أوراق لِسيكا

، مدينة جذابة تملأ جسمها الندوب و القطب لكن وجهها بارق ساطع يستقبل كل المعتمرين لثراها المُضمّخ في أكثر أيام السنة بالمطر. لم يكن لديّ ورق حين اُنفجرت أولى الصور في مُخيلتي و لا أتذكر جيدا تلك الكلمات التي كنت على وشك كتابتها و لكني أذكر أنها كانت عن الطيران فسيكافينيريا بقدر ما تشدّك إلى قوة التاريخ تهبك أجنحة لتحلق في الفضاء و تتماهى مع أجمل المدن القديمة بغداد و روما فاُسمها كما تدل عليه هو البغاء المقدس و هو الذي أنتج أجمل النصوص القديمة من أفنية المعابد في إطار الشهوانية الروحانية .
إنها ذلك الكاهن الذي يبارك زواج الكلمات و يملأ الكنائس الكئيبة بالقبلات ليعيد ولادة المسيح من كلمة و ولادة آدم من قـَبْلِهِ فهي قديمة من آلاف السنين إذ كانت عاصمة نوميديا البربرية العظيمة و مع كل مدّ بشري تكتسب معالم جديدة و تتسع لمعاني مختلفة. هذه المدينة التي تحاذي فيها الكنيسة المسيحية الجامعَ و الكنيس اليهودي و ترتبط فيها الأديان السماوية الثلاثة جغرافيا في تواؤم جمالي يعكس أصالة الجذر الأول تعطي زخما فكريا و روحيا و شعريا كان قد ألهم مفكريها و شعراءَها في عهد قرطاجة و ما قبلها حتى اليوم.
ربما كان أهم ما في سيكافينيريا ذلك الخصب المتعدد الجذور و المولـّد للفنون على اُختلافها فهي رافد مسرحي أساسي للثقافة التونسية و في المسرح تجتمع الفكرة و الموسيقى و الحالة و باُستطاعتكَ معايشة هذه العبقرية الناتجة عن الألم و التفاعل اليومي مع الطبيعة إذا اُلتقيت شيوخ هذه المدينة و مثقفيها فكل واحد منهم صورة جميلة لهذا الواقع الذي يتفاعل في جدل يومي مع الماضي القديم و كل واحد منهم شاهد على عبقرية فردية تغذي الكل.
لعل أجمل ذكرياتي فيها مزرعة والدي التي كنا (و لا نزال) نذهب إليها لنظل أياما أو أسابيع حسب نظام العُطل ففيها اُكتشفت علاقة مع الطبيعة كانت تتغذى مع السنوات إذ كانت تمتعني العُزلة ُ و أنا أراقب الظلال تنحسر و تمتدّ في الحقول و أحوالَ السماء من مطر و غيم و إشراق و نجوم و قمر و أستمتع فعلا بنبع الماء الحار شتاء و البارد صيفا يزمجر فيه الماء بألحان قوية عذبة و أنا أجلسُ قٌربَهُ لِساعات أراقب سِحر الجبال المُحاذية و السماء القريبة و كأنها تلتقف رضيعا سقط من بين يديها للتوّ.
سيكافينيريا، يا أجمل مكان على وجه الأرض، لقد كانت بالنسبة لي و أنا طِفلة كتابا مفتوحا لامتناهي الصفحات لا يبخل عليكَ بشيء و كنت في سفراتي العديدة مع والدي أشعر أنني أثري هذه المدينة و أزيدها جغرافيات أخرى تمتعني و أنا فيها فأشعر و كأنها مدينة بحرية رغم أنها ليست كذلك (كانت كذلك في العصور الجيولوجية القديمة) و لكني أنقل إليها ذلك الإحساس و أقوم بمونتاج في مُخيّلتي يُشعرني بالمتعة و الإمتداد و مازلت إلى الآن كلما أمطرت سيكا أحببت المشي في شوارعها لأني أشعر في تلك اللحظة بالذات أن الأرض و السماء شيء واحد فهي توافق مزاجي في الكتابة إلى حد كبير بل إنها هي التي صنعت هذا المزاج-المزيج من جماليات مختلفة و أفكار متعددة تصنع جدلا جميلا في كل مرّة.
أعترف أيضا أن التعدد الذي عرفته في عائلتي (فقد كان بيتنا كبيرا جدا و كانت تجتمع فيه أجيال متعددة في ذات الوقت) قد وهبني معرفة إنسانية بأنماط بشرية مختلفة بفعل المُصاهرة و كانت مائدتُنا العامرة دوما بأصناف مُختلفة من الطيبات قد فتقت حواسي على مُتَع مختلفة و جعلتني أكثر تقبّلا للآخر.
أمي، هي التي علمتني كيف أحبّ مدينتي سيكا و أعشق تُرابَها و كل ما تُنبتُهُ من بشر و نبات و جبالـَها و هواءَها أما أبي فعلـّمني كيف أراها من فوق حين أحلق بخيالي و حين أسافر لأعود و لكن كيفما نظرتَ إليها وجدتَها رائعة و ظللتَ عاجزا عن قراءة كل مُفرداتِها و الإرتواء منها مهما شربْتَ.