، في 24 تموز (يوليو)، علموا ان مارون الراس لم تسقط. واستؤنف القتال للاستيلاء عليها. واشتعلت النيران باحدى الدبابات الاسرائيلية. وعندما خيم الظلام في 25 تموز كانت بنت جبيل في ايدي الاسرائيليين. او هكذا على الاقل ادعت قيادة القوات الاسرائيلية الشمالية. لكنها لم تقع في ايديهم اكثر مما وقعت مارون الراس في ايديهم.

وتمكنت قوات حزب لله، بما لديها من استخبارات متفوقة، من قراءة الدلائل بوعي تام، وبالتالي عززت من وجودها داخل البلدة وحولها. وكان عددهم يساوي ثلاثة اضعاف ما كان الاسرائيليون يخمنون. وبالتالي فانهم لم يسعوا الى المشاركة بفاعلية في المواجهة الاولية التي اندلعت في الساعات الاولى من يوم 26 تموز(يوليو) بينهم، وقامت وحدة "غولاني" باحتلال مساكن على الجانب الشرقي من البلدة، وما ان بدأت الاشتباكات حتى كانوا في موقع جيد للتقليل من الفوائد التقنية لعدوهم في معركة بالبنادق. وقد فقدوا الكثير من الافراد، لكن ذلك لم يكن مصدر عزاء للاسرائيليين الذين فقدوا هم ايضا ثمانية اخرين من افرادهم.

وفي 28 تموز (يوليو) شن حزب الله هجوماً مضاداً ضد المظليين في الجهة الغربية. وتكبدوا ايضا خسائر فادحة، الا ان الاسرائيليين انهوا وجودهم في 30 تموز بالتخلي عن الجزء الضئيل من المدينة الذي استولوا عليه. وفي ما يتعلق ببقية الحرب، صبوا ما لديهم من قوة جوية لتدمير بنت جبيل ومارون الراس ومجموعة من المواقع الاخرى على امتداد الحدود حيث منوا بالكثير من القتلى - في قرية عيتا الشعب وحدها - من اجل مكسب لا يعتد به او لا مكسب على الارض. ورغم انهم حاولوا مرة بعد اخرى، فان الجيش الاسرائيلي الذي دخل بيروت خلال حرب العام 1982، وقد ظن البعض انه قد يعيد الكرة مرة اخرى، لم يستول على ولم يحتل اي قرية منها.

وبالنسبة الى لجنة فينوغراد بعد الحرب، كانت معركة بنت جبيل احدى عمليتين كبيرتين فاشلتين في الحرب. (...) فالقصور في النظام حتى بين افراد الجيش المدربين تدريبا متميزا، وجنود الاحتياط الذين كانوا اسوأ كثيرا، دفع القادة الى التردد في توجيههم نحو المعركة. وشهدت ضواحي بنت جبيل تمردا حقيقيا عندما صدرت الاوامر الى ضابط برتبة ملازم يدعي ادام كيما، وهو مهندس مقاتل، ان يؤمن الطريق الى البلدة. وقد رفض على اساس المخاطر المفرطة. والقت الشرطة العسكرية القبض عليه وعلى رجاله وصدر حكم عليهم بالسجن اربعة عشر يوما. وكان الرجال يشعرون بالامتنان الشديد: اذ قالوا ان كيما انقذ حياتهم.

لقد هزت بنت جبيل القادة العسكريين والسياسيين حتى النخاع. وجرى تبادل قوي للاتهامات. اذ صرخ نائب رئيس القيادة الشمالية في وجه رئيس الاركان الاسرائيلي قائلا "إن القتلى في بنت جبيل في عنقك". وبالنسبة الى حالوتس نفسه، مع فشل سلاحه الجوي والخسائر على الارض، بدا ان الثقة بالنفس تقلصت، ودخل المستشفى للعلاج مرتين. اما السياسيون فانهم فقدوا الثقة في الوعود العسكرية. وفي اوائل العمليات العسكرية قال اولمرت، في الوقت الذي كان لا يزال يتمتع فيه بثقة الجماهير، في جلسة خاصة "لا ادري كيف يمكن للجيش ان يحقق لي النصر الذي اريده". (...)

وفي طريق الجديدة، الحي السني القوي في بيروت، وافق شبان يلعبون النرد على انه ليس هناك اي تناقض بين دعم زعيم جاليتهم سعد الحريري ونصر الله، وقالوا "كلنا الان مع المقاومة". وبالنسبة الى نصر الله فان هذه الاصوات هي اصوات "الشعب الطيب" وصوت "الغالبية الصامتة" و"الذين يفصحون عن شجاعتهم وشرفهم ووطنيتهم في اوقات الشدة". (...)

ربما كانت احتمالات فوز حزب الله مصدر قلق اقل للحكومة اللبنانية منه للمؤسسة العربية التي يسيطر عليها السنة، وبخاصة اصدقاء اميركا "المعتدلين" - الاردن ، مصر والسعودية - الذين وسموها من دون تردد بـ"المغامرة غير المحسوبة" لنشوبها. وبالنسبة الى الذين "شاركوا في سفك دماء الابرياء وغطوا على جرائم الجلادين"، فان نصر الله لم يخف استياءه. قال لهم "نحن مغامرون" ولكن باساليب "حملت الينا لا شيء الا الكرامة والحرية والشرف والرؤوس الشامخة". وصحيح "انكم والعالم تصفوننا باننا مخبولون- ولكنا نرى اننا الحكماء".

ويبدو ان "الشعب الطيب" في العالم العربي يفكر بالطريقة ذاتها. وقد اعتبر حزب الله انه يقاتل "معركة الامة". وبدا ان معظم "الامة" يرون الامر كذلك. وخرج المتظاهرون، ومعظمهم من الاسلاميين وان كان قسم كبير منهم علمانيين ايضا، في كل عاصمة عربية. (...)

وقد تجاوز حزب لله لفترة على الاقل التفرقة الطائفية. اذ دعا المرشد السني للاخوان المسلمين في مصر 10 آلاف مجاهد لينضموا الى اخوانهم الشيعة في لبنان، وخرجت جماهير السنة الى شوارع القاهرة بالنيابة عنهم. وقالت احدى محطات الاذاعة في غزة "كلنا الان من الشيعة".(...) وفي السعودية ندد العلماء من كبار المحافظين الوهابيين بالفتاوى التي صدرت عن زملاء لهم مناوئة لحزب الله.

غير ان ادارة بوش لم تفهم بعد، او انها اذا كانت قد فهمت فانها لم تهتم بما يكفي لمحاولة وقف الحرب. بل انها شعرت بالاستياء الشديد من الاسرائيليين، وان يكن بشكل رئيس لاسباب عسكرية واستراتيجية وليس معنوية. فالامر لم يقتصر ببساطة على ان اسرائيل فشلت في توسيع الحرب على حزب الله بمهاجمة سوريا ايضا، وهو ما كانت "قطاعات كبيرة" من ادارة بوش يقودها مستشار الامن القومي اليوت ابرامز وهو من المحافظين الجدد المؤيدين لاسرائيل يحثونهم على ذلك، فكان هناك "الكثير من الغضب" في البيت الابيض لانها لم تفعل ذلك (...)

وفي مؤتمر صحافي عقده بوش وبلير في 28 تموز (يوليو) واقفين جنبا الى جنب رفض الاثنان وقفاً لاطلاق النار كانت بقية دول العالم تطالب به. الا انه لم تلبث ان وقعت حادثة قانا بعد يومين. ففي المذبحة الثانية التي تقع خلال عقد من الزمن في المكان الذي قيل ان السيد المسيح ادى اول معجزاته، قام سلاح الجو الاسرائيلي باطلاق قذيفتين من صنع اميركي زنة 2000 رطل موجهتين بدقة من طراز إم كيه84 على بناية من ثلاثة طوابق بعد منتصف ليلة 30/31 تموز (يوليو). وادى ذلك الى مقتل 28 شخصا، وكان يعتقد في بداية الحادثة ان العدد وصل الى 57 قتيلا، وقد تم اخراج جثثهم في الصباح من الطابق الارضي حيث كانوا قد خلدوا الى النوم، وهم يعتقدون بانه اكثر الملاجئ آمنا لهم في قريتهم المهجورة الى حد كبير. ومعظمهم كانوا من النساء والاطفال، ومات الكثيرون ببطء وهم يعانون من الالام يصرخون طلبا للمعونة وقد بدأ يخنقهم الدخان والغبار وانقاض المبنى الذي انهار فوقهم. (...) وبالنسبة لاسرائيل كان الاهتمام بالمواقع العسكرية قرب المراكز السكانية اشد من اهتمام حزب لله.

لو ان حزب الله كان يحتفظ بمقره الرئيس في جنوب لبنان المكتظ بالسكان، فان الجيش الاسرائيلي يحتفظ بمقره الرئيس في قلب تل ابيب. (...) وحقيقة الامر، كما يقول الصحافيون والباحثون في عين المكان، هي ان ليس هناك اي دلائل على ان حزب الله استخدم قانا كنقطة لاطلاق نيرانه. والى المدى الذي استخدمت فيه هذه التكتيكات، فان ذلك كان الاستثناء الاكبر، وليس النسق المتبع. (...)

يتبع..